بدون دبلوماسية: أيها المسلمون بلاهاي احذروا من الخطاب الطائفي للشيخ الوهابي رشيد نافع

1: تمهيد:

الشيخ رشيد نافع: اسمح لي أن أصارحك بالقول انك من الذين يقولون ما لا يفعلون. وبالتأكيد لم تقتنع بقيم ومبادئ الإسلام في الحوار والمجادلة ، أو انك تستعمله فقط لتحقيق أغراضك الشخصية أو أغراض أسيادك في الخليج، وبالتالي فإنك من الذين اتخذوا الدين (= الإسلام) وسيلة من وسائلهم القذرة لنشر الفتنة والفوضى بين الناس، بل وجعلوه أيضا دكانا للارتزاق، وسلما للترقية الاجتماعية والاقتصادية، بعد أن كان، وما يزال، سلما للارتقاء الروحاني والتعبدي والأخلاقي للإنسان المؤمن. وإذا أردت أن تعرف لماذا أقول عنك هذا الكلام الذي قد يزعجك ويغضبك كثيرا، فما عليك إلا بقراءة هذا المقال المتواضع، الذي قد يساعدك – ربما – أيضا في إعادة ترتيب أفكارك قبل الإدلاء بها، لكن رجاءا إقرائه بهدوء من فضلك، ودون غرور، حتى تستوعب رسالته بشكل جيدا.

تفضل اقرأ التفاصيل، لعلها ستجعلك تعيد النظر في أسلوبك العقيم في الرد على خصومك، الذين لم تقوى لحد الآن على مواجهتهم بالحجة الدامغة والبرهان العلمي كما تدعى في خطبك الفاشية.

2: خطاب رشيد نافع بين التدليس وعقدة الآخر:

في سياق رده على مقالنا،(1) نشر هذا الأخير – رشيد نافع – مقالا تحت عنوان : ” علماني حاقد بهولندا يحترف التهويل والكذب والخداع “.(2) ونحن في هذا المقام المتواضع سنحاول عرض منهجية الرجل في تعامله مع الآخر؛ أي: المختلف عنه عقائديا ومذهبيا وفكريا وسياسيا وحضاريا. ما يلفت الانتباه في الموضوع، هو أسلوب التدليس والغلو الذي ينهجه الشيخ تجاه الآخر، فكل من لا يعتقد باعتقاده الديني والمذهبي والسياسي، بل وأحيانا حتى ولو كان من مذهبه وتياره، ويفكر فقط بطريقة مغايرة لطريقته، فهو خارج الإسلام موصوف بأبشع الأوصاف مرمى بأقصى التهم، ومنها: الأوباش، الحثالة، المجرمين، الزنادقة، الخبثاء وغيرها من الأوصاف التي لا تليق بمن يدعى العلم والمعرفة من جهة، وبمن يدعى الوسطية والاعتدال من جهة ثانية، ثم أنه – مهووس بهوس امتلاك الحقيقة المطلقة. (3)

ومقال الشيخ الذي نحن بصدد التعليق عليه وبيان بعض هفواته وترهاته يؤكد لنا أمرين أساسيين وجوهريين: الأمر الأول: هو انحطاط مستوى سلوك وأخلاق الرجل، الذي يبدو أنه مصاب بجنون العظمة والتفوق والامتياز؛ وهو الأمر الذي يجعله – في تصورنا – يقدم خطابات مليئة بالطائفية والعنصرية تجاه المخالفين له في الرأي والانتماء. المحزن والمضحك في الأمر أن يقول في مقاله المذكور أعلاه ما يلي: ” .. هم في كل عصر يعيشون،( يقصد هنا الحاقدون على الإسلام حسب تعبيره!!) يرمون بالتهم يرمون بالأكاذيب دعاة الإسلام ..”، بينما هو بنفسه يتهجم على الآخر بشكل مستمر ومنتظم، بل ويدعو عليه بالهلاك والخراب ويصفه بأقدر الأوصاف كما قلنا. والأمر الثاني: هو أنه ابرز لنا الخواء الفكري الذي يعاني منه الشيخ سامحه الله فيما قاله من الكلام ألفاضي ، والأحكام الجاهزة، في حقنا دون دليل ولا برهان يثبت صحة ما يدعيه في حقنا.

وهذا الأمر انتبه إليه أيضا الأستاذ جلال الجهاني في رده الأخير، حيث يشك هو أيضا ( أي: الأستاذ الجهاني) في المستوى العلمي والمعرفي للشيخ رشيد نافع، بل ويشك في شهادته العلمية وقراءته لجميع الكتب التي يستشهد بها في خطبه ومحاضراته، بل أنه استطاع أن يثبت لنا (الأستاذ الجهاني) بالحجة والدليل القطعي تدليسه على الناس، حيث يقتبس – وفق ما يؤكده الجهاني – كلام غيره من الفقهاء والعلماء وينسبه إلى نفسه.(4) فالشيخ – رشيد نافع – لا يجد غضاضة في تزييف الحقائق والمعطيات الفقهية والتاريخية، وتلفيق التهم الصبيانية لخصومه دون وأزغ ديني ولا أخلاقي،علما أنه كثيرا ما يدعى الرد العلمي على خصومه، دون أن نرى أية أثار لما يدعيه باستمرار، سواء في رده على مقالنا السابق أو على غيرنا !!.

وبناء عليه نسجل وبشكل مؤسف استعرابنا للمنحى الذي ينهجه الشيخ في تعامله مع القضايا الخلافية. فالمقال، وبكل المقاييس، رديء للغاية شكلا ومضمونا، لا يناسب صاحبه بتاتا، خاصة أذا علمنا أن فضيلته كثيرا ما يتشدق بالعلم والأخلاق في خطبه ومحاضراته التي لا تخلو من الشتم والسب العلني تحت يافطة الدفاع عن الإسلام، ورغم ذالك تجده يطالب الآخر بالتزام آداب النقاش والحوار العلمي. فمع كل مقال ينشره أو خطبة يخطبها، تتضح صحة وصواب وجهة نظرنا تجاه مواقف وآراء الشيخ المتناقضة والفارغة من أية أسس علمية ومنطقية، كما أنها تبرز لنا – بشكل واضح جدا – عقدة الشيخ تجاه الغرب ” الكافر ” من جهة، وتجاه العلمانيين والحداثيين من جهة ثانية، بل وتجاه الفرق الإسلامية التي لا تعتقد بمذهبه وأفكاره. لهذا، فهو (أي: المقال المذكور أعلاه ) لا يرق بصحابه إلى ذلك المستوى المطلوب والمنتظر منه، حيث كنا ننتظر – صراحة – أن يقدم ردا في المستوى الذي يشرفه أولا، وينهي أسئلتنا وانتقاداتنا له ولمؤسسته ثانيا، وليس العكس تماما، حيث هوى بنفسه ومؤسسته إلى الحضيض.

لقد كان من المفروض على الشيخ أن يرد بشكل علمي وحضاري بدل اعتماده لأسلوب التدليس والتحوير، وبالتالي هروبه المفزع من مواجهة الانتقادات والأسئلة الاستفسارية التي تضمنها مقالنا السابق، وذلك عبر خلقه لصراعات جانبية لا وزن لها مقارنة مع مضمون وجوهر الانتقادات التي نوجهها له ولمؤسسته العريقة في نشر التطرف والفكر الطائفي مند تأسيسها إلى الآن.(5) .

فالشيخ، كما أسلفنا أكثر من مرة ، يدعى ما لا يفعل، حيث عادة ما يتباهى بالرد العلمي ومواجهة خصومه بالعلم والبرهان القاطع، بينما هو يمارس العكس تماما، فليس هناك إمام على مستوى هولندا برمتها – حسب علمنا ومعرفتنا بالموضوع – يمارس السب والشم بشكل ممنهج، مثل ما يمارسه الشيخ. فإذا استثنينا قدرته ومهارته الفائقة في الصراخ والبكاء فوق المنابر، وحركاته البهلوانية التي تعكس دون شك حالته النفسية، وبالتالي دغدغة عواطف المسلمين السذج، وخاصة بعض المتملقين من اتباعه الذين عادة ما يتأثرون بطريقة إلقائه للخطب وليس بالمضمون والمحتوى نفسه. فالشيخ، للأسف، يمارس نوعا من العجين اللغوي أن صح التعبير وينسبه ظلما وبهتانا إلى الإسلام ونبيه حتى يضفي عليه نوع من الشرعية الدينية؛ وهو عجين يتنافى مع المعاني السامية للقرآن الكريم ومع المبادئ الحضارية.

3: أربعة أمور لفهم الموضوع بشكل أفضل:

الأمر الأول: هو أنني أعلن بكل فخر واعتزاز لانتمائي إلى الأمازيغية والإسلام والعلمانية؛أي: أنني أمازيغي الهوية، ومسلم العقيدة، وعلماني الفكر والتوجه. لكن لست متطرف ولا كذاب ولا مخادع، كما أنني لست وصوليا ولا انتهازيا كما يدعى الشيخ نافع زورا وبهتانا، وسوف لا نرد على هذه الترهات وإنما نقول ما قاله الله في كتابه العزيز، وهو: { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين .. } ، { يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..}.

الأمر الثاني: إذا كان الشيخ يسعى من خلال أسلوبه القذر هذا، إسكات صوتي الحر فانه على خطأ عظيم. لهذا نقول: أننا سوف لا نسكت على عنصريته وطائفيته مهما كلفنا الأمر ذلك. وبكل صراحة، لقد تعبنا من خطبه الطائفية والكيل بالمكيالين تجاه هذا البلد الذي وفر له (ولنا جميعا) كافة إمكانيات العيش الكريم، ومنها: الحرية والأمن. لهذا أوجه ندائي لكل المغاربة الأحرار بهولندا (اماريغ وعرب، نساء ورجال، شيوخ وشباب..) من أجل استنكار ومناهضة الخطاب الطائفي والعنصري الذي يروج له في بعض مساجدنا بهولندا، ومنها مسجد السنة بلاهاي. لقد حان الوقت لنقول جميعا للشيخ نافع (وأمثاله) من المتشددين والمتطرفين كفى من التطرف والتحريض أو ارحل. وبالتالي علينا بتحمل مسؤوليتنا التاريخية فيما يجرى في هذا البلد والقيام بالنقد الذاتي الضروري لتجاوز المعضلات التي تواجهنا كمواطنين في هذا البلد، ومنها تدني وضعيتنا الاجتماعية التي لا يمكن تجاوزها إلا بتحديد مسؤوليتنا و دورنا في تأزم وضعيتنا بشكل عام. يجب أن نعترف بأن جزءا من هذه الوضعية تعود بشكل عام لثقافتنا الدينية التي تكاد تهيمن على حياتنا اليومية، وبشكل خاص ثقافة التطرف والتشدد التي بدأت تغزو مساجدنا مند مدة، (6)خاصة أننا تركنا الشباب بين أمرين: إما الانحراف/ الأجرام وإما التطرف.(7)

بطبيعة الحال، نحن لا ندعو إلى منع الإسلام ومناهضة المسلمين كما يحاول الشيخ أهام الناس وتضليلهم بحقيقة الخلاف الدائر بيني وبينه، فهدا مرفوض بمنطقين، الأول أنني مسلم، والثاني بمنطق القانون والديمقراطية التي نؤمن بها اشد الإيمان، لكني – في نفس الوقت – أرى أنه من الخطر الشديد أن نتجاهل الفكر الفاشي التحريضي السائد في بعض المساجد المغربية بهولندا، ومنها مسجد السنة بلاهاي التي دأبت على ممارسة هذا النوع من الخطاب الديني مند تأسيسها مع بداية التسعينيات القرن الماضي. إن مسؤولية مواجهة التطرف والعنصرية في هذا البلد ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤوليتنا جميعا، وهي واجب وطني وانساني وحضاري يجب أن يشارك فيها الجميع دون استثناء. فلا يمكن – على سبيل المثال – أن نحتج على تصريحات خيرات فيلدرز المناهضة للإسلام والمسلمين عامة، وللمغاربة خاصة،(8) ونحن نمارس نفس المنطق والأسلوب ضد الآخر ، بل وأكثر منه أحيانا، وبالتالي لا يمكن لنا أن نطالب الآخر باحترامنا وتقديرنا، ونحن لا نتبادل له نفس السلوك والاعتبار، بل أن معظمنا لا يعرف معنى الاحترام والتقدير أصلا، فما هذا التناقض ؟ وما هذا المنطق الانتهازي؟

الأمر الثالث: سوف أتنازل عن حقي المشروع في مطالبة الشيخ بالحجج المادية التي تثبت صحة تهمه لي، حيث سنعتبر الأمر مجرد انفعال لا غير. فهذا النوع من الرد أن دل على شيء فإنما يدل على الضعف والعجز المعرفي والأخلاقي الذي يعاني منه صاحبه، وهو ضده بالدرجة الأولى ، خاصة أننا لم نتهمه بشيء لم يقوله في خطبه ومحاضراته، وكلامه موجود وموثوق (بالصوت والصورة) لمن يريد التأكد مما نقوله بخصوص الخطاب الطائفي الذي يروج له الشيخ ؛ وهو خطاب يتنافى مع المبادئ السامية للإسلام وقوانين وثقافة البلد الذي نعيش فيه جميعا. لهذا يجب على مغاربة هولندا أن يضعوا حدا لمثل هذه الخطابات الطائفية والتحريضية في مساجدهم ضد الآخر، وان يضعوا مصالحهم الإستراتيجية في مقدمة برامجهم وأولوياتهم النضالية، وكفى من ثقافة الضحية والانتهازية.

الأمر الرابع: أتمنى صادقا أن يخرج الشيخ من عباءته، وان يتقبل النقد والاختلاف الفكري والإيديولوجي والمذهبي مادام أنه ” ينتقد ” الآخرين هو أيضا، ومادام أن الإسلام ليس في ملكيته الخاصة ولم يكلفه احد بذلك. كما نتمنى أيضا أن يفهم الشيخ الفاضل أنه ليس كل من ينتقده بالضرورة عدو له أو للإسلام والمسلمين كما يتصور. وبالتالي فليس كل من ينتقده أو يعبر عن آراءه الشخصية في مسألة من المسائل التي يتطرق إليها يعتبر بالضرورة مناهض للإسلام والمسلمين، فالإسلام شيء ووجهة نظر الشيخ في الإسلام شيء آخر، وبالتالي فمن الضروري جدا اجراء تمييز بين خطاب النبي وبين الخطاب المفسر له، وبين خطاب الوحي وبين خطاب الفقهاء. (9)

فنحن، عندما نقدم انتقاداتنا للشيخ، ونطرح وجهة نظرنا بكل موضوعية ومسؤولية، فأننا لا نسعى بذلك إلى مناهضة الإسلام والمسلمين إطلاقا، وإنما ننتقد فهم الشيخ للدين من جهة، ولطريقة عرضه وتقديمه من جهة ثانية. فالشيخ ليس هو الإسلام بعينه ولا متحدث باسمه، وإنما هو بشر يقدم فهمه و” اجتهاده ” الخاص للدين، ومن ثم فالاختلاف معه ليس معصية ولا خروجا عن الملة والدين بأي شكل من الأشكال، وبالتالي فانتقاداتنا له ليست طعنا في الإسلام والمسلمين. من جانب آخر، أتمنى صادقا أن يستوعب الشيخ مفهوم النقد وشروطه، وان يمتلك الشجاعة لمواجهة خصومه بالعقل والدليل العلمي والمسؤولية، بدل الشتم وتلفيق التهم الباطلة في حقهم(الخصوم).

علاوة على هذا يجب على الشيخ أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة مهمة للغاية، وهي: أن ما يقدمه من الآراء والأفكار حول الإسلام وتاريخه وحضارته ليست معصومة ومقدسة حتى يجب علينا احترامها والانصياع لها دون نقاش ولا سؤال ، وبالتالي فما يقدمه ليس هو الحقيقة المطلقة كما يدعى، بل هناك قراءات ووجهات نظر أخرى تستحق الاهتمام والعناية، وربما تملك المشروعية والمصداقية أكثر مما تملكها وجهة نظر الشيخ. (10)

4: أسئلة وملاحظات تستفز مصداقية الشيخ:

نأتي الآن إلى تقديم بعض الأسئلة والملاحظات التي اثارها الشيح في مقاله السالف ؛ وهي على الشكل التالي:

الملاحظة الأولى: وهي أن الشيخ لم يتطرق في مقاله – بأي شكل من الأشكال – للملاحظات والانتقادات التي وجهناها له في مقالنا السالف. وهذا الأمر ( أي: سكوت الشيخ عن الموضوع) هو اعتراف ضمني وصريخ من فضيلته بصحة رأينا وموقفنا بهذا الخصوص، ونحن نقدر له هذا الاعتراف ونشكره جزيل الشكر.

الملاحظة الثانية: وهي أن الشيخ كعادته لم يلتفت إلى جوهر الإشكالية بقدر ما ظل يلف حولها كما يفعل دائما مع القضايا الخلافية في الفقه الإسلامي، مكتفيا بترديد ما هو سائد وموجود عند بعض الفقهاء المتشددين( ابن تيمية مثلا) ، وإصدار التهم والأحكام الجائزة ضد مخالفيه. وهذا المنهج السقيم الذي ينهجه الشيخ يؤكد لنا عدم قدرته على مواجهة النقد والرأي النقدي المغاير، خاصة إذا كان هذا الرأي ذات طابع علمي وموضوعي.

الملاحظة الثالثة: وهي أن الشيخ يقول في معرض رده ما يلي: ” .. إن مؤسسة السنة في لاهاي اخذت على عاتقها منذ تأسيها بفضل الله وحده بيان حقيقة الإسلام فيما يتصل بمواقف الغالين والمنقادين، وانه دين العدل والوسطية واليسر والاعتدال، فالوسطية أذا بريئة من الأهواء وابعد ما تكون عن الفتن والتكفير ..” . ونحن بدورنا نقول أن كلام الشيخ هذا مجرد كذب في كذب ، وبالتالي فهو كلام لا صحة له على الإطلاق، فإذا عدنا إلى ماضي وتاريخ هذه المؤسسة من جهة، وإلى الخطب والمحاضرات التي يلقيها الشيخ نفسه داخل مسجد السنة ، سنجد حقيقة أخرى تماما، لكن رغم ذلك نفترض أن ما يقوله الشيخ صحيح وصائب، وبالتالي نسلم له – جدلا – بصحة وصواب ما يقوله فالأسئلة التالية تفرض نفسها بإلحاح: هل يستطيع الشيخ أن يثبت لنا متى كانت مؤسسة السنة وسطية ومعتدلة في طرحها للإسلام؟ هل كانت مثلا في زمن الإمام فواز جند أم في زمنه هو؟ التعميم هنا لا يفيد. وهل من الوسطية التشكيك في إيمان الناس، بل وتكفيرهم أيضا بمجرد الاختلاف في المذهب والمرجع/ الرأي ؟ وما هي المقاييس التي يعتمدها الشيخ لتحديد الوسطية والاعتدال في الإسلام؟ نطرح هذه الأسئلة رغم معرفتنا واقتناعنا الراسخ بعدم وجود ” اختلاف جوهري بين التيارات المسماة ( بالراديكالية) للإسلام السياسي، وبين تلك التي تفضل تسمية نفسها ( بالمعتدلة)، فمشروع كل من النوعين متطابق “. (11)

الملاحظة الرابعة: يقول الشيخ ” .. لا نرضى بوضع الأمة الإسلامية بأنها داعية إرهاب وتطرف وتكفير، وان دينها دين التشدد والغلو، وإعطاء صورة سيئة عن الإسلام، فالإسلام بريء من كل تزمت وهو دين السماحة والأخلاق ..”، ونحن نقول: طيب يا شيخ، إذا كنت لا ترضى بوضع الأمة الإسلامية بأنها داعية الإرهاب وتطرف وتكفير، فلماذا تكفر الناس؟ (12) ولماذا تعتبر كل من يختلف معك ضال ومبتدع؟ (13) ولماذا تتهم الناس بالكذب والخداع والتهويل دون أية حجة تثبت صحة كلامك؟ وإذا كان الإسلام دين السماحة والأخلاق فلماذا تصف خصومك بالأوباش والحثالة والمجرمين والزنادقة وغيرها من الأوصاف التي تؤكد عكس ما تقوله عن سماحة الإسلام وأخلاقه النبيلة؟ أليست محاولتك فرض منهجك ومذهبك على الناس شكل من أشكال التطرف والغلو؟

5: كلمة أخيرة:

في هذه الكلمة أود أن أؤكد للشيخ بأن استعماله لسلاح العلمانية لم يجدي نفعا، لكونه لا يفيدنا في شيء، فالعلمانية ببساطة ليست ضد الدين وليست تهمة يعاقب عليها القانون.(14) فالإنسان العلماني ليس مهمته هدم الدين وإخراجه من المجتمع كما يقول الشيخ زورا وبهتانا في مقاله، ولكن مهمته وهدفه ( أي: العلماني) أن يعيش حياته السياسية والمدنية بعيدا عن قيود رجال الدين وسلطتهم القهرية، وله الحق الكامل (أي: الإنسان العلماني) في أن يعيش ذلك مادام أن الله نفسه منحه ذلك في عدة آيات قرآنية. وما يجب التنبيه إليه، هو أن فصل الدين عن الدولة لا يعني كما يفهم الكثير في دوائر ثقافية غير غربية محاربة الدين، بل فقط تحجيمه إلى حدوده الطبيعية كحق فردي شخصي وليس كشرط لتنظيم العلاقات الاجتماعية والحياة معا.(15)

زيادة على هذا، نرجو من الشيخ أن يرد على الأفكار والقضايا وليس على الافراد، وان يقدم أفكاره دون محاكمات مسبقة. فالشيخ نفسه عندما يركب مثلا الطائرة ويسافر إلى السعودية من اجل الحج أو العمرة لا يسأل من هو صانع الطائرة التي استقلها نحو مكة، بل لا يسأل حتى من هو قائدها (= قائد الرحلة)، فهو لا يسأل مثلا: هل صنعها ملحد أو علماني أو نصراني أو يهودي أو مسلم .. وإنما يدفع فقط ثمن التذكرة ويسافر؟ وبالتالي فهو يتعامل مع الآلة وليس مع صاحبها/ مخترعها. لهذا، فنصيحتي للشيخ أن يعمل في المرة القادمة على مناقشة الأفكار والآراء وليس معتقدات ونوايا الأشخاص التي لا تعنيه في شيء، وان يتعلم كيف يرد على الناس مع ذكر الأدلة والحجج التي تثبت صحة كلامه وتحليله حتى يكون كلامه في المستوى المطلوب علميا وأخلاقيا، وبالتالي كلام مسؤول وذات مصداقية لدى القارئ/ المستمع.

ومن جانب آخر نتمنى أن يكفى الشيخ عن السب والشتم والتدليس ، وان يأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي يعيش فيه وكذلك مصالح المسلمين بهولندا، والمغاربة على وجه الخصوص. فعندما يقول (= الشيخ) أن النصارى واليهود والعلمانيين أعداء الإسلام والمسلمين و هو يعيش بينهما ؛ وبالتالي فالواقع يضم الجميع والمصالح البشرية الدنيوية تهم الجميع أيضا، فعليه أن يأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار وان يعي جيدا ماذا يقول. فعلى سبيل المثال ضرورة وجود المدرسة والمستشفى والحديقة في الحي الذي يسكن فيه الشيخ نفسه تهم جميع سكان الحي وليس الشيخ فقط، وبالتالي فهي مسائل تهم النصارى واليهود والعلمانيين أو غيرهم ممن يسكنون في الحي الذي يسكن فيه الشيخ، فكيف سيتعامل معهم الشيخ وهو يعتبرهم أعداء الإسلام والمسلمين؟ فهل يمكن أن يتواصل معهم بشكل طبيعي وعادي أم ماذا؟ وإذا تواصل معهم بشكل عادي وطبيعي ألا يعتبر ذلك نفاقا وخداعا ؟ ثم أن خطاب الشيخ انتهازي بامتياز، فالنصارى كفار ولكن أموالهم ونسائهم ومستشفياتهم ليست حراما عليه !! فالعلماني عدوا الله ورسوله حسب خطاب الشيخ ولكنه يستفيد من خدماته ومساعداته، فما هذا المنطق ؟ وما هذا التناقض والانتهازية المفرطة؟ ثم بعد كل هذا ، ماذا يفعل الشيخ في هولندا وسط ” الكفار” ؟ لماذا لم يرحل عنها إلى بلاد ” المسلمين ” الشاسعة ؟ لماذا يذهب إلى الطبيب المنزلي وهو ربما علماني أو يهودي ..الخ؟ لماذا يركب الطائرة التي اخترعها “الكفار” ؟ لماذا..، ولماذا..،.

محمود بلحاج/ لاهاي

للتواصل:s.tifawin@hotmail.com

بعض الهوامش:

1: المقال هو : ” مسجد السنة بلاهاي والإسلام الوسطي” المنشور في عدة مواقع مغربية وأجنبية.

2: المقال نشر على الموقع الالكتروني ” هوية بريس: يوم الأربعاء 31 دجنبر 2014، انظر الرابط التالي:http://www.howiyapress.com/index.php/kotab-alraey/7744-6415.html

3: من الأشخاص الذين انتبهوا إلى هذا السلوك الشيخ البقالي الخمار إمام مسجد الإسلام بمدينة لاهاي،انظر الرابط التالي: http://www.minbar-rif.com/showthread.php?p=39488

4: للاطلاع على الموضوع أكثر يرجى مشاهدة المقاطع التالية للشيخ جلال الجهاني https://www.youtube.com/watch?v=DinthcHqJ58

https://www.youtube.com/watch?v=xt_VMddDSJ4

5: بالإضافة إلى مشاهدة الرابط الأول أعلاه للشيخ الخمار البقالي يمكن أيضا مراجعة الكتاب التالي” Strijdsters van Allah: Radicale moslima’as en het Hofstadnetwerk – Janny Groen en Annieke Kranenberg-

6: حول الغزو الوهابي للمساجد المغربية بهولندا يرجى مراجعة كتاب البرلماني المغربي بهولندا احمد مرقوش وهو بالمناسبة مسؤول سابق في احد المساجد المغربية بالعاصمة( أمستردام) عنوان الكتاب هو ” Mijn Hollandse Drom ” مطبعة Contact – ص 53 -54

7: هناك طبعا بعض الاستثناءات التي نحترمها ونقدرها، لكن الأغلبية – للأسف – توجد بين هذين الأمرين.

8: انظر مثلا الرابط التالي https://www.youtube.com/watch?v=cAehaQlhozg

9: انظر كتاب : قراءات في مشروع محمد أركون الفكري ” تقديم عبد الإله بلقزيز، منتدى المعارف – الطبعة الأولى – ص 52

10: يعتمد الشيخ على النقل والتقليد وليس على العقل والاجتهاد، فإلى حدود الآن لم نسمع ولم نقرا له أي شيء جديد؛ أي اجتهاد خاص به في المسائل والقضايا الإسلامية أو خارجها !!.

11: انظر سمير أمين ” نقد خطاب الإسلام السياسي: في الثقافة والتاريخ والاقتصاد” منشورات الأفق الديمقراطي – الطبعة الأولى 2001 – ص 12

12: انظر مثلا موقفه من إدريس لشكر و الشيعة و الاشاعرة وغيرهم

13: انظر موقفه من عمرو خالد وعدنان إبراهيم ومصطفي رشيد وغيرهم.

14: عادة ما يتم وضع العلمانية مقابل الإلحاد والكفر، بينما أن الحقيقة ليست كذلك نهائيا، فالعلمانية كما نعرفها ونطرحها هي فصل الدين عن الدولة وليس عن الحياة كما يقول الشيخ نافع. والعلمانيون ليسوا بالضرورة ملحدون وكفار/ فالملحد يمكن أن يكون علماني ولكن هذا الأخير لا يمكن أن يكون ملحدا.

15: العبارة بكاملها مأخوذة من كتاب جدلية العلمية : العقل والدين ” تعريب وتقديم حميد لشهب، منشورات جداول – الطبعة الأولى 2013 -23

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.