بلد الإستثناء وأشياء أخرى …

             timthumb

للسياسة في المغرب قواعد خاصة تختلف عن القواعد المتعارف عليها في باقي بلدان العالم، في المغرب وحده يمكنك أن تسمع بمعارض لنظام الحكم قضى نصف عمره في السجون و النصف الباقي مسبحا بحمد سجانه !!في المغرب يستحيل أن تضبط إيقاع المشهد السياسي و تمني نفسك أن تخبر خارطة الفاعلين في حقل فن الممكن، هنا كل شيء نسبي . التحالفات و التكتلات لا تنعقد إلا لتنفض، أحزاب لا تكاد تعد . ببرامج  متشابهة  مستنسخة ومشهد سياسي مبلقن تلعب فيه الحكومة دور المعارضة و المعارضة دور الحكومة؟.

رئيس الحكومة يبرر قلة الانجازات بتشويش عفاريت و تضيق تماسيح ؟ رغم أنه  بمقتضى الدستور يملك  صلاحيات  واسعة في التدبير و التسيير ؟ حكومة معلنة وأخرى مستترة توصف بحكومة الظل، معارضة تبشر الشعب بانجازات حكومية وشيكة تهم قطاع النقل؟ خلط عجيب وتمويه منقطع النظير، وكأني بقائل يقول   إن هذا حال  السياسة في معظم بقاع العالم إنها فن الممكن لا حلفاء دائمون ولا خصوم دائمون كل ما هنالك مصالح دائمة، هذا قول صحيح ورأي على جانب كبير من الصواب لكن سنثبت فيما يلي  أن في المغرب قواعد خاصة جدا و حيثيات مختلفة لممارسة  السياسة .

إن كان عبد الرحمان بن خلدون قد عرف السياسة بقوله “السياسة هي صناعة الخير العام” ،وعرفها ” ديفيد إيستون David Easton “صاحب النموذج التحليلي الشهير لتحليل النظم السياسية المعروف باسم “نموذج المدخلات والمخرجات” – وهو ذلك النموذج الأكاديمي الذي يدرس في أغلب  جامعات العالم. على أنها “التوزيع السلطوي للقيم المختلفة في المجتمع”،أي قيام السلطة السياسية بتوزيع كافة القيم المادية و الانسانية التي ترتبط بحياة المجتمعات البشرية .

وحتى في لغة العرب فإن لفظ السياسة من الإرشاد والتوجيه والتأديب والتهذيب والأمر والنهي، تنطلق من خلال قدرة تعتمد على الولاية أو الرئاسة. وما جاء في معاجم اللغة يدل على ما تقدم، فقد جاء في تاج العروس في مادة سوس: ‘سست الرعية سياسة’ أمرتها ونهيتها، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه’، وفي لسان العرب في المادة نفسها: ‘السوس: الرياسة، وإذا رأسوه قيل سوسوه، وأساسوه.

والسياسة مقترنة بالتحول و التغير الدائم في إطار آلية التداول كما تقترن بالمسائلة و المحاسبة  في البلدان الديمقراطية  وهذا لا يختلف بشأنه إثنان ولا يتناطح حوله  عنزان، لكن تحت سماء أجمل بلد في العالم  هناك أسرار و خفايا تحكم هذا المستنقع ، فمن وصل إلى منصب سياسي يكاد  لا يتزحزح عنه الا ليستبدله بغيره  فتجد عندنا دينصورات سياسية ، في الوقت نفسه قد تجد ناطقا باسم القصر صباحا يمسي أشد الناس معارضة  لمن أطعمه من جوع و امنه من خوف ،يدلي بتصريحات نارية ضد المؤسسة التي أفنى عمره في خدمتها و تراه يتجذر و ييمم وجهه  شطر الفريق المعارض ؟ بالمقابل لا تستغرب إذا سمعت بمعارض يساري يؤمن بالحسم الثوري و دكتاتوريا البروليتاريا أضحى بعد ردح من الزمن يمينيا متطرفا و ملكيا أكثر من الملك نفسه !! في هذا البلد السعيد الموسوم بالاستثناء دوما  لا تستنكر إذا فاجأك شيخ سلفي يؤمن بدولة الاسلام التي تحكم بالشريعة و تطبق حدود الله حسب حويصلة فكره  و وجوب نصرة المجاهدين في كل الأمصار وتكفير كل من خرج عن جادة الشرع حسب فهمه هو،  فتبعه الشباب المتحمس زرفات ووحدانا فكانت أفكاره المتطرفة سببا في الزج بهم في غياهب السجون و ظلمات المعتقلات ، ثم تراه وقد انقلب على عقبيه وقد لبس مسوح علماء السلطان الذين كانوا بالأمس القريب هدفا لصراخه على منابر المساجد  متنكرا لأتباعه  متسربلا بخطاب أكثر الناس خضوعا و خنوعا ثم يُقَعِّد لذلك قواعدا من الشرع الحكيم و يُؤصِّل لسلوكه بأصول من الدين القويم فهو في جميع الأحوال يدور مع القرآن حيث دار وكأنه نبي معصوم أو ولي محفوظ  !!

في المغرب السعيد ليس غريبا أن يتحول المناضل الأمازيغي الذي يدعوا إلى تحرير بلاد تامزغا  على إمتدادها الجغرافي المترامي الأطرف من العرب و عودتهم إلى الجزيرة العربية صحبة جمالهم ،إلى رئيس مؤسسة تابعة للسلطان و يسخر كل ما راكم من تجربة و معرفة لخدمة من كان يوما في حسابه مستعمرا ومغتصبا للأرض و الهوية.هنا المغرب بشعبه الطيب الصبور وأرضه الخصبة المعطاء ليس من قبيل الغرابة أن تسمع بزعيم في منظمة إنفصالية تدعوا إلى تقسيم الوطن و تكفر بثوابته أصبح سفيرا للملكة الشريفة بدولة من دول العالم تحت قاعدة إن الوطن غفور رحيم !!

هو فعلا بلد الاستثناء بدون منازع  تحدث فيها كل المفارقات السالفة الذكر دون أن يعني ذلك أي شيء في ميزان الانتقال الديمقراطي و مبادئ حقوق الإنسان ،من يذكر   حلما إسمه الربيع العربي؟ من يذكر شيئا إسمه حراك الشارع و ثورة الشباب ضد الظلم و الظالمين ففر  بن علي تونس، و سجن مبارك  مصر ،و قتل قذافي ليبيا،  و حرق صالح اليمن ،وجزع أمراء البحرين ،فكانت هذه الموجة في بلد الاستثناء كسحابة عابرة رغم بعض الأثر الطيب الذي تركته ، إختلط الأمر إثر حراك 20 من فبراير بشكل عجيب حسب القواعد السياسية الخاصة لهذا البلد السعيد، فجميع المكونات و التلاوين السياسية ، انخرطت في هذا الحراك  بشكل مباشر أو غير مباشر حتى الأحزاب التي كانت مسؤولة  عن تردي الأوضاع  وسوء الأحوال على كافة المستويات و الأصعدة السياسية منها  و الاقتصادية و الاجتماعية ، ركبت هي الأخرى موجة الربيع  ، تحتج و ترفع مطالب سياسية و إجتماعية و إقتصادية داعية إلى تغير الوضع الذي ساهمت هي نفسها في صناعته و تشكله ؟

حتى التاريخ في هذا البلد يتأثر بالسياسة و منعرجاتها  فيخضع للقواعد الخاصة فقد يكتب المشتغل بالتاريخ أكاذيب فاضحة و يفتري فرية فادحة إذا إقتضت مصلحة الخصوصية الخالدة و الاستثناء المجيد ذلك، فيتم التلاعب بحقائق التاريخ تزويرا و تحريفا؟

في انتظار أن يزول هذا الخلط و يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من السياسة و قد تبين لمن ألقى السمع وهو شهيد !!

نقول حفظك الله يا بلدا حررت أرضه بدماء الشهداء حفظك الله يا بلدا هاجر منك خيرة أبنائك طلبا للرزق، يوم استأثر بثرواتك المستأثرون، طلبا للأمن يوم جار  الجائرون، هاجروا منك و لم يهجروك ستظل في سويداء القلب مهما جاوز من جاوز  وعبث بك من عبث تحت أي غطاء زائف و ذريعة مفتعلة ، سنظل نؤمن بعدل يشع فيك و ظلم يزول  عنك و عن أبنائك !

رفعا للحرج و اللبس نختم بقول أبي فراس الحمداني :

بلادي وإن جارت عليّ عزيـزة  *** وأهلي وإن ضنّـوا عليّ كرام

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.