بعضهن ماديات..وآخرون ذئاب

كان ذاك الركن المقابل لباب الثانوية الملاذ الوحيد “لشعيب” قبيل رنين جرس انتصاف النهار وانتهاء حصة المساء ،، يقف في خشوع يعدل من يقطة قميصة ويمرر أنامله على حواف حذائه الأسود ويزيل الغبار العالق بسرواله الأزرق ينتظر خروج “سعيدة” القاصر ،، كانت تبدو معه كممحاة أمام قلم رصاص ، ضربت عرض الحائط أقاويل القرينات ،، نصبته فارس أحلامها المغوار وأيقنت أنه الوحيد القادر على رسم السعادة على شفتيها وهو الملهم الوحيد الذي سلب لب عقلها ،، لابد أن “شعيب” عظيم وشهم ،، ولا شك أن سعيدة تعرف هذا فأحبته ،، لكن فارق السن بينهما كبير وهذا ما جعل علاقتهما محط تساؤل الكثير ،،شعيب نبت بعض الشيب في رأسه وبدت عروق يديه كجذع شجرة عجوز و”سعيدة” قاصر أفطمتها والدتها عن الرضاعة قبل سنوات عدة ،، لا شك أن “شعيب” حينها كان قد أكمل عقده الأول.

قبيل أن يرن جرس انتصاف النهار كان “شعيب” يبلل شعره بالماء ويلوك في فمه علكة بنكهة النعناع ويطلب من صاحبه أن يرش على رقبته عطر “الأكس” فأنسته ستخرج بعد حين ،،وما هي إلا هنيهة حتى أعلن البواب عن انتهاء حصة الصباح ،، اقترب “شعيب” خطوتين أو ثلاث إلى الأمام ،، اشرئب عنقه وثقب نظره اتجاه باب الثانوية حتى لا تفوته “سعيدة” ،، بدا مثل أب ينتظر خروج ابنته،، لم يكن السن ذات يوم عائق في الحب أو الزواج ، لكن يختلف الأمر في حالة “شعيب” و”سعيدة” ،، فكلاهما يحب الأخر لغاية في نفس يعقوب ،، يقول صاحبي الذي امتعض وهما يراهما معا ،، لن تعشقه ويعشقها (لله في سبيل الله ).

تبعهما من الخلف يعاكس فتاة وعينه على سعيدة ، شككت في أنه (صاحبي)  مرسول ليتتبع أثار التلميذة ،، “شعيب” يمشي رويدا على الرصيف وعشيقته تكاد تكون لصيقة به ،، يضحكان بين حين وأخر ، وتضربه على يديه في أحيان أخرى ، فيما “شعيب” يمص شفته وحمرة على وجنتيه تقول بأن فيه شيء من الخجل ، ليس خجلا من أنه يعاشر فتاة قاصر لكن استحياءا من فارق السن بينهما

غابت الفتاة التي عاكسها صاحبي لأجل ترقب خطوات “شعيب” و”سعيدة” وغاب العاشقين في ذاك المنعطف الذي يؤدي إلى أحد مقاهي الأنترنيت الغير البعيدة عن الثانوية ،، لمحهما يدخلان بخجل ووجل،، انتظر ربع ساعة حتى يدلف هو الأخر إلى الداخل ، كانت كل الغرف شاغرة عدا غرفة واحدة ،، حجزها وجلس يستمع إلى بعض النغمات الموسيقية الصامتة ،، كان متوترا للغاية فعلى يمينه تجلس “سعيدة” وعشيقها يتهامسان ،، ظل ينصت لأحاديثهما الصامتة ،، تناهى إلى مسمعه صوت مص الشفاه وتنهد الفتاة ولهث “شعيب” ،، سمع شعيب يقول “والله حتا أمانوغ…” وسمع “سعيدة” تقول ” إكفاي بلييز”،، دار المقهى بصاحبي وشعر بالغثيان ، اكفهر وكاد يبكي ،، أزال الحاجز الخشبي الذي يفصل الحاسوبين فوجد أرداف “سعيدة” عارية وثديها منتصبا والنشوة بادية أكثر على وجه “شعيب” وعلى الطاولة أوراق زرقاء  وقارورة عطر ،، فأدرك صاحبي أن ( واله حتى أمانوغ ) كان يقصد بها “ثمن هذا اللقاء” ، خرج من المقهى دون أن يسدد واجبه ،، لعن  جارته سعيدة ولعن خطيب ابنة خالته “شعيب” ،،وأدرك أن البعض منهن ماديات والبعض الأخر ذئاب والحب بريء منهما معا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.