بغلة الحاج أعْبسرام ونافذة السيدة *1:

عند دخول الحاج أعْبسرام أمقران المدينة الفتية من أبوابها الوهمية على صهوة بغلته البنية المائلة للحمرة في اللون، الممشوقة القامة والرشيقة الهيفاء، يعدل جلسته على البردعة أولا رافعا صدره مستعينا بطريقة تنفس محكمة، تعلي هامته وتجعلها ترتفع وتنتصب كمفخرة ما نسميه “الشخصية”. يربت بحركات خفيفة من يده الخشنة والكبيرة ببطء على جلبابه الريفي الذي دوما يظهر وكأنه جديد رغم قدمه. حتى نفض الغبار عن جلبابه يعطي له وجها آخر. وجها مفعما بالتحضر والأناقة المرهفة التي تناسب رجل ‘الشخصية’.

في مدخل الشارع المقصود بزيارته، يرفع عينيه الى نوافذ المنازل المصطفة بحثا عن شيء ما: وجه امرأة تطل من نافذة مفتوحة، شبح ظلال يتراءى كأثر للون قاتم يتحرك خافتا ببن فتحات قطع الخشبات الأفقية الموضوعة في توازي داخل إطار النافذة. ثم يرفع بصره الى سطوح المنازل متمنيا رأسا منتصبا يراه فوق جدرانها أو بين فتحات الياجور المثبتة في أعلى السطح. يحْدث الحاج باصطناع يظهر طبيعي جدا، كحة قوية، تليها كحات أخرى أقوى. يضع لجام البغلة ويثبته ببطء في المنطقة العليا بين رجليه. بعدها يرفع راحتا يديه الى الأعلى وكأنه في مرسم لإتيان المعروف والصلاة لأجل الأعلى، رافعا بصره الى كل ما يتحرك على بساط حيطان المنازل أمامه باحثا عن هندام، عن لون فستان، عن ثوب حجاب، عن نافذة تفتح او عن أي حركة أخرى. هكذا يظل الحاج عالما بكل متغيرات الشارع وكل ما يستجد فيها. عند اقتراب بغلته الى منزل عائلته على بعد عشرة أو عشرين مترا، يعيد الحاج كحته القوية ويرفع صوته الشجي الرجولي:

– السلام عليكم يا ‘موالين الدار’.

بغتة تفتح نوافذ المنازل وتطل الرؤوس عليه بينما هو يراقبها واحدة واحدة. يعيد سلامه بلغة لا يعرف منها الكثير ولا يتكلمها حتى سكان هذه المدينة الريفية الصغيرة. يلقي كلمات سلامه ويلفظها بفصاحة لسان وبلاغة حروف لا تجدها في الريف كله إلا في أهل تمسمان المجيدة.

في بدايات زياراته لعائلته، كان ما ان يلقي الحاج أعْبسرام السلام ويسمع ‘موالين الدار’ تحيته حتى يتسرع أطفال الدار لفتح كراج المنزل فيدخل عمهم الدابة بشواريها بعد أن ينزل عليها. كان يزورهم مرة في أسبوعين موازاة مع مهمة التبضيع من سوق ‘ السبث نيمزون’ الاسبوعي.

لكن الامور ستتغير…

*****

كم مرة نبهه ‘موالين الدار’ الى أن تحيته لا تليق بالمدينة:

– أنت لست في القرية. إنك تعرف منزلنا، اقترب من الباب ودق أو اضغط على الجرس. سنسمعه ونفتح لك الباب. لا داعي أن يعرف كل سكان الشارع بمجيئك.. ينظر الحاج في أرجاء المنزل وحين ينهون كلامهم يعقب علهيم:

– من منا سافر أكثر ورأى هذا العالم الكبير أكثر؟ إلقاء السلام ليس محتكر على القرية فقط. الله وصانا أن نلقيها أينما حللنا، المسلم الحق يلقيها حتى على الكفار في بلاد الكفار، فما بالكم على أهل هذه المدينة.

يعرف ‘موالين الدار’ عناد عمهم جيدا، فيعتدلون في كلامهم:

– نحن لا نحرم عنك القاء التحية عمي. فقط اقترب من الباب والقيها كما تشاء.

يغير الحاج جلسته ويقف. يغادر بهو المنزل ويدخل الغرفة المطلة على الشارع. يفتح النافذة الكبيرة ويطل على النوافذ المفتوحة في طوابق المنازل المقابلة له.

– من هي تلك العائلة، من أي دوار أتووا أفرادها، أي عمل يمتهن ‘مول الدار’ ؟ تستمع الى كل الأجوبة بينما هو يتبادل نظرة خفية مع امرأة اعتراها الخجل وهي تبادله نفس الشيء. يسأل الحاج عن كل شيء إلا عن تلك المرأة التي ترمقه بنظرة إعجاب ومحبة ثم تختفي وتعود بعد ذلك الى النافذة. حين يرى أن ‘موالين الدار’ انتبهوا لنظرته المتكلمة المركزة على تلك النافذة المفتوحة يسأل ببرودة وبراءة:

– ومن يسكن هناك؟ ماذا يفعل زوج تلك المرأة؟

– إنها أرملة وتسكن بوحدها.

حين يسمع هذا الجواب، ينهي استنطاقاته للاطفال واستفساراته براحة بال وهو يغلق النافذة وراءه ووجهه تعتمره بسمة طفولية غير معتادة. منذ ذلك الحين يصطحب معه في زياراته سلة صغيرة، كصدقة:

– كل هذه لكم إلا تلك السلة الصغيرة، فهي… أحسبها صدقة. احملوها وصدقوا بها على جارتكم الارملة المسكينة

****

لم يغير الحاج في زياراته المنتظمة من طريقة القاء تحياته بصوت مرتفع ومن بعيد. لكنه بدأ في استطلاعاته الاولية يركز بصره أكثر فأكثر على تلك النافذة. زياراته بدأت تتضاعف ولم يعد يأتي صباحا يوم السوق. يختار أياما أخرى وينزل على ‘موالين الدار’ مع بداية المساء حيث الحياة في أبواب منازل الشارع ونوافذها، تعرف أوج حركتها. فيقف الحاج أعْبسرام وقفة ‘شخصية’ أمام الباب ويترك بغلته خارج الكراج حيث يأمر ‘موالين الدار’ بهبط الأثقال عنها، من سلال مليئة بما تزخر به تربة البادية من خضر وثمار ونعم، قبل أن تليها الشواري والبردعة.

يدخل الحاج يدا في قفة جلبابه ويخرج منها كومة يفتحها بتأن ويوزعها على أطفال الحي بدون تمييز. ثم يرفع جلبابه الثقيل ويدخل يده جهة صدره فيخرج منها كومة أوراق نقدية يتصفحها ورقة ورقة وكأنه يعدها، بينما نظرته مركزة على الارملة التي حولت إطلالاتها من النافذة في طابق علوي الى السفلي، الى الباب الذي تفتحه وتطل من فتحة صغيرة فيه. يربت الحاج على جلبابه الأنيق بيده وكأنه يربت على ظهر طفل بحنان غامض. يعيد الاوراق النقدية الى مكانها ويمسد بطنه وثوب سرواله بلطف كبير. يدخل يدا في جيبه ويخرج قطعا نقدية يوزعها على أطفال ‘موالين الدار’ دون غيرهم ويقول لهم بصوت رجولي حنون:

– أتعيزيم خافي أتعيزيم خافي. أمري اوفيخ أتيري أقاي دا أكاديوام كل انهار*2.

يقولها مبتسما وهو يبادل نظرة مع الارملة وكأنها هي من يكلم، فتبتسم في وجهه وتحاول في حركة وكأنها تغلق الباب، لكنها تقصر فقط فتحته ثم تحرك الباب ببطء لتتضخم الفتحة ويظهر جزءا كبيرا من جسدها المكتنز الممشوق. ينظر الحاج نظرة أخيرة ويدير لها ظهره العريض ليدخل الى ‘موالين الدار’.

لقد تغير الحاج كثيرا حتى أنه لم يعد يلقي التحية من بعيد. ربما أدرك أخيرا أن المدينة ليست بالبادية وما عليه الا أن يندمج في أخلاقياتها. لم يعد يجهر بزياراته وكلما أتى، إلا ويجد الأرملة وكأنها سعيدة بالنظر إليه. حتى بغلته لم يعد يصطحبها في زياراته للمدينة. آخر مرة جاء ‘موالين الدار’ راكبا على بغلته وبعد أن وزع على الاطفال حلوياتها وخلصت البغلة من أثقالها، يقترب من بغلته ويشد بعنف لجامها على مستوى قريب جدا من شفتيها الغليظتين ويجرها اليه. بينما الأرملة التي كانت تنظف أرضية منزلها بالماء، تتوقف على وقع عنف حركته المفاجئة وتقطع أنفاسها وتوقف أشغالها. تترك عصى ‘أجَفَّافْ’ الطويلة تركن في تمايل بين فخذيها وتمسك الباب بيد، والاخرى تضعها غير ساكنة على وجهها. تداعب أذنها التي وضعت بين الجوانب الداخلية لسبابتها ووسطاها قشرة أذنها ممررة أياهما صعودا وهبوطا في نصف دائرة مقتفية شكلها الأسطواني. تأخذ خصلة شعر تنتقيها برأس السبابة وابهمها من شعر الرأس في محيط أذنها. تداعبها وتحال أن تضعها على خدها الذي بدأ يتغير في لونه. تترك أصابعها الخصلة وتفتحها في شكل جانبي حتى إن مررت بهما على طول وجهها فترى أصبعا يلي الآخر في ملامسة ناعمة وحذرة لبشرتها الرقيقة. وكأن رأس كل أصبع على حدة ريشة في يد فنان يحاول أن يضع على اللوحة خطوطا رقيقة، وكأنه يريد رسم شعر الرأس، خصلة خصلة.

الحاج أعْبسرام يمسد شعر البغلة على ناصية رأسها باهتمام فنان غيّر ريشته بأصبع الأرملة. ينزل أصابعة الغليضة في لمسة مداعبة حول جبهتها العريضة الى مخطم رأسها ثم يأخذ في راحة يديه العريضة بشفتيها ويفتحهما. يقرب البغلة منه أكثر فيترك راحة يده اليمنى تربت على قوس عرف البغلة في حركات تعرف امتدادا وجزرا. يدير يده ويهبط هذه المرة بظهرها عى رقبتها وكأنه يريد التأكد في العرق والحرارة واشتداد عضلات الرقبة. يلامس العضلات القوية لكتفها، يشدها بعنف ويرخي بعد ذلك وتر راحته. تنورة الأرملة المرفوعة جانبها تتقطر على قدماها العاريتين. قطرات أخرى تنساب على طول ساقيها لتتحد مع أرضية المنزل التي لم تجفف بعد. تضع ثقل جسدها على جنب الباب الرقيق فتسند اليه صدرها وتتمايل الباب في بطء أرجوحة لا تحس بها إلا وعيناك مغلقتين. تفتح الارملة جفون عينيها وتغلقهما وكأن لا قوة في قدرها كي تسرع العملية. يهبط الحاج أعْبسرام أمقران ثقل أهدابه ويقترب من الدابة أكثرحتى أن بروز الكتف وصدرها المعضل المنتفخ يركن تحت بطنه. يمسد ظهرها ويغير من وضعيته كي يتمكن من أكثر.

تصببت الملابس السفلية للارملة وعرق الحاج وارتفعت أنفاس البغلة قبل أن يربت عن كفلها وذيلها ويتفحص ساقيها وفخذيها ويعطي صفعة قوية على أردافها الملساء، أيقضت الكل من شروده واحدثت ارتعاشا في الجسد المكتنز للأرملة، أعادها الى الوعي بعدم اكتمال مهمة تنظيف المنزل.

كانت هذه المرة آخر زيارة للبغلة وكان الحاج يفكر كيف إن خرج من الاسوار الوهمية للمدينة، كيف سيهيء زياراته المقبلة ويحولها من العلنية الى السرية.

هامش:

*1. كل تشابه في الاسماء او الوقائع فهو محض صدفة ليس الا…

*2. أحبكم.. أنتم عزيزون علي، كم أود أن أكون هنا معكم كل يوم

تعليق 1
  1. adel يقول

    لقد اعجبني في القصه حبكتها التي حيكت بمهاره لتخلط الواقع بالخيال مع بعض الفكاهه التي تساعد القارئ على المضي في القراءه دون ملل فيحس انه احد شخصياتها …..قصه جيده وممتعه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.