تحليل: بنكيران وعبارة “هذا جهدي على سيدنا” هل تعب بنكيران في طريق الفوز بثقة الملك؟

ناصر المجدوبي

بنكيران والبحث المضني عن ثقة الملك

المتتبع للمشهد السياسي المغربي بشكل عام ولخرجات رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بشكل خاص، يستطيع للوهلة الأولى أن يستشف بأن هذا الأخير ،ومنذ وصوله إلى عتبة الحكم عبر الحراك المغربي، الذي ضمّن الدستور بندا يجبر الملك ان يختار رئيس الحكومة من الحزب الذي يحصل على اكبر عدد من المقاعد، وعبر تصويت مليون ونصف مغربي عليه في انتخابات الربيع المغربي، أقول منذ ذلك الوقت وهو يحاول إرضاء الملك وكسب ثقته عبر ذكره في مجالسه بمناسبة وبدونها اكثر من ذكر الله. ومؤخرا وفي اجتماع داخلي لحزبه دعا أولا أتباعه من الشباب إلى العض بالنواجد على الملكية والتشبث بها ثم خاطب الملك قائلا: ” أنا معك حتى ولو أدخلتني للسجن ” وختم قائلا: ” هذا جهدي على سيدنا” وهي عبارة تقال للشخص الذي تعمل من أجله كل شيء لإرضائه وهذا يدل على أن بنكيران قد استنفذ ما في جعبته من كلمات للفوز بثقة الملك.

الحالة الطبيعية التي يجب أن يكون عليها بنكيران هي أن يطلب ود ورضى الشعب الذي أوصله إلى رئاسة الحكومة ويركز على تنفيذ برامجه الانتخابية التي وعد بها إياهم، لكن ما الذي يجعل بنكيران يسعى بكل ما أوتي من تملق وتزلف لنيل رضى الملك؟

وثائق ويكيليكس وصورة الاسلاميين في مخيلة محمد السادس

كشفت وثائق ويكيليكس بأن الملك محمد السادس قال ذات يوم للسفير الأمريكي بالرباط: “لا بد لي أن أقول لك شيئا مهما. عندما نتحدث عن الاسلاميين، سواء المعتدلين أو المتطرفين، فإنهم جميعا مناهضون للولايات المتحدة”. وأضاف الملك محذرا ضيفه “لا تنخدع، فقط لأنهم يبدون مسالمين وطيبين. إنهم يبدون متعقلين. لكن يتعين على الولايات المتحدة أن لاتكون لديها أوهام بشأنهم. إنهم معادون لأمريكا”

من خلال هذه الوثيقة التاريخية، تتضح صورة الإسلاميين في ذهن محمد السادس حيث يعتبر كل ” اولاد عبد الواحد واحد ” وكأنه يشيطنهم في وجه اولاد العم سام ، ولا نظن بأن بنكيران وأعضاء حزبه لم يطلعوا على هذه الوثيقة التاريخية ولم تترسخ في أذهانهم وذاكراتهم، ولذا يسعون بكل ما اوتوا من قوة لتغييرها حتى يكسبوا ثقة الملك ويبينوا له بانهم يبايعونه بيعة شرعية دينية لا تتدخل فيها استحسان وعدم استحسان سياسته حسب تعبير بنكيران في خرجته الأخيرة وانهم مثلا ليسوا كالعدل والاحسان وباقي الاسلاميين الذين ينازعون الملك ويعارضونه ولو بدرجات متفاوتة. هم مستعدون للسجن وحتى الموت من أجله.

محيط الملك يؤرق مضجع بنكيران

بالاضافة إلى وثيقة ويكيليكس، يرى بنكيران بأن طوق النجاة الذي يمكن أن يسند إليه ظهره هو الظهور بالمدافع الشرس عن الملكية والفدائي الأول لها خاصة وهو يعلم بأن رجلا شرسا مثل فؤاد عالي الهمة مؤسس البام، الحزب الغريم للبيجيدي، يعتبر رقما صعبا في محيط الملك وهو بلا شك سند العدو اللذوذ لبنكيران إلياس العماري. ومن الاكيد انه يسيره ولو من بعيد.

هذه باختصار هواجس بنكيران التي تقض مضجعه وتجعله يذكر الملك في سره وعلانيته لعله يحظى بالثقة المولوية التي تجعله في وضعية مريحة لأن زعيم البيجيدي يعلم بأن أصوات الشعب وحدها غير كافية ليكون رئيسا للحكومة، فصوت الملك أقوى وأكثر وزنا.

وبذلك تذهب كل مزاعم “ثورة الصناديق” والدستور الجديد أدراج الرياح، ويعود بنكيران ليؤسس لعلاقة عرفية مغرقة في الاستبداد بين الملك ورئيس الحكومة، لقد قال بنكيران انهم مجرد خدم لجلالة الملك، ولذلك يُطرح سؤال ما جدوى الانتخابات، وما جدوى وجود احزاب سياسية، ما دام وزراء الحكومة هم مجرد خدم للملك؟

كما أن الملكية تبدو مرتاحة في ظل هذا الصراع بين بنكيران وصحبه من جهة وفؤاد عالي الهمة وخدامه من جهة أخرى، هو صراع ضروري لحفظ التوازن، وحفظ ضرورة وجود الملكية كحكم بين المتصارعين على حب الملك. لقد استكمل بنكيران في تصريحاته الاخيرة دورة العودة الى الملكية التنفيذية المطلقة، التي كانت تبدو قد بدأت تتململ من مكانها بعد الحراك الشعبي، يبدو الرجل وكأنه يسابق الزمن ليعبّر عن كامل اخلاصه للملك قبل انتخابات 7 أكتوبر، وهو بهذا يقرّ بحدسه السياسوي ان رضى الملك هو سبيل بقائه على كرسي رئاسة الحكومة، أما التصويت والبرامج الانتخابية والصراع السياسي فهو مجرّد “خضرة فوق الطعام” تزيّن مركزية الملكية وتحكّمها في كل شيء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.