بصدد الحراك..ردا على عصيد وبعض نخب الرباط

محمد المساوي

رغم أن حراك الريف سلخ من الزمن 8 أشهر أو يكاد، إلا أن الاهتمام الاعلامي والنخبوي وحتى السياسي والحقوقي لا يتعدى أسابيع قليلة، هذا التأخر الكبير في مواكبة احتجاجات الريف والذي له أسباب متعددة، خلق نوعا من الشرخ، جعل المتتبعين من الاعلامين ونخب المركز يفشلون في وضع احاطة شاملة أو شبه كذلك بمجريات وتطورات الحراك، فيقعون أحيانا في أخطاء قاتلة ينسبونها للحراك وهي ليست كذلك، وأيضا يستسلمون لفهم مبتسر لسيرورة الحراك وصيرورته.
ويهمني هنا أن أشير إلى نقطتين اثنتين؛ واحدة جاءت على لسان الاستاذ أحمد عصيد، وأخرى كررها ويكررها كثيرون منهم عصيد نفسه، لذلك فإن نقاشي وملاحظتي هي موجهة في عمومها إلى كل النخب وليس الى عصيد بصفة شخصية فقط، هي نفس الاخطاء تتكرر وإن بملابس وشراشف مختلفة، لكل الجوهر هو هو، والاصل هو شبه انعدام أي مواكبة لاحتجاجات الريف لمدة 7 أشهر تقريبا.
في حوار مع موقع “الأول” قال الاستاذ عصيد محاولا تفسير نقده ومآخذته الحراك على توظيفه لما أسماه الخطاب الديني، قال عصيد: “لقد قمت بالتعبير عن رأي نقدي تجاه بعض الانحراف الذي حدث في خطاب الحراك، هذا الخطاب الذي كان مقنعا عندما ركز على المطالب العادلة للسكان قبل أن يميل إلى استعمال الدين بطريقة غير مفهومة ولا مبررة”، يعني أن الاستاذ عصيد يقول أن خطاب الحراك كان في البداية يركز على المطالب العادلة للسكان، قبل أن ينحرف إلى استعمال الدين بطريقة مريبة وغير مفهومة، والقارئ لحوار عصيد، ستترسخ في ذهنه صورة كلية مفادها أن حراك الريف ابتدأ بخطاب مطلبي واضح ومقنع، لكن ما لبث حتى تحول هذا الخطاب الى استعمال الدين بطريقة غير مفهومة وغير مبررة.
هذه الصورة التي تنبجس من بين ثنايا حوار عصيد هي في الحقيقة صورة متخيلة ولا علاقة لها بالواقع، ان كان عصيد يقصد خطاب ناصر الزفزافي، فالثابت أن خطاب ناصر الزفزافي من حيث توظيف الدين والايات القرآنية وبعض العبارات الدينية لم يبدأ قبل اسابيع ولا شهر ولا شهرين، بل خطاب ناصر من هذه الناحية كان كذلك منذ البدء، منذ ليلة الجمعة 28 أكتوبر 2016 أمام العامل ووكيل الملك، وليس هناك أي تحول بتاتا في خطاب ناصر نحو استعمال الدين بطريقة غير مفهومة كما قال عصيد في حواره، بل اكثر من ذلك، الواقع عكس ما قاله عصيد، إذ هناك تطور مهم في خطاب ناصر نحو التخلي شيئا فشيئا عن الرموز الدينية والخطاب الديني، وبل في خطاباته الاخيرة قبل اعتقاله، استشهد بماركس ومانديلا.. وقال نحن ليس لدينا أي مشكل أن يكون الواحد ما يشاء؛ مسلم او مسيحي او علماني أو غير متدين…الاهم أن يكون مع الحراك ومع الملف المطلبي، هكذا قال ناصر في احدى خطاباته الاخيرة، فكيف بالاستاذ عصيد يتحدث عما اعتبره انحرافا لخطاب الحراك نحو استعمال الدين بطريقة غير مبررة؟؟
أغلب الظن أن الاستاذ عصيد لم يكن متتبعا لخطاب حراك الريف بالقدر الذي يجعله قادرا على رصد تحولاته وصيرورته، بل مثله مثل أغلب نخب الرباط، سارعوا الى تتبع خطاب الحراك بعد تقرير جون افريك الذي تحدث عن وجود تقرير استخباراتي يكشف تورط حراك الريف في أجندة انفصالية، وما تلاه بعد ذلك من احداث متسارعة الى أن وصلت ذروتها يوم الجمعة 26 ماي حيث ستبدأ حملة الاعتقالات الواسعة والانزال الامني المكثف في الحسيمة والنواحي. هذا التخلف عن مواكبة خطاب الحراك من بدايته هو الذي أوحى للاستاذ عصيد كما لو أن هناك ارتداد ونكوص في خطاب الحراك.

النقطة الثانية التي اردت الاشارة اليها في المقال هو حديث العديد من الاعلاميين والنخب عن كون نشطاء الحراك بالغوا كثيرا حين رفضوا الحوار مع الوزراء ومع من كانوا يوفدون الى الحسيمة من الرباط، وهذا كلام تعويمي يحمل في طياته الكثير من المغالطات يمكن اجمال اهمها كما يأتي:
أولا؛ لم يأت اي مسؤول ولا اي وزير الى الحسيمة وطلب الحوار او تواصل مع النشطاء، في البدء كانت هناك زيارات لوزير الداخلية (سواء حصاد او خلفه لفتيت) وبعض المسؤولين، وكانوا يتواصلون ويجتمعون بالمنتخبين وبعض جمعيات المجتمع المدني، ولم يسبق لهم أن تواصلوا مع النشطاء ولا وجهوا لهم دعوة للحوار، وبعد ذلك جاء سبعة وزراء في ظرف يطبعه التوتر والاحتقان، بعد أن عمدت أحزاب هؤلاء الوزراء الى تبني الرواية الاستخباراتية واتهام حراك الريف بالدعوة الى الانفصال، واكثر من ذلك هؤلاء الوزراء لم يتواصلوا مع النشطاء ولا لجنة الحراك، ساروا على طريق وزير الداخلية واجتمعوا بالمنتخبين وبعض كتاكيت المجتمع المدني، ومنهم من حاول أن يترجل من مبنى مقر العمالة، ليمشي في الاسواق والاحياء، وكان مصيرهم رفض مطلق من طرف الساكنة، وهذا ما اعتبره بعض المتحذلقين سكر زيادة أنه رفض للحوار؟؟
ثانيا؛ الحقيقة أن نشطاء وساكنة الحسيمة لم يرفضوا الحوار، بل رفضوا مثل هذه الألاعيب الصبيانية، اذ كيف يعقل أن الحراك رفض المنتخبين واعتبرهم في مرحلة ما جزء من المشكل، وخيّرهم بين البقاء في مناصبهم او الالتحاق بالحراك، مما يعني أن ثمة قطيعة بين الحراك والمنتخبين كيفما كان نوعهم، فكيف يستقيم الامر أن يأتي المسؤولون الى الحسيمة ويشرعوا في الحوار مع المنتخبين، مقابل التجاهل التام لنشطاء الحراك؟ هل الدولة بهذا تبحث عن سبل الحل أم كانت تبحث عن تأزيم الوضع وتمطيط أمد الازمة؟

ثالثا؛ ثمة معطى مهم يجب أن يعرفه كل ذي نية حسنة لم تسعفه الظروف لمواكبة الحراك من بدايته، وهو أن نشطاء الحراك لم يشترطوا يوما الحوار، ولم يضعوه يوما شرطا اساس لكل حل، بل ناصر الزفزافي قال وأعاد القول بالتكرار الممل، أن الحراك لا يريد إلا تحقيق مطالبه العادلة والمشروعة لا يشترط حوارا ولا ترتيبات مسبقة، بل كان يقول: يكفي أن تشرعوا اليوم في تنفيذ المطالب العادلة والمشروعة نعدكم بأننا سنخلي الساحات من الاحتجاج، وأضاف الزفزافي في خطاب اخر موضحا: إن كانت الدولة تشعر بالاحراج للجلوس معنا، او تشعر أنها تفقد هيبتها بالجلوس مع النشطاء، فنحن نعفيها من هذه الشكليات، لا نريد حوارا ولا صورا ولا جلوسا مع المسؤولين، نريد الشروع في تنزيل المطالب ونحن سنعود الى منازلنا ونرفع الاحتجاجات من الشارع.
لذلك فادعاء عصيد أن خطاب الحراك بدأ يميل الى استعمال الخطاب الديني بطريقة غير مبررة، هو قول مردود لا علاقة له بالواقع، كما أن اتهام الحراك برفضه الحوار، هو اتهام باطل ناتج عن قصور في المواكبة اذا أعملنا حسن الظن، وقد يكون ناتجا عن محاولة بئيسة لشيطنة الحراك عن سبق اصرار وترصد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.