بنكيران بين إيواء رجال السلطة وتشريد الشعب

مثل كل المغاربة، صدمني خبر استعداد حكومة بنكيران، عبر مشروع مرسوم تعده وزارة الداخلية، لتتميم مشروع المرسوم المتعلق بتحديد التعويضات والمنافع المخولة لرجال السلطة بالمغرب، وذلك حتى يتسنى لرجال السلطة من ولاة وعمال وباشوات وقياد، الاستفادة من تعويضات بدل السكن، وذلك عن طريق تعويض جزافي يتم صرفه إلى جانب الأجرة كل شهر، حيث سيستفيد الوالي من تعويض شهري عن السكن يبلغ 32.260 درهم، والعامل من مبلغ 26.460 درهم، والباشا الممتاز من مبلغ 15.000 درهم، والباشا من مبلغ 12.740 درهم، والقائد الممتاز من مبلغ 9 آلاف درهم.

ومما جعل شدة صدمتي تكبر وتشتد، علمي أن هذه التعويضات وفقا للمادة الثانية والأخيرة في المرسوم تنص على أنها ستُحتسب بأثر رجعي انطلاقا من فاتح يناير 2012، وهو ما يعني أن رجال السلطة المعنيين بالأمر سيستفيدون من تعويض جامع مانع عن 39 شهر الماضية، حيث أن الوالي الواحد مثلا سيحصل دفعة واحدة على مبلغ 125 مليون سنتيم، في حين أن العامل سيحصل على مبلغ 103 مليون سنتيم… قبل أن ينتظموا جميعا في أخذ تلك التعويضات على رأس كل شهر، مع أجرتهم وباقي التعويضات والامتيازات التي يتمتعون بها، على غرار التعويض عن اللباس مثلا، والذي يبلغ 8400 درهما شهريا بالنسبة للوالي، و6500 درهما للعامل، و2000 درها لكل قائد، وهو ما يكلف خزينة الدولة، في النهاية، مبلغا خرافيا يصل ل20 مليار سنتيم سنويا كتعويضات فقط عن لباس رجال السلطة.

بنكيران لتبرير هذه التعويضات السخية حد الجنون لرجال سلطة الحكومة التي يرأسها، والتي سيتم تمويلها من دم ودموع فقراء هذا الوطن الغارق في أزمات اقتصادية واجتماعية لا حدود لها، خرج نهاية الأسبوع الماضي عن صمته، في نشاط لحزبه بمدينة تطوان، ليقول للمغاربة أن الحكومة ملزمة بتوفير السكن الوظيفي لرجال السلطة الذين يلتحقون بالإدارة المركزية، على اعتبار أن الظهير المنشئ لهذه الدرجة الوظيفية يضمن لصاحبها السكن، وهو ما يجده الولاة والعمال متوفرا في المناطق التي يعينون بها، عكس المشتغلين في الإدارة المركزية الذين يجدون أنفسهم محرومين من السكن، مؤكدا أن هذه التعويضات لا تهم سوى 6 في المائة من رجال السلطة المركزيين الذين اشتكوا من عدم استفادتهم من حق يضمنه لهم ظهير ملكي.

لكن ما نسي أن يقوله بنكيران في تطوان، وهو يتراجع مؤقتا عن عرض مشروع مرسوم تعويضات الولاة والعمال على مجلس الحكومة، قصد مزيد من الدرس، بعد أن شعر بحجم الغضب الشعبي الذي أحدثه شيوع الخبر في نفوس المغاربة، هو أن شعار حملة حزبه الانتخابية، والذي نقله حرفيا عن حركة 20 فبراير، حتى يركب بانتهازية مقيتة على شعبيتها وعلى تعاطف فئات عريضة من الشعب مع مطالبها، كان يتلخص في جملة واحدة هي محاربة الفساد والاستبداد، وأن المغاربة الذين صوتوا على حزبه وجعلوه يتبوأ المرتبة الأولى في انتخابات 25 نونبر 2011، فعلوا ذلك لأنهم وثقوا في وعوده، واعتقدوا أنه سيقضي على تلك الامتيازات العبثية الظالمة، التي تتمتع بها فئة من كبار المسؤولين والموظفين، لا أن يكرسها وينفخ الروح فيها، في وقت يعيش فيه نصف المغاربة تحت عتبة الفقر، ينهشهم الجوع والمرض.

بنكيران حريص على أن يستفيد رجال السلطة من حقهم في تعويضات يضمنها لهم ظهير ملكي، لكنه غير حريص على أن يستفيد المعطلون من حقهم في الشغل والذي يضمنه لهم الدستور أبو كل القوانين.

وهو حريص على كسب ود الولاة والعمال والقياد أشهرا قليلة قبل موعد الانتخابات التي سيشرفون عليها تحت مراقبته وإدارته، ولكنه غير حريص على وضع المغرب على سكة الديمقراطية الحقيقية عن طريق خلق هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات تضمن حياد الإدارة، وتغنينا عن سوء الظن في عدم نزاهة رجال السلطة وتزويرهم للانتخابات لطرف على حساب آخر.

وهو حريص على تكريس الريع وتبذير المال العام على كبار المسؤولين والموظفين في الدولة، ولكنه غير حريص على تكريس قيم العدالة الاجتماعية والمساواة بين أبناء الشعب الواحد، الشيء الذي يجعل هوة الظلم المقيتة تكبر وتتسع بين طبقة غنية محدودة العدد تتمتع بكل شيء، وطبقة مسحوقة تتعاظم أعدادها يوم بعد يوم، وتعيش دون الحد الأدنى الذي يضمن لها الكرامة.

وهو حريص على زرع أتباعه في مفاصل الدولة، وملئ المناصب الشاغرة في الوظيفة العمومية بأعضاء حزب العدالة والتنمية، ولكنه غير حريص على تشغيل أبناء الشعب الذين أقفل في وجههم أبواب الوظيفة العمومية بطريقة مهينة وصلت حد نعته للمعطلين من حاملي الشواهد العليا الذي يطالبون بالشغل في سلك من أسلاكها، بأنهم مصابون بخلل في الدماغ يجب البحث في أسبابه.

وهو حريص على تنفيذ تعليمات البنك الدولي من خلال الاتجاه نحو إلغاء الدعم عن السكر والزيت والقمح والبوطاغاز، والزيادة في أسعار كل شيء، ولكنه غير حريص على استفادة الفقراء والعاطلين عن العمل من تعويضات تكفيهم مذلة السؤال، وتضمن لهم سبل العيش الكريم.

بنكيران حريص على بقائه في كرسي السلطة، وهو يعتقد أن أمر استمراره في رئاسة الحكومة من عدمه، رهين بمدى استطاعته خدمة أولياء نعمته، وكبار مسؤولي الدولة وموظفيها، حتى لا ينقلبوا عليه، وهو يفعل ذلك  طمعا في متاع دنيا فانية لطالما احتقر من يجرون وراءها، حين كان في المعارضة يختبأ وراء قناع الدروشة والدين. واليوم ها هو القناع يسقط عن القناع عن القناع عن القناع… ليظهر لنا بنكيران عاريا تماما كما ولدته أمه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.