بمناسبة 8 مارس 2018 دفاعا عن المناصفة

الشافعي مصطفى

لكي يوجد العالم، يجب المرور بالفعل من واحد إلى اثنين، و يعتبر رقم اثنينمسلكا أمام المتعدد و أمام الآلاف و الملايين. إن اثنين هو واحد المتعدد بمعنى ما هو عبارة عن انفتاح و ميلاد.

جان كريستوف بابي

انطلقت في كتابة هذا الموضوع بمناسبة 8 مارس لسنة 2018 دون تفكير مسبق، ربما وجدت نفسي هكذا تحت تأثير ضرورة ما و هذا ما شجعتني على الكلام في موضوع لا أدعي أني ملم بكل تفاصيله.بالتأكيد أن الظرفية التي نعيشها اليوم في المغرب لها دورها الكبير، العنف الممارس ضد النساء، التحرش في العمل و الفضاء العام، ارتفاع نسبة الانقطاع عن الدراسة في صفوف الإناث خاصة في العالم القروي، تأنيث الفقر…..؛ بالمقابل حيث يكثر الحديث عن المساواة بين النساء و الرجال في غياب سياسات حقيقية لتجاوز الفوارق القائمة. قررت أن أكتب في الموضوع من زاوية الإجراء المؤسسي الذي قد يقود إلى مساواة فعلية بين النساء و الرجال؛ فاهتديت إلى موضوع المناصفة و تواجد النساء مراكز القرار السياسي و المؤسساتي، الذي للأسف لم يكتس أهمية كبيرة من لدن الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين المعنيين الأولين بالموضوع خاصة من زاوية التدابير المصاحبة للقوانين التنظيمية ذات الصلة بتدبير مؤسسات الشأن العام المحلي و الجهوي و الوطني. نلاحظ أن الفاعلين السياسيين قلما أعدوا برامج تستهدف تشجيع النساء على العمل السياسي و تيسير لهن ذلك عن طريق برامج التكوين و نقاشات مفتوحة و مستمرة، بحيث يتم إعدادهن للاستحقاقات الانتخابية، وهذا ما يفسر الصعوبات التي تجدها الأحزاب و النقابات لحظة إعداد اللوائح سواءا في الانتخابات الجماعية أو التشريعية و المهنية.

نتيجة طبيعية هي إذن ما يوجد عليه الوجود غير المتساوي بين النساء و الرجال في مؤسساتنا الدولتية و الحزبية و النقابية و التنظيمات المهنية إلى اليوم ؛ هذا لا يعني أن النساء لم يخضن معارك مستمرة حول وضعيتهن، انتهت في بعض المراحل إلى الانتصار لبعض حقوقهن السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية، و في كل هذه المراحل هناك صراع متعدد الجبهات دستوري، قانوني، ثقافي و سلوكي، تمتزج فيه الضرورة والحاجة و التضامن و اختلاف المواقع و المصالح مما يعطي لهذا التداخل و التشابك بعدا سياسيا بامتياز.

فبالقدر الذي نجد هناك تضخم في الخطابات حول المساواة بين النساء و الرجال و الاعتراف بدور النساء خارج الدور التقليدي في الحياة العامة، تصطدم ثقافة المساواة و التواجد في مراكز صنع القرار بحجم كبير من الارتياب من لدن سلطات القرار السياسي المتعددة الأوجه ؛ و عندما تغامر النساء بشجاعة خارج أدوارهن التقليدية ، يعاملن بطريقة مبتذلة بسبب جنسهن أو يتم الاحتماء بقوانين و أعراف و سلوكات تحاول إذكاء ثقافة ماضوية رجعية تعكس بالملموس مقاومة عنيدة تعطل الاعتراف المجتمعي بمساواة المواطنين و المواطنات في كل المرافق العمومية.ناهيك عن السلوكات التي تشرعن العنف و التحرش الجنسي و التشكيك في معارفهن و مهاراتهن، إضافة إلى الصعوبات التي تواجه النساء في موقع المسؤولية السياسية الحزبية و المؤسساتية.

ابتداء من إقرار الحق في التصويت و حق الترشح و تحديد نسب تمثيلية النساء المنصوص عليها في قانون الأحزاب و اعتماد الكوطا في الانتخابات الجماعية و التشريعية التي شكلت فرصا نسبية للوصول لمواقع صنع القرار فإن سؤال اقتسام السلطة في مجال تدبير الشأن العام لازال بعيد التحقيق في كل مجالات النشاط المجتمعي.

يسائلنا اليوم سؤال المساواة بين النساء و الرجال ليس ارتباطا بالمجال القانوني و الإداري و المسطري و التنظيمي فقط ولكن أيضا و بقوة، من زاوية امتداد العدالة و الحرية و الكرامة داخل المؤسسات التي لها الأثر في حياة الناس عموما؛ فعلى الرغم مما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من أن الناس يولدون أحرارا و متساوين في الحقوق؛ فان المساواة تتعلق بالمؤسسة و ليس بالطبيعة، و بذلك تصبح المساواة أثرا لقرار سياسي يتطلب تهيئ شروط قبلية و مراقبة بعدية، و بالتالي تحيل على الاعتراف بقيمة وسلوك و نمط حياة يعكس قناعة تترسخ في المجتمع ؛ فعندما نقول أن الناس يجب أن يعيشوا بكرامة فمعناه أن تحترم من طرف الجميع بغض النظر عن الاختلافات الموجودة بينهم من حيث اللون و الجنس و الأصل الاجتماعي و غيرها؛ و بذلك يجب على المؤسسة أن تؤمن لهم جميع الحقوق؛ بهذا يؤسس و يتم تأصيل مبدأ العلاقة الكونية بالقانون و آليات احترام الحقوق الفردية و الجماعية و الفئوية، و تصبح المؤسسات ضامنة للحقوق و الحريات التي لا علاقة لها بالجنس آو الأصل الاجتماعي

على هذه القاعدة أدركت النساء عبر و عي تأسس على مراحل عبر التاريخ ضرورة تغيير وضعهن، و لهذه الغاية خضن معارك كبيرة متنوعة الجبهات ؛ و على مراحل كذلك حققن انتصارات عبر تضحيات؛ فتم إقرار الحقوق السياسية و المدنية و لا حقا حقوقا اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مازال النضال مستمرا في عدة مجالات.

لذا فإن التوجه المساواتي بين النساء و الرجال كان لابد أن يتخذ مسارا يوازي بين المعايير و الآليات من اجل التطبيق الفعلي للحقوق و الحريات و يكون ذلك بتدابير و إجراءات ملموسة، من هنا كانت حماية حقوق النساء و النهوض بها محط اهتمام المجتمع الدولي سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي، فكان من الطبيعي إذن أن تعمل المنظمات الدولية على بلورة مواثيق واتفاقيات دولية قصد حماية حقوق المرأة بدءا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقيات الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وصولا إلى الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979، والبروتوكول الاختياري الملحق بها لعام 1999م، هذه الاتفاقية التي تعتبر الركيزة الأساس لحقوق النساء.


إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في مادته 16 على المساواة بين الرجل والمرأة، كما أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة( سيداو 1978) التزمت الدول الموقعة عليها بما فيها المغرب بالعمل على تحقيق المساواة بين الجنسين ومحاربة كافة أشكال التمييز كالاتجار بالمرأة واستغلال بغاء المرأة، والقضاء على التمييز في الحياة السياسية.وتكفل للمرأة الحق في التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة ، ومشاركتها في صياغة وتنفيذ سياسة الحكومات، هناك إذا التزاما قانونيا على الدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان بضرورة تعديل تشريعاتها الوطنية بما يتفق مع أحكام هذه الاتفاقيات الدولية. ورغم أن الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان قد أشارت إلى ضرورة قيام الدول الأطراف بدمج هذه الحقوق في تشريعاتها الوطنية كضمانة لحماية هذه الحقوق و اتخاذ التدابير الكفيلة لوصول المرأة على قدم المساواة مع الرجل إلى هياكل السلطة ومراكز صنع القرار والمشاركة الكاملة فإن الواقع الماثل أمامنا يعكس غير ذلك.

نعم في تناول موضوع المساواة ضد كل أشكال التمييز و معالجته؛ هناك استثناءات مقبولة و مطلوبة في القانون و الاجراءات و التدابير، و هي ليست بماهيتها تمييزية و لكنها خاصة تستهدف تعويض اللامساواة و تصحيحها و جبر ضررها.

إن التمييز في القوانين و مصاحبتها بالآليات التي ناضلت من أجلها النساء و بكرامة جد مشروعة من استعمال الكوطا و غيرها تكون منصفة شيئا ما عندما يتعلق الأمر بتصحيح و ضع اللا مساواة، و بذلك تكون شرعية و مشروعة بامتياز؛ إنها تشتغل على المجتمع، و تعزز المبادئ الديمقراطية و تهدف إلى تحسين مبدأ المساواة، و تدفع إلى الأمام بفكرة التوزيع العادل للمسؤوليات و الوظائف و بالتالي نصبح أمام تعريف من نوع جديد لممارسة الديمقراطية التي تحتاج دوما إلى الاجتهاد.

و بذلك تكون المناصفة و قبلها الكوطا لا تتناقض مع مبدأ المساواة أمام القانون بل هو إجراء و آلية تستهدف خلق توازن ما بين إقرار الحقوق و التمتع بها و حقيقة الواقع المتسم بالا مساواة لوجود سيادة ذكورية تراكمت عبر سنين طويلة.

إن المفهوم الكلاسيكي للديمقراطية لم يتضمن ضرورة وجود نسبة معينة للنساء في الهيئات المنتخبة، و الوظائف ذات الصلة بتدبير الشأن العام، لذلك يتم الترافع من لدن الذين لا يؤمنون بالمساواة بمعاكسة القبول بالإجراءات التمييزية الايجابية اعتبارا منهم كونها لا تحترم مبدأ مساواة المواطنين و المواطنات أمام القانون العام .

يندرج في هذا السياق الدستور الحالي المصادق عليه سنة 2011؛ لم يلزم بتحقيق المناصفة وإنما العمل على الوصول إليها، أما متى أو ما هي الوتيرة التي نقيس به هذا السعي فغير محددة.

إن الدستور رغم تنصيصه على السعي نحو المناصفة، نجد أنه ينص على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية (الفصل30) و لم يذهب في هذا الاتجاه فيما يخص الولوج الى الوظائف العمومية أو الوظائف السامية.كما نجد الدستور من خلال مضامين الفصل 92 لم ينص في هذا الجزء من الدستور على مبدأ المناصفة.


كما نجد أن الفصل 31 من الدستور ينص على أن تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتسيير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق ولم يذكر فيه حسب المناصفة،

إن المناصفة في النسخة العربية حسب العديد من الدارسين للدستور تم اعتبارها بمثابة مبدأ في حين وردت في النسخة الفرنسية بمثابة مفهوم مجرد من صفة المبدأ.

إن معالجة موضوع المساواة بين النساء و الرجال خاصة فيما يتعلق بتدبير الشأن العام لا يستقيم إلا بإدراكنا لما خلفة تاريخ الإنسانية من فوارق اجتماعية و اقتصادية و مجالية و ثقافية و سلوكية منطق ساد لقرون عديدة تأسس على معاكسة الطبيعة الإنسانية، و صاغ لشرعنة ذلك قوانين، و روج ثقافة و سلوكات، و نهج سياسات خلفت فوارق اجتماعية و طبقية و فئوية جد سلبية و أعاقت تطور المجتمعات و ضمنها فكرة المساواة و إقرار الديمقراطية بمعناها الشامل و التوزيع العادل للثروة و السلطة و كذلك تواجد النساء في مواقع صنع القرار.

استحضارا لما عاشته المجتمعات على مدار قرون تصبح المناصفة في مضمونها بمثابة قانون إطار لاقتسام السلطة في تدبير الشأن العام كما تضمنتها بشكل أقل فكرة الكوطا، و بذلك تعتبر المناصفة بترتيبات إجرائية و مسطرية إعدادية تأويلا سياسيا يهدف إلى تعزيز الديمقراطية و بذلك تصبح إدارة المصلحة العامة تقع مسؤولياتها على الرجال و النساء بالتساوي.

إن المناصفة بهذا المعنى قد تكون بمثابة خطوة لكسر الهيمنة الذكورية و ضغط على المؤسسات السياسية للتفكير في التحديات السوسيوثقافية التي لها ثقل كبير على مسار إقرار الحقوق و الحريات للجميع؛ إنها فعل و جهد كبيرين ينتظر الاشتغال فيه على الدستور و المؤسسات و الأحزاب و النقابات و الجمعيات و الإعلام و المدرسة و الجامعة لتبيئة المناصفة و جعل المجتمع يتنفس المساواة في الحقوق و الواجبات دستوريا و مؤسساتيا و سياسيا بالتحسيس و التربية و توسيع دائرة الاستشارة الجماعية و إقرار سياسة تستطيع تدبير الخلاف و النزاع في إطار عام يتوحد فيه المواطنون و المواطنات و بهذا نساهم سويا في تطوير المجتمع عبر ممارسة السياسة بشكل أخر و هذا ممكن بتنشيط الذكاء الجماعي.

اختم القول، انه لا يجب الوقوف عند حدود التصفيق و التهليل لما تحقق من مكاسب لصالح النساء بل علينا أن نعمل بجهد جماعي مضاعف لتنمية و تطوير حقوقهن المشروعة و كذلك التطبيق السليم لمقتضياتها.

*ناشط حقوقي و سياسي

مارس 2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.