بنكيران بين أحضان السيسي

قبل ثلاث سنوات ، حين دخل السيد بنكيران إلى مبنى الحكومة ، كانت لحيته كثيفة إلى حد ما ، ثم مع الأيام راح يمارس عليها عمليات التقصير و التشذيب ، حتى كادت تختفي تماما و هو يصافح الرئيس المصري. و ليس عيبا أن يميل رجال السياسة مع الريح ، لكن بنكيران له وضع خاص ، فهو ليس سياسيا فقط ، و إنما زعيم حزب يرتدي قفطان الإسلام و لا يكف عن المقامرة بالعملات الدينية في الأسواق الانتخابية .

    لو عدنا قليلا إلى الوراء ، لرأيناه يقبض إبهامه و يبسط أصابعه الأربعة تضامنا مع إخوانه في التنظيم الدولي   الذي تعتبره السلطات المصرية تنظيما إرهابيا ، ثم دارت الأيام على نحو صادم ، و ها نحن نراه يبسط أصابه الخمسة ليصافح الماريشال السيسي أمام دهشة المغاربة و المصريين و سكان موزمبيق أيضا  ، فجأة لم يعد السيسي انقلابيا و لا دمويا في عيون بنكيران ، فسبحان الذي خلق الرخويات و جعل الزبدة تذوب في النار . و حتى لا نستعمل مفردة قاسية كالنفاق  ، يكفي القول بأن الحرباء نفسها شعرت بالخجل إزاء الانقلاب المناخي المفاجئ الذي حدث في كوكب بنكيران .

   هذا التحول في المواقف من الشيء إلى نقيضه ليس غريبا على الإسلاميين ، لأن الرئيس المخلوع محمد مرسي فعل شيئا أكبر من ذلك بكثير . فقبل أن يمتطي بغلة السلطة ، كان لا يكف عن شتم  الإسرائيليين و سبهم بأوسخ الألفاظ ، خصوصا في ذلك الفيديو الشهير الذي يصفهم فيه بأحفاد القردة و الخنازير ، ثم دارت الأيام ، ليصدم أنصاره قبل خصومه ، و يبعث برسالة أخوية إلى شقيقه الإسرائيلي شيمون بيريز ،  و يصفه بـ « عزيزي و صديقي العظيم ! » ثم يختم الرسالة بعبارة « صديقكم الوفي ! » .

     ليس غريبا إذن أن يقابل بنكيران صديقه العزيز عبد الفتاح السيسي ، و أن يوجه إليه عبارات الغزل و الكلام المحلى بالزبيب و البرقوق   ، أو ربما يتحفه بإحدى مقولاته الخالدة من نوعية « ديالي كبير عليك » ، لأن السياسة فن الممكن كما يقال ، فليس لها كعبة ثابتة و إنما تدور إبرة البوصلة حسب اتجاه المصالح . غير أن العيب يكمن في كون سيد المصباح قد وصل إلى رئاسة الحكومة ممتطيا صهوة الدين و حاملا في يده المصحف ، مما يعني أن المبادئ عنده فوق كل اعتبار . لكن يبدو أننا قد ضعنا في متاهات بنكيران ، و لم نعد ندري هل أخذ مرجعيته السياسية من وصايا الفاروق أم من كتاب « الأمير » للصحابي الجليل ميكيافليي بن أبي دعدع . مهما يكن فلا مجال للوم العبد الفقير إلى الغاز ، و ماذا عساه أن يفعل و هو يرى ماما قطر بجلالة قدرها تغير موقفها من السيسي ، حيث لم يجد أميرها حرجا في تقبيل هازم الإخوان و معانقته في شرم الشيخ . و بما أن ماما قطر هي إمام الإسلاميين في هذا الزمان فلا يجوز للمأموم أن يخالف إمامه حسب قول جمهور العلماء .

     على أي حال ، عندما  يجري تغميس جلباب الدين في مستنقع السياسية فلابد أن يتلطخ على نحو خادش لقدسيته السماوية . و ربما رأفة بالإسلام ، ينبغي للسيد بنكيران  أن يفكر جديا في شراء شفرة جيليت ، أو يفطم حزبه نهائيا عن ثدي حركة التوحيد و الإصلاح ،  فالعلاقة بين الدين و السياسية هي نوع من زنا المحارم ، و الخاسر الأكبر في هذه العلاقة المشبوهة هو الدين نفسه . و من المثير للغثيان أن نرى حزب المصباح ينتعل الإسلام ليمشي به في مرحاض السياسة ، دون اكتراث للأوساخ ، و لعل النبي ( ص) لو كان حيا لتبرأ من كل هؤلاء المتاجرين باسمه ، هؤلاء الذين يضعون المصاحف على أسنة رماح الانتخابات ليخدعوا الناخبين . فرائحة الدين في جلباب بنكيران هي التي جعلت بسطاء المغرب يتسابقون حفاة عراة للتصدق عليه بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية ، و لولا الرائحة الدينية في جلبابه المرقع لما كان في مقدور حزبه أن يحصل على ربع  تلك الأصوات .

    في سياق متصل ، لم نسمع عتابا من الشيخ الريسوني على هذا الانقلاب المناخي المفاجئ ، فلعل صوته صار مبحوحا بسبب غنائه المستمر في حفلات الإجهاض ، أو ربما لأن المسألة لا تدخل في مجال اختصاصه ، فهو متخصص أساسا  في القضايا الكبرى التي تتعلق بالإجهاض و المرحاض و الاستنجاء و المحيض و هلم جرا ، و لا يمكن أبدا أن ينزل إلى مستوى القاذورات السياسية . لعلنا نلتمس له العذر ، فمنصبه في شركة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تمنعه من الإدلاء برأي لا يحظى بمباركة شيوخ الغاز الطبيعي ، و ذلك خوفا من خسارة فرصته في خلافة مولانا القرضاوي سامحه الله  ، فاتحاد العلماء المسلمين ليس إلا شركة مساهمة برأس مال قطري متخصصة في إصدار الفتاوى حسب المقاس ، و الأولية طبعا لطلبات الزبون الأمريكي .

    في الأخير ، ماذا بقي في رصيد بنكيران ؟ لقد اكتشفنا أن كل شيكاته بلا رصيد ، و كل أرقامه مزيفة ، و الرقم الوحيد الذي وجدناه أصليا هو الصفر  . لعل المغاربة يستفيدون من الدرس ، و يستفيقون من منومات بنكيران الذي أصبح ورقة مثقوبة ، فيبدو كما لو أن الإسلاميين لا يملكون إلا الخطب و الشعارات و القوالب ، و الشيء الوحيد الذي يبرعون فيه حقا هو ما نراه في سوريا و العراق ، فأينما حل الإسلاميون حل الخراب و لا شيء أكثر .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.