باناما غيت .. القصر الملكي، بنكيران والدولة العميقة

محمد المساوي

في خطاب العرش لسنة 2014 تساءل الملك محمد السادس ذاك السؤال الذي ظل يترّد كثيرا في وسائل الاعلام، حينها قال الملك في خطابه:”أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة؟” وهو تساؤل ينطوي على معنيين على الأقل؛ المعنى الأول؛ ان الملك بوصفه رئيس الدولة والمسؤول الأول يعترف بوجود غموض حول توزيع الثروة، وغموض حول مصيرها؛ وهو ما يجليه السؤال: أين هذه الثروة؟ اي أين ذهبت وأين اختفت؟. المعنى الثاني أن الملك في هذا الخطاب أصدر امره إلى مؤسسات الدولة المعنية لتعمل على الاجابة عن هذا السؤال المحيّر، على اعتبار ان خطب الملك هي مرشد عمل الحكومة والمؤسسات، اذن ثمة اعتراف رسمي بوجود خلل يلف موضوع الثروة في المغرب، وايضا الملك يدعو المؤسسات والمعنيين بالتحري والعمل على الجواب على السؤال.

خلال الحملة الانتخابية لتشريعيات 2011 قال رئيس الحكومة الحالي عبد الاله بنكيران في خطاب جماهيري موجها كلامه للملك: “إن المغرب يا جلالة الملك لم يعد يقبل أن يكون هناك لا الهمة ولا الماجيدي ولا الياس العماري.. نعم يا جلالة الملك لم يعد مقبولا ان يكون هؤلاء..” وشرح بنكيران الرفض لهؤلاء كونهم يفسدون في الارض ولا يصلحون، يتحكمون في كل شيء ويستغلون في ذلك قربهم من الملك لمباشرة غزواتهم.

بعد اعتلاء بنكيران رئاسة الحكومة أجرى حوارا مع قناة الجزيرة مع الصحافي أحمد منصور، حينها قال بنكيران وهو يتحدث عن محاربة الفساد وعن الجديد الذي تحمله حكومته، قال: “سأقول لك شيئا لم أقله من قبل، جلالة الملك قال لي: السي بنكيران اذا فيه شخص وقع في الفساد ولو من محيطي أنا لن اتركه.” حينها ردّ عليه احمد منصور باستغراب: “انت تتحدث عن محيط الملك؟” فأصرّ بنكيران على قوله وقال له : دعك من الكلام الفارغ، احضروا لنا الملفات والحجج، لكن حين نطلب الملفات لا يأتينا شيئا، واضاف قائلا: “كثير من الكلام شائعات، وكثير من الكلام حقائق نشعر بها لكن لا دليل لنا عليها… اذا وقع شخص في مخالفة، وهذه المخالفة ظاهرة وبينة، فسوف اتخذ في حقه الاجراء اللازم مهما كان، وساعتها ستظهر الامور على حقيقتها”.

يوم الأحد 2 أبريل ستكشف أكبر عمليات تسريب لوثائق ومستندات سميت ب”وثائق باناما”، وظهرت من خلال هذه الوثائق والمستندات تورط العديد من رؤساء وملوك الدول الى جانب رجال اعمال ورياضيين في عمليات التهرب الضريبي ونقل اموالها الى باناما لتهريبها الى مكان امن وللتحايل على اداء الضرائب عنها. وتحدثت صحيفة “لوموند” الفرنسية في تقرير لها بناء على ما ورد في تسريبات “وثائق باناما” عن ظهور اسم السكرتير الخاص للملك منير الماجيدي في لائحة المتورطين في هذه العملية.

مباشرة بعد أن ظهرت هذه الوثائق تسارعت ردود الفعل التي أعقبتها، فباشرت مجموعة من الدول فتح تحقيق حول الاسماء التي ظهرت في الوثائق، كما ان الوزير الأول الايسلندي استقال مباشرة بعد ذيوع الخبر وانسحب من برنامج تلفزي مباشر، ونوّه الرئيس الفرنسي  بهذا العمل الذي قام به الصحفيون، ودعا الى فتح تحقيق مع كل من أظهرته الوثائق انه متورط في العملية، نفس الشيء في الجارة اسبانيا حيث باشرت مصلحة الضرائب بفتح تحقيق حول ظهور اسم امرأة قيل انها من أقرباء الملك الاسباني، وهو ما جعل القصر يتدخل ويصدر بلاغا توضيحيا يكشف عن طبيعة العلاقة التي تجمع هذه المتهمة بالاسرة الملكية، لكن في الاخير الامر في يد القضاء وهو من سيحسم فيه، في تونس ايضا قال محافظ البنك المركزي ان التحقيق سيطال اي واحد ثبت تورطه في خرق القانون بناء على ما تكشف عنه “وثائق باناما”.

وحده المغرب ظل الصمت هو لغة الجواب الوحيد، صمت من طرف القصر الملكي ومن الحكومة ايضا، وهو صمت تلقفته حتى وسائل الاعلام القريب من السلطة ومن اجهزتها وعملت به، لكن الى متى سيظل الصمت مجدياً؟ان كان صمت القصر الملكي متوقعا، لأنه المتهم الرئيس في الموضوع مادام الماجيدي هو السكرتير الخاص للملك والقائم على اعماله التجارية، كما أن جريدة لومند أكدت ان كل ما كان يقوم به الماجيدي كان يقوم به لفائدة الملك، فإن صمت الحكومة والاحزاب السياسية ووسائل الاعلام هو امر يثير اكثير من سؤال ومن استغراب، ما الذي اسكت بنكيران الذي وعد المغاربة أنه حصل من الملك على الضوء الاخضر لمتابعة كل من تثبت في حق مخالفة تتعلق بالفساد ولو كان من محيطه؟ فلماذا سكت بنكيران أمام وثائق “باناما” وهو الذي كان يتحايل على المغاربة بقوله ان ليس لدينا اثباتات على تهم الفساد، الان الوثائق واضحة، والموضوع تحدثت عنه جل صحف العالم، فلماذا لم يسارع الى فتح التحقيق؟ مجرد التحقيق، لم نطلب منه أن يدين احدا ولا ان يبرئه، الماجيدي ورد اسمه في هذه الفضيحة، فيجب احتراما للوطن واحتراما للدولة واحتراما لوعده هو واحتراما لما طلبه منه الملك (كما حكاه على لسانه في الحوار) أن يفتح التحقيق، لأن الوثائق واضحة ولم يعد ينطبق على الامر ما اسماه “ثمة حقائق نعرفها لكن لا دليل لنا عنها”، الان ظهر الحق وزهق الباطل، ما قاله بنكيران في تجمعه الخطابي سنة 2011 يبدو انه صحيح ومعه حق، من خلال ما كشفته وثائق باناما، اذن ما على رئيس الحكومة إلاّ أن يترجل ويفي بما وعد به في حواره مع الجزيرة.

إن كان بنكيران قد ضاق ذرعا بالتماسيح والعفاريت وعملاء الدولة العميقة، فالفرصة مواتية امامه، وهي فرصة ذهبية ليكشف عن صدق نيته في الاصلاح، فالموضوع الان مكتمل الشروط والاركان، ثمة تورط بالوثائق والادلة، اضافة الى ذلك فالملك اعطى ضمانات لبنكيران ان يتابع اي كان ان ثبت تورطه كما جاء على لسانه في الحوار مع الجزيرة، اذن فالكرة الان في ملعبه، ان لم يبادر الى فتح التحقيق، فحينها سنتأكد أن ليس ثمة تماسيح ولا عفاريت ولا دولة عميقة، بل هي فزاعات يرميها بنكيران في وجوه المغاربة ليتقبلوا مجازره التي مست القطاعات المرتبطة بجيوب المغاربة وقوتهم اليومي، وحينها سنتأكد أن عويل بنكيران وادعائه المظلومية هو مجرد مشهد يفترضه مسرح العرائس الذي على هديه تسير السياسة في هذا الوطن. نقول هذا ان كان صحيحا ما حكاه عن الملك في حوار الجزيرة كونه طلب منه ان لا يتساهل مع من ثبت في حقهم الفساد ولو كان من محيطه، اما ان كان بنكيران يكذب ولم يقل له الملك ذلك، وانما التجأ الى هذا الكذب لكسب رضاه والتودد اليه وتبييض صفحته فتلك فضيحة أخرى. انها فرصة بنكيران وحوارييه ليرونا “حنة يديهم”، فان كان الرجل يصارع فعلا ما يسميه بالتماسيح والعفاريت فهاهو تمساح سقط بين يديه، ومعه كل الوثائق والأدلة الثابتة و دعم الملك (حسب ما حكاه بنكيران بنفسه) ودعم الشعب وواجب الوطن، اذن فليترجل وليفتح تحقيقا حول الموضوع، لا أن يُظهر شجاعته الجبانة امام المستضعفين والكادحين وبؤساء الوطن، الذين يستأسد عليهم بدعم  من مؤسسات المال العالمي “مصاصي الدماء”، الان ليس هؤلاء من يدعمك يا استاذ بنكيران، بل يدعمك الله (كما تقول دائما) والملك والشعب والوطن والواجب الاخلاقي والسياسي كلهم الى جانبك،  فترجل لنراك ونصدقك ونكذّب من يسعون للنيل منك، ولا تخيب رجاءً ظن الله والملك والشعب والوطن فيك.

من جهة أخرى كيف للقصر الملكي الذي يسوق لنفسه صورة حداثية، صورة تروجها وسائط التواصل الحديثة، مثل صفحة “سفيان البحري” على الفايسبوك، لكن في المقابل فإن تعاطي المؤسسة الملكية في التواصل مع الشعب في الامور الحساسة هو تعامل لا يساير العصر بالبات والمطلق، فمقابل صور الملك الذي يعانقه رعاياه الاوفياء اينما حل وارتحل، ثمة صورة اخرى مشوهة يتحدث مضمونها عن سكوت القصر الملكي عن تورط احد اعضاء محيطه في فضيحة “وثائق باناما”، فإذا كان القصر الملكي الاسباني سارع الى اصدار بلاغ توضيحي للشعب الاسباني بعد ان تحدثت الصحافة عن احتمال تورط احدى قريبات الملك في الفضيحة، فإن القصر الملكي المغربي ما زال يلوذ بالصمت بعد أن نشرت الصحف العالمية خبر تورط السكرتير الخاص للملك (وليس احد اقربائه)؟

إن مثل هذه الموضوعات الحساسة تجعل الواحد ينظر الى تجاعيد السياسة في هذا البلد واضحة جلية دون مكياج ولا صباغة، كل الادعاءات تسقط، وكل مساحيق الماكياج تذوب، فكما كشفت فضيحة العفو الملكي عن البيدوفيل الاسباني “دانيال كالفان” على حقيقة السياسة في هذا البلد، التي عمودها حضور لاعبين اساسيين هما: القصر الملكي والشارع، انتفض الشارع ضد هذه الفضيحة فاضطر القصر الملكي في سابقة تاريخية الى اصدار 4 بلاغات حول الموضوع، كان الصراع والحوار مباشرا وواضحا؛ طرفاه: الشارع مقابل القصر الملكي، بينما ظل الاخرون مجرد اتباع يصمتون او يجتهدون في تبرير الفضيحة كما فعل وزير العدل مصطفى الرميد حين أرجع الامر إلى أن العفو فيه مصلحة عليا للبلدين. يبدو أن الامور تتجه الى تكريس نفس الحقيقة، ولا احد سيتحرك قيد أنملة؛ لا تحقيق سيُفتح، ولا بلاغ أو موقف سيُصدر، إلاّ اذا تحرّك الشارع.
ومع ذلك، قبل هذا وذاك فلننتظر قد تغيّر حليمة عادتها، من يدري؟ لكن هيهات…فكل اناء بما فيه ينضح.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.