برنامج اقتصادي وسياسي واحد لوجوه متعددة.

محمد المساوي

لعل المتتبع لجملة من النتائج التي أفرزها الحراك الشعبي في بلدان المنطقة يستشعر أن ثمة حلقة مفقودة، شيئاً ما غير مرئي و غير طبيعي أيضاً؛ شعوب طردت الديكتاتور ووضعت دستوراً جديداً، وإن بطرق مختلفة ووفق توافقات متباينة، لكن جميعها لم تستطع أن تبرح دائرة الفقر وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين؟؟ مما يطرح معه سؤال: جدوى الثورة أو التغيير دون أن تكونا لهما نتائج ملموسة في الواقع تكرس فعلا- لا قولا- شعارات التغيير التي كانت دينامو الحراك الشعبي.

ما جدوى ثورة لا تضمن الحدّ الأدنى من الحق في الحياة والشغل والصحة والسكن ؟ ألا يتعلق الأمر بتناوب بين الأقنعة الجديدة والقديمة، هذه الأقنعة باختلاف ألوانها تحجب وجهاً واحداً ووحيداً يظل هو هو المتحكم في الحركات التي يرسمها القناع أنى اختلفت ألوانه؟

في الحقيقة لحدّ الآن هذا ما يحدث فعلاً، والسبب هو أن كل هذه الحركات لم تطرح السؤال الصعب والأهم؛ لم تطرح السؤال الاقتصادي، حتى أضحينا أمام واقع مفارق، فيه تغييرٌ للحكام والحكومات والاشخاص…لكن العمق يظل هو هو. البرنامج الاقتصادي الذي كان يطبق في عهد بنعلي ظل هو الذي يطبق في عهد حكومة النهضة وحلفائها، البرنامج الاقتصادي الذي كان يطبقه مبارك ونظامه هو البرنامج نفسه الذي سهر على تطبيقه الاخوان ويسهر على تطبيقه الآن العسكر، البرنامج الذي كان تعمل به حكومة عباس الفاسي هو هو نفسه ذاك الذي تعمل به حكومة بنكيران، إنه برنامج واحد يسهر على تطبيقه وجوه متعددة، هو برنامج صندوق النقد الدولي يتناوب مختلف الفرقاء على تطبيقه، إلى درجة أن هؤلاء الفرقاء يختلفون عن بعضهم البعض في كلّ شيء الى حدّ التناحر أحياناً، لكنهم جميعا متفقون على تطبيق برنامج مراكز المال العالمي.

في زلة لسان صادقة قال عبد الله باها أن حزب العدالة والتنمية لا برنامج خاص له، بل يساهم من موقعه في تطبيق برنامج ابتدأ منذ قرون، وفي كلام السي باها حقيقة ساطعة، لكن حاول في الجزء الثاني من كلامه طمسها وخلق نوع من التهويش بإزائها، فلا برنامج لحزب العدالة والتنمية هو أمر صحيح ولا ينطبق على حزبه فقط بل يشمل كلّ الاحزاب المندمجة داخل النسق السياسي القائم، لكن غير الصحيح يكمن في قوله أن حزبه يطبق برنامجاً ممتداً منذ 12 قرناً، هذا الكلام يراد منه التمويه ويراد منه أيضاً التودد للملكية، أما الحقيقة فهذا البرنامج الذي يتحدث عنه باها هو برنامج صندوق النقد الدولي، وهو الذي يسهر على تطبيقه بنكيران كما سهر مرسي على تطبيقه في مصر والحكومات المتعاقبة في تونس كما سيسهر على تطبيقه العسكر في مصر…

بعد التدخل العسكري في العمل السياسي بمصر أصاب مراكز الامبريالية بعض التردّد، ومردّ ذلك إلى كون المراكز الامبريالية كانت قد كسبت ثقة الاخوان واطمأنت على تطبيق برامجها باجتهاد أكثر، لكن الذي حدث هو تضايق بعض القوى في الخليج وغيره من غواية الرغبة في استنساخ تجربة الاخوان في مصر لدى شعوبها، فدعمت العسكر من أجل استغلال الاحتقان الشعبي تجاه حكم الاخوان والانقلاب عليهم، هنا شعرت القوى الامبريالية العالمية بنوع من عدم الرضى لأنها كانت أصلا راضية على اجتهادات مرسي، فما كان من الامارات والسعودية إلاّ أن بعثت برسالة طمأنة بتعين موظفين سابقين لدى مراكز المال العالمي في رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة وهي رسالة تخاطب هذه المراكز قائلة: لا تخافوا حتى وإن انقلبنا على زبنائكم الجدد فقد عوضناهم بموظفيكم الأوفياء، وهذا ما خلق نوعا من التردد لدى الحكومات الغربية في موقفها مما يحدث في مصر؛ التردد بين الاستمرار في دعم الزبون الجديد أو نقل الدعم إلى الموظف الوفي؟

ربما، الخلاصة الواضحة التي نستشفها من دروس صيرورة وسيرورة الحراك الشعبي في المنطقة هي ضرورة التوجه إلى البحث عن الخلاص الحقيقي عبر تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي وتحصين السيادة الوطنية. فمهما تبدلت الاسماء والألوان بغير تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي ستظل نفس المشاكل تتعاقب، المهمة الأساس التي يجب أن تعيها كل قوى التغيير الحقيقية هي أن فك الارتباط السياسي والاقتصادي بالدول الاستعمارية هو السبيل الوحيد لتحقيق تغيير حقيقي مبني على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.