بلقايدي يكتب عن الريف و حقوق الإنسان

صار من المتعب التفكير في المصالحة التي  تمت مع  الريف و أن الخلاف بشأنها مسافتها كبيرة التي صار تحقيقها أصعب من حق إعلان كشف على الحقيقة،  فالخلاف الذي لا يمكن وصفه بالسطحي رغم كل شيء بين الاتجاهات و القراءات النظرية و العملية  التي  تفاعلت مع  مرحلة  الانصاف و المصالحة  أصبح السمة الأساسية للمشهد المحلي السياسي و الحقوقي و المدني والانقسام الناجم عنه صار أكثر ما يميز حقله،  ما يبدو ثمة شيء خطأ في مقاربة القراءات بكل  صنوفاتها للمصالحة وفي طريقة إدارتها لتجاوز حمولتها . فلا أحد يعرف تحديداً و لو بالتقريب لماذا لم تعالج بشكل نهائي مخلفات الانتهاكات لحقوق الانسان في المغرب عامة و بالريف خاصة؟ ولماذا يتم الخلاف على بروتوكولات اللقاءات ومواعيدها وأمكنتها وما شابه في حين غيبت مرحلة دقيقة و حساسة من الريف في توصيات هيئة الانصاف و المصالحة؟  فالمصالحة لا ينظر إليها على أنها محاولة لإنهاء الخلافات و الصراعات و الانقسام  بل ساحة أخرى من المنافسة في تكريس صرح حقوق الانسان على قاعدة عدم  التكرار و الضمانات ، على ما يبدو هناك من يستمرئ للعبة ولا يرى ضرراً في استمرارها. أو هو لا يشعر بالمخاطر المحدقة لحماية الكيان الانساني  من واقع  الانتهاكات المتكررة  أو كأن الأخير لا يعنيه.

إن المنطق الى تأسيس تجربة رائدة على مستوى إرساء الأسس التاريخية والسياسية لأي مقاربة ومنهجية تسعى إلى خلق مقومات ومرتكزات قوية قصد تجاوز كل جروح الماضي والتصالح مع الحاضر لاستشراف آفاق المستقبل هو ربط رهان المصالحة بالتحديات الكبرى التي تواجه الشعب المغربي على جميع الأصعدة وتيسسد رؤية علمية وتعددية وفق عناصر صلبة، من شأنها تجاوز كل الاختلالات التي يمكن أن تقزم أبعاد هذا الرهان كما هو واضح من خلال المقاربة المعتمدة من طرف الدولة المغربية  فعندما قررت نفض الغبار على ملف حقوق الانسان و  ترديدها للخطاب الداعي إلى المصالحة عبر إقرارها  رفع طابع الممنوع و الخط الأحمر عليها باللجوء الى تنزيل لبعض آليات حقوق الانسان لتمهد الطريق الى بناء الوحدة على العملية السياسية لدولة المؤسسات و القانون . وقد شكلت اللازمة التي رافقت المنطق الإقناعي الذي تبنته الجهات النافذة  خاصة في تفعيل مضمون خطاب رئيس الدولة الذي أصدره بُعيد اللحظة الأولى منذ إعلان قرار خلق  هيئة الانصاف و المصالحة وما كان قبلها  في هذا  السياق .من خلال التعبير أن المصالحة هي شكل من أشكال العدالة الانتقالية التي تكون ضرورية لإعادة تأسيس الأمة على أسس شرعية قانونية وتعددية وديموقراطية في الوقت ذاته. لكنه كرست فصلا آخر من الغموض في كيفيات المعالجة لاسيما أنه لم تفصح الإرادات بشكل جيد أو أنها تجنبت جوهر الملف خاصة في مسألة تحديد  المسؤوليات، فقط إعتمدت على مقاربة  مستوحاة من ثقافة التنزيل البرمجي لمناهج صادرة عن المؤسسات الدولية و الاقليمية في مجال حقوق الانسان عبر خلق مؤسسة وطنية تعني بحقوق الانسان تعمل بشكل تدريجي الى بلقنة إطاره العام في المغرب و مأسسة لثقافة مبسطة تتجنب ربط الآثار بالنتائج في المجتمع و بقضاياه الاستراتيجية و الاستعانة بلغة التربية و الثقافة لبسط وشرح المقاربة المنهجية التي اعتمدتها في البحث والتحري بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حدثت ببلادنا والملابسات التي أحاطت بها ومن ضمنها طبعا الانتهاكات المتعلقة بمنطقة الريف.

فقد بات من المطلوب الآن بعد مضي قرابة عقد عن صدور التقرير الختامي لهيئة الانصاف و المصالحة و ما رافقها من برامج مثلا ” جبر الضرر الجماعي” و من خطاطات،  بناء أية قراءة ممكنة لمعالجة قضايا الحقوقية و السياسية بالريف على ركيزة منهجية أساسية قوامها الحد من تكرار التجاوزات و الخروقات بضمانات سياسية و قانونية، فان الاعتبارات الكثيرة المتصلة بالخصوصية الشديدة الوطأة لمنطقة الريف في ذاكرة السجل الحافل من المظالم والانتهاكات المكثفة التي استهدفتها واستهدفت ساكنتها على مدى عقود ممتدة تضفي قدرا من المشروعية على مثل هذه مقاربات بناء الذات و تحصينها بالوعي الحقوقي و السياسي الجهوي .  المصالحة بالريف تتطلب نوعاً من الصفح مباشرة من  الضحايا، لكن الصفح يجب أن يكون مطلوباً لذاته، فمتى ارتبط الصفح بغاية، لا يعود صفحاً، إذ يصبح حينها مجرد استراتيجية سياسية أو نوعاً من الاقتصاد السيكوعلاجي، وبالرغم من الألم اللامحدود الذي يكابده الضحايا في صمت  والأذى الذي لا سبيل إلى إزالته، والذي لا يزال الكثير من الضحايا يتجرعون مرارتة ولا سيما من استمرار واقع  الانتهاكات منذ إعلان شعار رفع الحيف و التهميش و الاقصاء على الريف و الاعتماد على المقاربات الأمنية في معالجة الاحتقان الاجتماعي و الذي أصلا الاحتقان مبررا نظرا للوضعية السائدة المتأزمة على كل الأصعدة. فمنحى حقوق الانسان في تراجع  خطير بالريف  بحيث شهدت طفرتها  منذ انخراط ساكنة الريف  في الحراك الاجتماعي ” حراك 20فبراير ” و ما خلف من آثار جسيمة بلغت مستويات كبيرة من اعتقالات التي مست المئات من ضمنهم  القاصرين و  تجاوزات كثيرة خلال ما شهدته المحاكمات لنشطاء الحراك  ” 20فبراير” و خاصة معتقلي أحداث بني بوعياش ، إضافة  الى المعاملة القاسية والتعسفات الجسدية في حق الفاعلين في الحراك الشبابي و حتى المواطنات و المواطنين العاديين ، كما آثار موضوع استياء و سخط  عودة عقلية الترهيب و منطق سنوات الرصاص من تصفيات جسدية و القتل  الجماعي و التعذيب و من ضروب المعاملة القاسية   إضافة الى تحريف  الوقائع و إخفاء معالم حادثة شنيعة التي تعرض لها خمس شبان في الوكالة البنكية  الذي بات يعرف ” بشهداء محرقة الحسيمة ”  و غموض يلف خبايا الاغتيال الذي  تعرض له الناشط الفبرايري كمال الحساني و غيرها ،

أمام واقع يتمثل في بقاء المصير النهائي لكثير من الملفات السياسية – المدنية و  الحقوقية – الاجتماعية  العالقة في الريف دون الاجابة  وأن الظروف المحيطة بها تكون معروفة لدى الجميع  لاسيما عند النافذين  في الدولة  و الذين غالباً ما يكونون غير راغبين في الكشف عن الحقيقة. يمكن لمبادرات البحث عن الحقيقة في مجتمعنا أن تلعب دوراً قوياً في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وإقرارها وفي التأكيد على حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة ، و يواجه الأشخاص الذين يبحثون عن الحقيقة بشأن انتهاكات أو جرائم تم ارتكابها على نطاق واسع ضمن فظائع جماعية تحديات خاصة. تقوم الدولة على نحو متعمد بإعادة كتابة التاريخ وإنكار الفظائع كي تضفي شرعية على نفسها وكي تتجنب تحميلها المسؤولية الجنائية عن جرائم خطيرة.  يعترف القانون الدولي اعترافاً واضحاً بحق الضحايا والناجين في معرفة الحقيقة بشأن الظروف التي أحاطت بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وتحديد من المسؤول عنها، لهذا البحث عن الحقيقة في الريف يكنفها ضباب يحجب عنها الرؤية لكشف معالمها بل العكس خلقت جدلا واسعا على موضوعاتها المتنوعة بين التاريخية و السياسية  و الأمنية  و حتى على آليات البحث في ذاتها ، فخلال هاته المرحلة الممتدة من زمن  بعيد الحقيقة لم تعد بكرا نظرا لكمية الدماء التي سالت منها في الريف و الجروحات التي لم تندمل،  فالعديد من المهتمين بكشف الحقيقة يصطدمون  أمام حجمها فقد رددوها كثيرا على موائد الندوات و في تصريحات العمومية  من أجل العمل على  تفعيل مبدأ عدم الافلات من العقاب  و عدم  التكرار الماضي و تحديد المسؤوليات ، لكن ظل الأمر مجرد  تطلعات يهدف الى تحقيقها أمام غياب تفاعل حقيقي على كشف نقابها من الجهات المتحكم  في مداخيلها و الاستحواذ  على المعلومة  ، فالريف بحجم  قضاياه توسعت قاعدة العمل لتلائم فرصة العمل لدعاة حقوق الانسان خاصة الذين يميلون الكفة الى  ثقافة البرامج و الإندماج  و الاستفادة و التكوين المستمر لخلق فريق بشري ذات صفات خبراء و نشطاء  في مجال الحقوق و الحريات ، دون العمل على مس المؤسسات المباشرة التي تعني  بالمسؤولية  السياسية و الاخلاقية  و حتى الجنائية عن كل الأحدث تكتفي  فقط بمنطق جبر الضرر التنموي المرصد  لميزانيات خيالية ، في حين ان الضمانات في عدم تكرار الماضي يقترن بمنظورا استراتيجي  يهدف الى بناء  مصداقية المؤسسات القانونية و الدستورية للدولة أساسها  مؤسسة القضاء الذي أصلا أصابه الفساد ، وفرز  سياسة مضبوطة في الحكامة الأمنية تتضمن إستراتيجية شاملة تتشكل من مجموعة  العناصر عبر إصلاح مؤسسات الأمن العام  منها تبني ميثاق أخلاقي مؤسساتي  والمراقبة الفعالة والموضوعية لضمان احترام الإجراءات و ربط  المسؤولية بالمحاسبة من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية الخاصة بالأفراد أو الجماعات.

في الريف توجد مؤشرات أساسية ودالة على هشاشة أسس تجربة “الإنصاف والمصالحة” والتي تعكس حقيقة عملية طي صفحة الماضي في مجموعها وهي أحداث تنفرد عن بعض نماذج الانتهاكات الأخرى بميزات خاصة. ويهمنا كثيرا أن نأتي على ذكر أمثلة عن هذه الأحداث التي تستدعي معالجة خاصة على جميع مستوياتها، ما دام أنها تدخل في إطار نماذج الانتهاكات الكبرى والجرائم الصارخة التي ارتكبت في حق الريف عبر مسلسل طويل وممارسات قمعية اتخذت صور باشعة، إضافة إلى رصد أهم الميزات التي قلنا بأنها تميز شريط هذه الأحداث عن النماذج الأخرى المتجسدة أساسا في حدة حجم الخروقات والتجاوزات والضحايا ، و التي زمنها إنطلق  منذ 2011  وما ترتب عنها من فواصل في جملة  من مساحيق الخطابات الرنانة في مجال المصالحة مع الريف والتي عكست منظور الدولة تجاه المنطقة و تعاملها معها  تاريخيا عبر سياسة التأديب الشامل وهو المنطق الذي لا زالت المنطقة تؤدي فاتورته إلى اليوم من خلال استنزاف ثروات المنطقة. إن طي ملف الماضي والتأسيس الحقيقي لعملية المصالحة الفعلية والشاملة مع الريف ينبغي أن يربط بسيرورة الرهانات الكبرى للمنطقة في سياقها العام الوطني على جميع مستوياتها وإبعادها، وأن يكون ذلك جزءا من الإجابات على المعضلات والقضايا العالقة التي بمقدورها العمل على خلق ثوابت وعناصر من شأنها التمهيد للانتقال الصحيح نحو مرحلة جديدة قوامها منطلقات وأركان قوية ومتينة تتماشى والأهداف الصادقة وكذا المبادئ الكونية، فلا بد من القضاء  على كل مظاهر الانتهاكات و الافراج عن كل المعتقلين  كمقدمات حقيقية على تصريف  نية المصالحة و الحد من التعامل بتمايز في مع المواطنين و استغلال مسافة القرب و البعد  ، فطريق  الحقيقة لازال طويلا  ومن الصعوبة إنهائه .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.