بنكيران والسيسي والفوتوشوك

حين تم الإعلان مستهل الأسبوع الماضي، عن ذهاب رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران إلى منتجع شرم الشيخ المصري، للمشاركة في أشغال الدورة 26 لقمة جامعة الدول العربية نيابة عن الملك محمد السادس، انهالت العديد من الانتقادات على بنكيران، لا لشيء سوى لمجرد قبوله الذهاب إلى مصر أثناء حكمها من طرف الرئيس عبد الفتاح السيسي، لأن ذلك يعني ببساطة، اعترافا من بنكيران وحزبه بشرعية كل ما تم في مصر بعد الإطاحة بحكم الرئيس المنتخب محمد مرسي.

لكن أكثر المنتقدين شراسة آنذاك، لم يكن يتصور أن بنكيران سيضع يده في يد السيسي، وساد الاعتقاد أن الأمر لن يعدو أن يكون مجرد مشاركة بروتوكولية، مع تلاوة الرسالة الملكية في أشغال القمة، ثم العودة سريعا إلى المغرب، حتى يمسك بنكيران العصا من الوسط، ويرضي جميع الأطراف. أما إذا كان لابد من لقاء بين بنكيران والسيسي فالكل ظن أنه سيكون في الخفاء، بعيدا عن الكاميرات، عملا بشعار (الإسلاميين) الخالد: “إذا بليتم فاستتروا”.

ولهذا فإن الصدمة كانت أقوى من أن تحتمل هذه المرة، حين استفاق الجميع صباح يوم الأحد 29 مارس 2015، على خبر اللقاء الذي جمع بين بنكيران والسيسي، وهو الأمر الذي تم توثيقه صوتا وصورة، وشكل الموضوع الأكثر تداولا بين عموم المغاربة، ويبدو أنه سيظل كذلك لمدة طويلة.

وما زاد الطينة بلة أن بنكيران لم يكتفي بمجرد اللقاء، بل لقد  قال الشعر في السيسي، وتغزل بحكمته وبعد بصيرته في خدمة مصر وقضايا الأمة العربية، وبارك خطواته في الدفاع عن الدين الإسلامي ومواجهة أية أفكار مغلوطة يحاول البعض الترويج لها باسم الدين. لدرجة جعلتني شخصيا أفرك عيني من شدة الاستغراب، حتى أتأكد أنني لا أحلم وأن الأمر حقيقة لا خيال.

فالرئيس الذي قابله بنكيران هو ذات الرئيس الذي سبق وأن نعته هو نفسه ب “الانقلابي”، ودعا أعضاء حزبه للخروج في مسيرات احتجاجية تنديدا بمجزرته في رابعة العدوية، ودعما لما ظل لشهور طويلة يقول أنها “الشرعية” التي انقلب عليها العسكر في مصر. بل إن يد بنكيران التي امتدت لمصافحة السيسي هي ذاتها التي سبق أن رفعها أكثر من مرة أمام كاميرات الصحفيين، ملوحا بشارة “رابعة” ومبشرا بنصر الله القريب لإخوانه في مصر.

ولا أدري ما هو الإحساس الذي ينتاب الآن أعضاء حزب العدالة والتنمية بعد هذا الذي حدث؟؟؟ ولكن الأكيد أن المخلصين منهم سيفكرون في مغادرة هذا الحزب الذي اتضح بالملموس أن رئيسه يتاجر بكل شيء، بداية بالإسلام ونهاية بدم الأبرياء المسفوك، حتى ينال رضى أسياده في مشارق الأرض ومغاربها، ليستمر في منصبه لأكبر مدة ممكنة. أما الانتهازيون فسيبحثون عن مبررات يسوقونها للدفاع عن رئيسهم، وسيصدعون رؤوسنا بأن تلك أحوال السياسة المتقلبة والتي تجعل عدو اليوم صديق الغد، وسيشيدون ببراغماتية بنكيران التي يجب أن يتحلى بها أي سياسي ناجح، يعرف كيف يسبح في بحور العلاقات الدولية المتلاطمة خدمة لمصالح وطنه وبني وطنه.

وقد قال لي أحد هؤلاء أن بنكيران تصرف كرئيس حكومة مسؤول حريص على مصالح الشعب المغربي، وحين أجبته متسائلا: “وهل حين رفع شعار رابعة كان رئيسا لحكومة اليابان الشقيقة؟؟؟”، أجابني أنه حينها كان يعتقد أن الإخوان عائدون وأنهم سيسقطون الانقلاب العسكري، فقلت له: “إذن فبنكيران مع الفرقة الرابحة حتى لو كانت فرقة شياطين؟؟؟ لا تقل لي لا إسلام ولا هم يحزنون؟؟؟ هو النفاق بعينه إذن”. وهو الشيء الذي جعله يبتلع لسانه دون أن يجد شيئا آخر ليقوله.

والحقيقة أن هذه المبررات ومثيلاتها، لا يمكن بأي حال من الأحوال القبول بها من حزب يقول أنه حزب إسلامي، فالبراغماتية والميكيافيلية إن كان يمكن القبول بهما في عالم السياسة، فهما أمران مرفوضان في الإسلام وفي كل الأديان سواء السماوية أو الوضعية، لما تنطويان عليه من كذب ونفاق وخداع… ولذلك لطالما طالبنا من عموم التيارات الإسلامية عدم خلط الدين بالسياسة، حتى لا يختلط على المغاربة ما هو تكتيكي وسياسي بما هو ديني وأخلاقي، لدرجة ستقود لا محالة، الكثير من عامة الناس، أمام تقلبات بنكيران الدراماتيكية، وأمثاله من تجار الدين، إلى الاعتقاد أن الكذب والنفاق والخداع أجزاء أصيلة من الإسلام.

وما يدعو صراحة للأسف أن بنكيران حتى وهو يقدم على هذه الخطوة الانقلابية، فإنه لم يتصرف كرجل دولة يحترم بلده. فلقد تم اللقاء في غرفة يتوسطها علم مصري كبير دون أدنى وجود للعلم المغربي. وفي الأعراف الديبلوماسية فهذا خطأ كبير يصل لمستوى الإهانة. ولكن في هذه الحالة بالذات، وعلى سبيل الكوميديا السوداء، فسأقول أنني سعيد بهذا الخطأ، فهكذا على الأقل يمكننا أن نقول أنه في غياب العلم المغربي فهذا اللقاء لا يخص سوى بنكيران بصفته الشخصية، أما الشعب المغربي فهو بريء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.