بنبركة يدق من جديد أبواب المجلس الوطني لحقوق الإنسان

 

مرة أخرى تعود قضية المهدي بنبركة لتطفو على السطح، بعد أن كشف تحقيق صحفي تم نشره في يومية “يديعوت أحرنوت” الاسرائيلية يوم الجمعة 20 مارس 2015، عن تورط جهاز الاستخبارات الاسرائيلي المعروف اختصارا بالموساد، في عملية اغتيال المهدي بنبركة.

فقد أظهر التحقيق استنادا إلى الأرشيف السري للموساد، بعد أن تم الكشف عن البعض من وثائقه للعموم، من جهة نظرا لتقادم تلك الوثائق، ومن جهة أخرى لعدم مساسها بالأمن القومي الإسرائيلي في الوقت الراهن، أن جهاز الموساد وافق على طلب تقدم به الجنرال أوفقير الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير داخلية المغرب، من أجل المساعدة في عملية “الباب الأخير” التي كانت نتيجتها اختطاف المهدي بنبركة من أمام مقهى “ليب” بالعاصمة الفرنسية باريس في 29 أكتوبر 1965، ومن تم تصفيته والتخلص من جثته مباشرة بعد ذلك.

صحيح أن التقرير برأ رجال الموساد من التورط المباشر في عملية القتل، وأكد أن أيا من رجال الاستخبارات الإسرائيلية لم يكن حاضرا ساعة تنفيذ الجريمة، لكنه في المقابل أقر بأن الموساد ساهم مساهمة فعالة في تنفيذ المخطط الجبان، ولولا ذلك لما كتب له النجاح. فالموساد هو من قام بتزوير جوازات السفر التي مكنت القتلة من الدخول والخروج إلى فرنسا دون إثارة الانتباه، والتي سمحت لأعوانهم الفرنسيين من الهروب مباشرة بعد إنهاء مهمتهم القذرة، والموساد هو من قام بتوفير المكان الذي قطنه القتلة واجتمعوا فيه بالعاصمة الفرنسية باريس، والموساد هو من زور الوثائق التي سمحت للمجرمين بكراء السيارات التي كانت ضرورية من أجل نجاح العملية.

لكن أهم ما كشف عنه التحقيق هو قيام 5 من رجال الموساد الاسرائيلي، بحمل جثة المهدي بنبركة من الشقة التي تم قتله فيها، بعد أن تلقوا  مكالمة من أحمد الدليمي الذي كان يشغل آنذاك منصب المدير العام للأمن الوطني المغربي، يخبرهم فيها أنه قد قتله بالخطأ، حيث قاموا بعد ذلك بدفن الجثة في إحدى حدائق باريس، وسكبوا عليها مادة كيميائية أتلفتها بسرعة كبيرة، تجنبا لأي صدفة قد تقود أي عابر سبيل أو أي أحد من مرتادي تلك الحديقة لكشف ذلك القبر اللغز.

ما كشفته وثائق أرشيف المخابرات الاسرائيلية، وما كشفه تحقيق يومية “يديعوت أحرنوت” يسائل المجلس الوطني لحقوق الإنسان بقوة، على اعتبار أن المجلس لطالما رد على الحركة الحقوقية المغربية في مطلبها العادل بضرورة الكشف عن تفاصيل ما جرى للمهدي بنبركة، بكون هذا الملف الشائك تتداخل فيه مجموعة من الأطراف الخارجية، وأن الحقيقة تتقاسمها مجموعة من الدول عبر أجهزتها الأمنية والاستخباراتية، وبأن المجلس الوطني لحقوق الإنسان يعمل كل ما في وسعه من أجل كشف الحقيقة كاملة. وهي العبارات التي ظل المسؤولون المتعاقبون على المجلس يرددونها، في شبه تكرار ممل، دون أن يعرف الملف من جانبه المغربي أي جديد.

والحقيقة أن هذه الدفوعات التي يقدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، لتبرير فشله في ملف بنبركة، ما عادت ترضي أحدا. خصوصا وأن المعلومات تأتينا في كل مرة من الخارج الذي يختبؤ وراءه المجلس، في حين أننا نجابه في كل مرة نسعى فيها إلى التقدم خطوة إلى الأمام، بعدم قبول الدولة المغربية لفتح أرشيفها للاطلاع عليه، وبرفضها تقديم ما لديها من معلومات تهم القضية، على غرار ما تفعله كل الدول عبر العالم. وغايتنا في ذلك ليس نكأ الجراح، ولكن غايتنا أن يرتاح الشهيد بنبركة في مرقده أولا، وأن تتمكن أسرته وكل محبيه من زيارة قبره ثانيا، وأن نتصالح مع ذاكرتنا ثالثا، وأن نعمل إحدى أهم توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة رابعا، وأن نضمن عدم تكرار مثل تلك الجرائم المروعة خامسا، وأن ينال من بقي من المجرمين الأحياء العقاب الذي يستحقونه سادسا، وأخيرا أن يبقى العار يطارد المجرمين الذين فارقوا الحياة جيلا بعد جيل.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى، باستثمار هذه المعلومات الجديدة، للضغط على الدولة المغربية من أجل الكشف عن الجزء الذي يهم مشاركة بعض رجالها في جريمة اختطاف واغتيال المهدي بنبركة، خصوصا وأنه مجلس يستمد شرعيته مباشرة من الدستور، الذي أقر في تصديره والذي يشكل جزءا لا يتجزأ منه، على تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، وهو ذات الدستور الذي نص في فصله 22 على أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة” وأن “ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون”، وهو ذات الدستور الذي أكد في فصله 23 على أن “الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري، من أخطر الجرائم، وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات”. فكيف الحال إذن حين يجتمع في ملف الشهيد بنبركة كل ما تفرق في غيره من الملفات، من اختطاف وتعذيب وقتل ودفن في مكان سري، وهي الجرائم التي لا تسقط بالتقادم؟؟؟

المهدي بنبركة يدق من جديد أبواب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ولن نقبل بعد اليوم أي عذر من المجلس ونحن نطالبه بكشف الحقيقة كاملة في ملف الشهيد الخالد، لأن الولوج إلى المعلومة حق دستوري لا يقبل الـتأويل أو المساومة، وما عدنا نطيق أن نستورد كل شيء من الخارج، حتى المعلومات التي تهم رموزنا وتاريخنا وشهداءنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.