” بوجلود ” عندما تحاكي الفرجة الموروث الثقافي

“بويلماون ,بوجلود …”, هي أسماء متعددة تطلق على طقس واحد, وسنكتفي ب”بوجلود”على سبيل المثال لا الحصر.

“بوجلود”، شخصية ترتدي جلود أضحية العيد، من أبقار وأكباش وماعز، لكن في الأونة الأخيرة يقتصر فقط على جلود الماعز نظرا لخفتها و مرونتها. تلف شخصية “بوجلود” سبعة جلود حول جسده، ويقوم بطلاء وجهه إما بالصباغة أو بالفحم الأسود المدقوق الممزوج بالزيت ليعطي لمعانا للوجه، يخفي تماما ملامح الشخص الحقيقية وإظهار ملامح شخصية “بوجلود”,الذي يحمل في يده رِجْل خروف، ليطارد بها المارة و أهالي القرى وضربهم، من اجل جمع المال أو أي شيء تجود به أياديهم، من ورود و قمح وشعير و فواكه جافة، يعاد بيعها يوم إسدال الستار على الكرنفال، لمن يدفع أكثر.

تروي الحكايات الشعبية الشفهية,أن أصول هذا الطقس تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، وتتحدث عن وحش إفريقي، تتدلى منه الجلود، وكان يزرع الرعب في صفوف السكان، فيما ترجع حكايات أخرى أصل الظاهرة إلى زمن، كان فيه اللصوص يتنكرون، بأجلاد الحيوانات، بغية سرقة أموال السكان، أساطير أخرى تتحدث عن أن ارتداء الإنسان للجلود و التشبه بالحيوان، ما هو إلا تكريم و تقديس لهذا الكائن الحي الذي لازم الكائن البشري، أينما حل و ارتحل.

في احدى المناطق باقليم طاطا – تسناسمين- و في الاسبوع الموالي لعيد الأضحى، – و بالضبط يوم الخميس- يتم نحر بقرة أو ثور، الذي يسمى في المتداول الاجتماعي للساكنة ب”الماااعروف”( دون نطق حرف العين) كما هو معروف في أمازيغية مدينة طاطا. ويكون النحر مرفوقا بالزغاريد و الأهازيج الأمازيغية وأبرز ما يردد فيها من أهازيج ” تزاليت فلاك أنبي محامدي ” ومعناها الصلاة عليك أيها النبي محمد.

بعد صلاة عصر ثاني أيام النحر، يجتمع أهل القرية تساءا و رجالا، وكذا ضيوف الشرف القادمين من المناطق المجاورة، الكل يجتمع لحضور حلقية “هرما” التي يتحارب فيها الرجال فيما بينهم، مرتدين جلاليب بيضاء و أحزمة سوداء، والمنهزم منهم يتم إدخاله قسرا وسط الحلقية وربطه- حتى و إن كان ضيفا- إلى أن يتكفل أحدهم بالعفو عنه، إما بغرامة مالية أو عينية.

بينما يتحارب الرجال، تجد “بوجلود”المعروف في منطقة طاطا ب”شموتيت ن هرما”، تجده يطوف على المتفرجين لجمع المال أو ما تجود به أيديهم، والويل لمن يرفض فمصيره حتما سيكون الضرب، و هكذا دواليك إلى أن يرفع آذان صلاة المغرب، وتستمر الاحتفالات يوميا لمدة أسبوع تقريبا على نفس المنوال.

إذا نظرنا إلى شخصية “بوجلود” المقنعة، سنجدها ترتكز على عنصر المحاكاة والتقليد بالدرجة الأولى، الشيء الذي يجعلنا نعود بالزمن إلى الوراء، لمعرفة بدايات التمسرح التي ربطها معظم المؤرخين للمسرح بالإنسان الأول الذي كان يعتمد على المحاكاة لخلق جو من التشويق تتولد عنه رغبة مقرونة بالفضول لمعرفة علاقة الإنسان بالحيوان من طرد و افتراس حتى يتم الإيقاع بالفريسة و اصطيادها ومن تم طهيها الشيء الذي يجعل الفضاء المسرحي مكتملا بامتياز ابتدءا من الجمهور مرورا بالشخصية الرئيسية و الثانوية، ووصولا إلى الإنارة و الصورة.

في الآونة الأخيرة تعالت مجموعة من الأصوات التي تحرم هذا الطقس و اعتبرته رجس من عمل الشيطان و أصوات أخرى دعت إلى مقاطعته باعتباره خطرا على أمن الساكنة خاصة في مدينة الدشيرة الجهادية، وفي اتصال مع الباحث في الأنثربولوجيا الدكتور ’حسين اليعقوبي’ يرى هذا الأخير أن شخصية ’بوجلود’ عادة قديمة لم تعرف بداياتها بالضبط، لكنها كانت قبل الإسلام، ولها أسماء متعددة حسب المناطق – بوجلود، بويلماون، هرما, في منطقة سوس الكبير, با الشيخ على مستوى الريف, بوعفيف في الجزائر كما أن لها أسماء أخرى في جزر الكناري جنوب اسبانيا.

وفيما يتعلق بتصادف هذا الطقس وأيام عيد الأضحى يردف ذات الباحث أنه لا علاقة للعيد بهذا الطقس، ولكن لضمان استمرار يته وتعايشه مع الدين الجديد “الإسلام” تم اختيار أيام عيد الأضحى. وعن الأصوات التي تدعوا إلى قطع الصلة مع هذا الطقس يضيف اليعقوبي أن الإسلاميون هم من يروجون لمثل هذه الأفكار ضد طقس ’بوجلود’, لكن الجمعيات والسكان جد متشبثون بعاداتهم قبل أن ينهي كلامه بأن السكان والمنظمين يراهنون على أن يصبح كرنفالا عالميا من شأنه أن يساهم في التنمية الاقتصادية للمناطق التي تحتفل به.

على مدار أسبوع تقريبا تستمر الاحتفالات – سوس الكبير, الصحراء, الأطلس, الريف.- بشخصية ’ بوجلود’, وغالبا مايختتم الكرنفال بالدعاء للأهالي بدوام الأمن، والتلاحم، و بحضور فرق الفنون الشعبية كل حسب منطقته –أحواش, أجماك, أحيدوس, الأناشيد…-.

ان الثقافة الشعبية المغربية لفيها من الموروث ما يجعلها من أعرق الثقافات على وجه البسيطة، لكن بعض الممارسات المشينة من الاستغلال والابتزاز للسكان باسم ’بوجلود’ تجعل سمعة الكرنفال و معها الثقافة الأمازيغية على المحك، الشيء الذي يجب أن تأخذه الجمعيات الفاعلة بالمجال و المجالس البلدية بعين الاعتبار، والإسراع بتقنين الكرنفالات، حتى لا يصبح هذا الطقس

سيف ذو حدين وعوض أن يرتقي بالثقافة الشعبية المغربية درجات, تجده يهوي بها دركات.

* زينة ايت يسين : موظفة/ طالبة بكلية الآداب بالرباط

z.aityassin@gmail.com

zaynambark.yassine@facebook.com

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.