بني اعمارت، العدل والأرض:

«عندما جاءت البعثات التبشيرية إلى أفريقيا، جاءوا ومعهم الكتاب المقدس، وكانت معنا الأرض. قالوا لنا: لنصلِّ. أغمضنا أعيننا، وعندما فتحناها كان معنا الكتاب المقدس، واستولوا هم على الأرض».

ديسموند توتو، جنوب إفريقيا

في ظرف وجيز لا يتعدى ستة سنوات ونيف تناوب الحكم على آيت عمارت كل من جمهورية اتحاد قبائل الريف والجمهورية الفرنسية والمملكة الاسبانية قبل ان يتحول الحكم الإسباني الى جمهورية ليتم فيما بعد نقل هذا الحكم الى المملكة المغربية.
وكما هو الشأن مع كل استقلال مغشوش فقد تم مع خروج العسكر الإسباني نقل جل الممتلكات التي انتزعها المستعمر من أهلها بالقوة الى ثلة قليلة من الأشخاص والعائلات التي وضع الاستعمار فيها ثقة كبيرة بسبب تعاونها معه وتقديم خدمات جليلة له لتسهيل بسط سلطته على المنطقة أكثر.
نفس العائلات والأشخاص الذين أجزتهم القوى الاستعمارية على أدوارهم سيلعبون لاحقا دورا كبيرا في ما يسمى بمغرب الاستقلال عبر تنصيبهم من طرف النظام الملكي المغربي في مراكز نفوذ مهمة ليستغلوا بعدها سلطتهم للإستحواذ على أراضي أخرى بتخويف أصحابها بهول المخزن تارة وتارة أخرى بالالتجاء الى الحيلة وإلى القانون الذي غالبا ما لا يحمي لا الفقراء ولا الجهلة به.
في آيت اعمارث تعرف الساكنة الحاج جادي* جيدا. إنه الشخص الذي نصب في مركز نفوذ مهم كأول قائد في المنطقة، تحت راية حزب الاستقلال ويقال عنه انه يمتلك لوحده نصف أراضي آيث عمارث وأصبح بين عشية وضحاها
من أكبر إقطاعيي القبيلة.
يتداول سكان المنطقة واقعة مفادها ان رجلا من ” أهارمان” قصد قبيلة آيث عمارث، عندما وصل الى مركز القبيلة وقرر بعد سفر مضن وطويل، أن يمنح لنفسه ولبغلته، فسحة استراحة، بوغت وهو منشغل بربط بغلته بحارس الارض الذي طرده هو وبغلته بحجة أن الأرض ملكية الحاج جادي. غادر الرجل المكان وذهب الى أبعد نقطة وربط بغلته مرة أخرى. ليفاجئه حارسا آخر ويطرده قائلا:
– ماذا تفعل هنا؟ ألا تعرف أن هذه أرض الحاج جادي؟
فرد عليه الرجل:
– ( إذن السما دْربي واللارض دالحاج جادي؟)
تروى واقعة أخرى بنفس المغزى أن رجلا من نفس القبيلة كان جالسا في المسجد يتبادل أطراف الحديث مع الآخرين حين أذن المؤذن للصلاة. بعد أن قام الكل لأدائها، بقي الرجل قاعدا في مكانه ولم ينضم الى صفوف المصلين. حينما استدعي إليها قال لهم:
– ” آخيا… مي التامورث يوشيت إي ارحاج جادي .. ناش يجايد أتزادجيث!” أي: ( الامر هكذا اذن؟ الحاج جادي أعطاه الأرض وأنا ترك لي الصلاة؟)

فكرة ‘الله الغير العادل’ أو استعمال الله من قبل حكام متسلطين وينعدم العدل من حكمهم، هي منتشرة بكثرة في ريف ما بعد ‘الاستقلال’ خصوصا بعدما تم نقل ممتلكات المستعمر الى عائلة دون أخرى وتم توزيع خيرات البلد بشكل بعيد عن تصور أهل الريف للعدالة الإلهية من قبل الحكم النظام الملكي الجديد والغريب عن المنطقة والذي يسند شرعية حكمه من الله باعتباره (أي النظام) خليفته في الأرض.
يحكى أيضا أن رجلا في جزء آخر من الريف، صادف في يوم من أيام رمضان “أبله القرية’ وهو يقضم من خبز فقال له الرجل:
– ألا تستحيي وأنت تأكل رمضان في واضحة النهار ؟
فكان رد الأبله عليه:
– لا آكل رمضان.. أنا آكل الخبز.. وعلى ذكر رمضان فلماذا وزعه على الرؤوس بالتقسيط بينما الأرزاق جمعها ومنحها فقط لفلان وفلان بدون فلان؟
إن المقولة الشهيرة التي بدأت بها هذا النص لأشهر قسيس إفريقي والتي نتداولها بكثرة فيما بيننا، نجد مثيلاتها في الموروث الشعبي في الريف بكثرة وبنفس المغزى تقريبا. فرغم أنها تحتمل أوجه قراءة متعددة كالتسامح والتعدد الديني، فإنها تجسد وعيا عميقا بميكانيزمات العدالة وكيفية توظيف الدين من طرف الحكام للاستحواذ عن الأرزاق وخلق مواقف مهادنة بين أطراف الشعب، تستسلم لللاعدل عبر إضفاء الإرادة الإلهيه على هذا الجور والظلم الذي لحق بالشعب من قبيل أفكار مثل الأرزاق في يد الله وهو الذي يختار من يرزق من عباده ومن يسقط عنه أرزاقه ويجرده منها ليتم تأسيس قاعدة أن غنى بعض الناس واستمرارية نفوذهم وتكديسهم لغنى فوق غنى ما هو إلا تعبير عن رضى الله عليهم وعلى أعمالهم وقد جزاهم الله هنا في الدنيا قبل الآخرة..
بهذه الطريقة وباسم الرب تطمس حقيقة السطو والاستحواذ اللاشرعيين لقلة من الناس على بركات البلاد… وخيرات العباد.

*ملاحظة:
الحاج جادي شخصية عمومية، هذا هو السبب الذي جعلني أختار لاستعمال اسمه كما هو.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.