بصدد القرار التاريخي للشعب البريطاني..لا تباكِ مع اللصوص ولا احتفال مع انصار العنصرية المقيتة

محمد المساوي

“لماذا الأمر شديد الخطورة؟ لأن لا يمكن لأحد توقع العقبات طويلة الأمد. وأنا كمؤرخ أخشى أن يكون خروج بريطانيا بداية تدمير الاتحاد الأوروبي وكذلك الحضارة السياسية الغربية بأكملها” هكذا لخّص رئيس المجلس الاوربي دونالد توسك الرعب الذي أصاب قادة اوربا اثر النتيجة التاريخية التي خلص اليها استفتاء الشعب البريطاني والذي صوت لصالح الخروج من الاتحاد الاوربي..

لقد أمست اوربا ومعها العالم ليلة 23 يونيو على حدث تاريخي هام سيكون ما بعده، هذا الحدث خلّف ذعرا كبيرا وسط قادة الاتحاد الاوربي ووسط زعماء السياسة الاوربية، لقد اصابهم الذعر والوجل حدّ التبول، لكن ما سبب هذا الخوف والوجل الشديدين؟

في تصريح رئيس المجلس الاوربي الذي أوردتُه أعلاه يمكن ان نفهم جيدا سبب هذا الوجل والذعر الذي اصاب قادة اوربا وقادة العالم، اذ الخشية كل الخشية ليس في خروج بريطانيا بعينها، بل الخشية من أن يتحول تصويت الشعب البريطاني ضد الاتحاد الاوربي الى نموذج يُحتذى به من طرف باقي الشعوب الاوربية، وهو ما يعني نهاية مؤسسة الاتحاد الاوربي بوصفها مؤسسة امبريالية مبنية على تحقيق اهداف داخلية (داخل اوربا) لفرض السلم الاجتماعي وتجنيب بعض الدول الفقيرة خطر الاضطراب السياسي وموجة الثورات، وكذا لفرض تبني سياسة تفكيك قوانين الشغل وانظمة التقاعد.. وخارجيا تأسس الاتحاد الاوربي لمباشرة الموجة الثانية من الاستعمار الاقتصادي والسياسي ضد الشعوب الفقيرة، بعد ان كانت هذه الشعوب فيما سبق تحت سطوة الاستعمار العسكري للدول المشكلة للاتحاد الاوربي، ولنتذكر ان تأسيس الاتحاد الاوربي لم تمله الارادة الشعبية ولا كان نتيجة سيرورة نضالية، بل كان نتيجة تخطيط واتفاق حفنة من اللصوص لانشاء مؤسسة تحمي مصالحهم وتزكي لصوصيتهم.

وفي الجزء الاخير من كلام رئيس المجلس الاوربي يحذر ان هذا التصويت ينذر ببداية تدمير “الحضارة السياسية الغربية بأكملها”، ماذا يقصد دونالد توسك بالحضارة السياسية الغربية؟ طبعا لا يقصد ارث مونتسكيو ولا فولتير ولا روسو، انه يقصد بانهيار الحضارة السياسية الغربية انهيار الامبريالية، لأن هذا التصويت لا يستهدف اوربا الحضارة، ولا اوربا الثورة الانسية، بل يستهدف اوربا الناهبة لخيرات الشعوب، يستهدف اوربا المتعجرفة، يستهدف المؤسسات الاوربية التي تسهر على سفك دماء المستضعفين والفقراء، بعبارة أدق الذي سينهار ليست الحضارة الغربية بل سينهار البنك المركزي الاوربي والمفوضية الاوربية وصندوق النقد الدولي، وهذا ما يخاف منه اللصوص ومصاصو الدماء اشد الخوف، ولذلك انتابهم السعار وهم يرون الشعب البريطاني يصوت للخروج من الاتحاد الاوربي.

خلال الازمة اليونانية طرح الشعب اليوناني بقوة الخروج من الاتحاد الاوربي والفكاك من قبضة الترويكا (المفوضية الاوربية، البنك المركزي الاوربي، صندوق النقد الدولي) التي اضحت تتحكم في رقاب اليونانين، كما تتحكم في رقاب شعوب دول اطراف الاتحاد الاوربي (اسبانيا، ايطاليا، البرتغال…) حينها عملت عصابة الترويكا بكل ما في وسعها للحؤول دون الاقدام على هذا القرار الجريء، وتم استدراج جبهة سيريزا الى مفاوضات ماراطونية لضمان عدم اتخاذ هذا القرار ولو كلف الامر ضخ اموال جديدة في ميزانية حكومة اليونان للحؤول دون هذا القرار المزلزل، الى أن اتاهم القرار من حيث لا يحتسبون، من الشعب البريطاني، لذلك اصابهم السعار والهياج من هذا القرار الذي يهدّد مصالحهم ويهدد استمرارهم في سفك دماء الفقراء.

طبعا لأن الامبريالية تتحكم في الاعلام العالمي حاولت بطرق خبيثة لتسفيه هذا القرار التاريخي، فانبرى جل الاعلام العالمي للتهويل من هذا الحدث، وللتحذير من موجة اليمين المتطرف الذي سيضرب اوربا، وهناك حملات تجري على قدم وساق من أجل اجهاض هذا القرار ولو عبر اعادة الاستفتاء او تعطيل تنفيذه، وهو ما اكدته بعض الاخبار التي تصور وكأن الشعب البريطاني قد ندم على هذا القرار وانه مستعد ان يعيد تصويته ليصحح قراره الخاطئ، هذا ما يروجون له، لكن الحقيقة غير هذا بالمرة، بل ثمة رعب حقيقي ضرب اللصوص (زعماء مؤسسات الامبريالية) رعب من أن تُقدم شعوب اخرى على مثل ما اقدم عليه الشعب البريطاني، لذلك يحاولون استباق الامور بتسفيه هذا الحدث واقرانه باليمين المتطرف، حتى يتم ابعاد الناخب الاوربي من أن يحذو حذو الشعب البريطاني، فأطلقوا العنان لابواقهم الدعائية ل”تكفير” هذا القرار التاريخي، والوقوف في وجه تكراره مع باقي الشعوب الاوربية.

صحيح، ظهر اليمين الاوربي المتطرف مزهوا بهذا القرار، لكن بالتأكيد ليس هو صاحب القرار، وليس لأن الشعب البريطاني اقنعه خطاب اليمين المتطرف، بل اقنعته الازمات الاقتصادية الدورية التي تضرب اوربا نتيجة سياسة الاتحاد الاوربي والمؤسسات التابعة له، خاصة المؤسسات المالية، هذا ما دفع الشعب البريطاني اساسا للتصويت بنعم للخروج من الاتحاد الاوربي، اذ يرى في الخروج من هذا الاتحاد امكانية لتحسين مستواه المعيشي وتجنيب بلده الازمات الاقتصادية المتكررة، حتى ان “حزب استقلال المملكة المتحدة” اليميني ليس قوة سياسية يُعتد بها، هو رابع قوة سياسية في البلد، ويستحيل ان يحقق لوحده هذا النصر التاريخي، خاصة ان اعضاء الحزب مجتمعين لا يتعدون 40 الف عضو، وأن هذا التهويل من اسم هذا الحزب وزعيمه “نايجل فاراج”، المقصود منه هو تسفيه هذا القرار الذي اتخذه الشعب البريطاني ضد مؤسسات الامبريالية والتنقيص من شأنه، لذلك يتم تصعيد اسم هذا الحزب المتطرف لتخويف الناخبين حتى لا يتجرأوا أكثر على مؤسسات مصاصي الدماء..

إنها اللعبة التي تمارسها وسائل الدعاية الامبريالية، تحاول من خلالها التحكم في عقول الناس وتوجيه ارائهم، وفعلا نجحت الى حد كبير في ذلك، فكثيرون هم من راحوا يرددون مع الامبريالية أن تصويت الشعب البريطاني هو تزكية لليمين المتطرف، لكن لا احد يتحدث الا نادرا عن توجيه ضربة قاصمة للسياسة الاجرامية للاتحاد الاوربي..

في بيان اصدره مناهضو الرأسمالية في اوربا، صدّر البيان بشعار دال يقول “لا تباك رفقة قادة الاتحاد الأوربي و لا احتفال مع أنصار العنصرية المقيتة، فلنبن أوربا الشعوب و الطبقات الشعبية”..

نعم انه الموقف السليم، لا تباك ولا نواح مع لصوص الاتحاد الاوربي، وفي نفس الوقت لا للنفخ في زوادة اليمين المتطرف، وهذا الموقف السليم لن يتأتى الاّ عبر ضرورة الانعتاق من بروباغندا اعلام الامبريالية…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.