بؤس التواصل لدى المسؤولين المغاربة

عندما ينطق مسؤول مغربي ، فانتبه لرصاصات طائشة  يمكن ان تخرج من فمه لتصيبك بتعفن في الأذن او بثلوث في العين . هذا ما يستنتجه الفرد لدى متابعته ” لبزايل ” المسؤولين المغاربة في الآونة الاخيرة . فلقد اصبح بؤس التواصل يأخد صورا استعراضية : رئيس الحكومة و ترهاته وشطحاته  الحلايقية و التي تعدم كل امل في ظهوره كرجل دولة ، ووزيره في الاتصال ولازمة “سي كلير ”  في برنامج اداعي فرنسي ، و “نرفزاته”  المتكررة والغير مبررة في تدخلاته التلفزية،وشططه في إستعمال الارقام بطريقة حانوتية، ثم الوزير “السراح”  الذي لم يفرق في تدخل له  بين الغنم والبشر رغم انه مسؤول على قطاع وزاري اجتماعي ، فوزيرة ” جوج فرنك”  وحركاتها الفموية المقززة ، ثم وزيرة “22 ساعة عمل يوميا ” التي من كثرة عملها وقلة نومها انتفخت شفتاها ، ولاننسىالوزير الظاهرة الداودي وزير “ياحسرتاه” التعليم العالي والبحث العلمي و تدخلاته “المرعدة ” وخاصة الاخيرة حول الشعب الغير الادبية  ، و التي تذكرنا بتلميذ مراهق في السنة الثالثة اعدادي يفتخر بالشعب العلمية و يقوم بفصل تعسقي بين العلوم والاداب ويفتخر امام قرينه بذكاء المتوجه علميا وعدم اهمية الآداب(مامصير التعليم العالي و البحث العلمي بمستوى مثل هذا)…..

أصبحت أذن المغربي المقهور مع هؤلاء سلة مهملات .وتحولت إطلالاتهم “البهية ” معرضا لضعف وفقر تواصلي هائل ، ومناسبة للسخرية و الاحتقار . فما هي الاسباب التي تجعل من المسؤولين على مصير المغاربة يعانون هذا البؤس في القدرات التواصلية و حولهم الى مادة للسخرية و التنكيت؟

لنبدأ اولا بتعريف التواصل :

هنا عدة تعاريف للتواصل وذلك حسب المقاربات المعتمدة ، الا اننا سوف نكتفي بتعريف مبسط واجرائي . حيث يمكن اعتباره” عملية تفاعل بين مرسل و مستقبل  عبررسائل معينة في سياق اجتماعي معين “. اذن هنا ثلاث مكونات اساسية للعملية التواصلية : المرسل ، المستقبل ، الرسالة المراد ارسالها. اما القدرات التواصلية فهي القدرات التي بواسطتها يوصل المرسل رسالته الى المستقبل بكل وضوح و سلاسة ، و التي تحافظ على مضمون وهدف هذه الرسالة .

بالنسبة لموضوعنا ، فالخلل التواصلي لدي مسؤولينا مركب ، حيث يمس ابعاد الشخصية النفسية والمعرفية و الجسدية لهذا المسؤول و يمس ايضا الرسالة المراد ايصالها . لنعطي امثلة توضيحية لذلك :

  • الوزير السراح : في احدى حوارته ، صرح هذا الوزير في ما معناه ” كنت كنسرح الغنم و دابا كنسرح البشر ، راني كنتبرعبالمانداديال وزير “.
  • المرسل : الشخص لم يتخلص من منطق السرحة في تحليله لمسؤوليته الوزارية ،اي عن غير وعي، هو سراح في جبة وزير.  وهو معرفيا لا يفرق بين التدبير والتسيير من جهة و الطرق الكلاسيكية للإدارة باعتبارها قيادة فردية لقطيع .
  • الرسالة : لم يقدر خطورة  الرسالة المراد ايصالها من خلال هذا الكلام . والتي تعتبر الشعب المغربي  مجموعة من ” الغنم”، خاصة بصفته مسؤولا كبيرا في الدولة  . كما ان لكل رسالة تواصلية هدف ما ، فماهو الهدف من هذه الرسالة ؟

فجميع الاجوبة  الممكنة على هذا السؤال ( حتى الاحسن نية : اراد ان يبين انه عصامي واصله متواضع ليجد تعاطفا من المواطنين) ، تدل على اننا امام غباء تواصلي حاد .

  • المرسل اليه : في هذه الحالة هو الشعب المغربي ، والذي يتحول مع المرسل ان كان مسؤول سياسي و في برنامج اعلامي الى راي عام يجب بذل المجهودات الكافية لكسبه. فلقد فهمت الاغلبية انطلاقا من إستقبال شكلي للرسالة ، ان الوزير السراح يحتقرها ، اما الاقلية التي يمكن ان تقرأ ابعاد الرسالة و حيثياتها ، استنتجت ان  الوزير فقير تواصليا ولم يتخلص بعد من نظرة تقليدية زراعية و بدوية لتسيير المرفق العمومي .
  • وزيرة جوج فرنك:

صرحت هذه الوزيرة في تعليقها على المطالبات بحذف معاشات الوزراء والبرلمانيين في اطار الحديث عن اصلاح التقاعد فيما معناه ” هذا التقاعد هو جوج فرنك” وبالتالي لن يساهم في حل مشكل التقاعد في المغرب.

  • المرسل : خلال الحوار التلفزي لم تتوقف هذه الوزيرة عن تحريك فمها بطريقة مقززة ، و كانت في وضعية تربص بأسئلة الصحفي ( بمنطق عندويقولبني ). كانت تتعامل مع اللقاء و كأنه امتحان مليء بالفخاخ ، ولهذا افتقدت السلاسة و العفوية في الاجوبة و في بعض الاحيان مقاطعة الصحفي قبل انهاء طرح اسئلته . وقد كان وصفها لتقاعد البرلمانيين ب” جوج فرنك” هي النقطة التي افاضت الكأس.
  • الرسالة : الرسالة كانت مستفزة بإمتياز. ففي ظل الاوضاع الاجتماعية الصعبة التي يعيشها المغاربة و الغلاء الفاحش و انتشار الفقر والبطالة ، يصبح اعتبار 8000 درهم جوج فرنك من طرف وزيرة ( محركة الفم بطريقة مقززة) استفزازا وإهانة وإحتقارلهذا الشعب . و هو بالفعل ماوقع ، حيث تحولت المواقع الاجتماعية الى ساحات للسخرية من هذه الوزيرة كنوع من الانتقام المعنوي لهذا الاستفزاز.
  • المرسل اليه : شعب مقهور وفقير ويعاني مختلف مظاهر القهر و الهدر . إضافة لتمثلاته لأدوار البرلمانيين بصفتهم ” كيدبرو على ريوسهم فقط ” و انهم لايستحقون التعويضات التي يستفيدون منها . كما انه يعتبر المبلغ المحتقر من طرف الوزيرة مبلغ محترم جدا ، فالاغلبية من الشعب المغربي يحلمون به فقط .

البؤس التواصلي الذي يظهر لدى المسؤولين المغاربة هو نتيجة لذهنية مريضة ومعتلة ، يبين مدى إضطراب العلاقة مع الذات و الآخر . العلاقة مع الذات هي علاقة مشوشة ، تقام فيها الحواجز بين الانا الحقيقية و الانا المراد إظهارها . فتكون المقابلات الاعلامية و التواصلية في إطار العلاقات مع الآخر مناسبة للتصنع و تسويق الانا المغشوشة  و الابتعاد عن العفوية و التي تعتبر عامل أساسي للسلاسة التواصلية ( التخلف يحارب العفوية ). فالغش ماركة مسجلة لدى الذهنية المتخلفة .  التنازع بين الانا الدفينة الحاقدة على نفسها و الأنا المغشوشة هو الذي يعطي في شرو ط معينة ” البزايل “، باعتبارها تشوهات لخروج بعض تمظهرات الانا المقموعة.  وبالتالي يسبب الاضطراب التواصلي الذي نلاحظه في المسؤولين السياسيين خاصة المتخلفين منهم. كما أن الفشل التواصلي الذي اصبح صفة ملتصقة بالمسؤولين المغاربة يبين مدى تفاهتهم و عدم مبالاتهم بمواجهة المواطنين ، حيث لا يبدلون اي مجهود في سبيل إنجاح مقابلاتهم عبر وضع سيناريو تحدد فيه المحاور و تهيأ فيه الافكار والمعلومات  ويكرس بعض الوقت لملأ الجمجمة و تثقيفها بدل تحويلها الى حساب بنكي او علبة شكليات و تصنعاتمخزنية صغيرة .

إننا نعيش مؤخرا مشهدا سياسيا دراميا، تؤثثه نخب مشوهة فقيرة معرفيا و سياسيا و قيميا . لاتملك من الذكاء سوى كيفية الاستفادة من الريع و جمع المال وخدمة مصالحها الضيقة .

في مجتمع الزيف ، يصبح الغش شيفرة للنجاح الاجتماعي . وتصبح ” كفاية الزيف ” المكتسبة هي مفتاح الصعود و التطور السياسي . فتسود الاقنعة و تغيب الوجوه ، لنصاب بنخب تافهة كثيرا ما تصدمنا بمكبوتاتها المخبأة تحث ماكياج من نوع رديء ، تنفجر كبثور بشعة تفضح مدى غبائها و صغرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.