وجهة نظر: انتفاضة 20 يونيه الشعبية.. الدلالة السياسية و دروس الانتفاضة

عبد الغني القباج

انتفاضة 20 يونيه الشعبية، خصوصا في المدينة العمالية الدار البيضاء، لها وقع خاص في التاريخ و الوعي الذي عنشاه، و لازلنا نعيشه كمجموعة مناضلين و مناضلات “يسار 23 مارس” كفعل ملموس في الصراع السياسي و النقابي و الاجتماعي من اجل الثورة الديمقراطية و التطور نحو الاشتراكية.

لم تستوعب النخب اليسارية الإصلاحية دروس انتفاضة مارس 1965، و أوفق القمع الأسود لنظام الملك الحسن الثاني تبلور حركة ثورية، سواء الحركة الثورية الماركسية اللينينية أو “حركة  3 مارس” المسلحة، و ساد الاستبداد و الفساد.. و في المقابل استفردت القيادة البيروقراطية للاتحاد المغربي للشغل بجزء مهم من الطبقة العاملة و عزلتها عن النضال السياسي الديمقراطي و اليساري الجذري..

استعادت الحركة الديمقراطية و الحركة العمالية و النقابية، مع تأسيس الكنفدرالية الديمقراطية للشغل (ك.د.ش)، بعض ديناميتها السياسية و النقابية النضالية.. و استشرفت آمالا بهذا التأسيس.. مما دفعنا كيساريين ماركسيين للانخراط دون خلفيات و دون حسابات سياسية في النضال الذي قادته النقابة الوطنية للتعليم، ثم الك.د.ش خلال سنوات نهاية السبعينات.

تزامنت هذه الأحداث مع بداية خروج النظام السياسي المخزني التبعي من عزلته عبر بوابة ما سمي بـ “الإجماع الوطني” حول قضية الصحراء وما سمي بـ”المسلسل الديمقراطي” (انتخابات 76 و 77).. لكن النظام السياسي استشعر أن انفتاحه على القوى الأصلاحية، الاتحاد الاشتراكي و التقدم و الاشتراكية و الحركة النقابية، سيفرض عليه تنازلات سياسية جوهرية، لذلك نهج سياسة التحكم في هذا الانفتاح المتمثلة في سياسة “العصى و الجزرة”، إنهاء حالة الاستثناء بإجراء انتخابات 1976 و 1977 و عودة البرلمان.. و في المقابل إصدار أحكام قاسية في حق مناضلي و مناضلات الحركة الماركسية اللينينية (23 مارس، إلى الأمام، لنخدم الشعب).. ما سمي بـ”الإجماع الوطني” حول الصحراء و إدماج نخب المعارضة في البرلمان و الجماعات المحلية، و قمع إضراب قطاعي التعليم و الصحة أبريل 1979 حيث مارس النطام السياسي أبشع انتقام من رجال و نساء التعليم و الصحة بطرد عدد كبير من المناضلين، و لم يتم إرجاع أغلبهم إلا في أكتوبر 1980. و مارس الملك الحسن الثاني استبداده بتمديد عمر البلمان بسنتين و قمع فريق الاتحاد الاشتراكي الذي رفض هذا التمديد السلطوي و اعتبره خارج “الأمة” و فرض عليهم الرجوع بالقوة إلى البرلمان، ثم صنع معارضة من حزب التجمع الوطني للأحرار.

رغم كل هذا القمع و الاستبداد، دخل المغرب في أزمة اقتصادية اجتماعية لم تجد حكم النظام السياسي سوى تحميل الشعب المغربي مضاعفاتها.. فقرر إدخال المغرب في سياسة “التقويم الهيكلي” للإقتصاد و لميزانية الدولة و بداية ممارسة سياسة “نيوليبرالية” التي تفرضها المؤسسات المالية الإمبريالية صندوق النقد الدولي و البنك العالمي. فقرر الحكم عبر حكومته زيادات مهولة في مواد الإاستهلاك الأساسية‏ الأساسية (الدقيق 40%، السكر 50%، الزيت 28%، الحليب 14%، الزبدة 76%)‏.

قرر الـ ا.م.ش إضرابا عاما يوم 18 يونيو 1981، ساندته الكنفدرالية الديمقراطية للشغل.

فيما قررت الـك.د.ش تنفيذ إضراب عام يوم 20 يونيه 1981 او رقعت مطلبا أساسيا: إلغاء كامل لكل الزيادات في المواد الاستهلاكية الأساسية.

شكلت التعبئة للإضراب مؤشرا دالا على نجاحه حتى قبل 20 يونيه. و استشعر الملك الحسن الثاني و نظامه السياسي أن ميزان القوى بدأ يتغير لصالح النضال الديمقراطي الجماهيري. و أن هذا النضال الديمقراطي الدماهيري يحمل ثورة شعبية ضد الاستبداد و القمع و الفساد، ضد ما يسمى بـ”المسلسل الديمقراطي و ضد ما يسمى بـ”الإجماع الوطني و سيقط هذه الشعارات و كذلك شعار “السلم الاجتماعي” المزعوم.

لذلك قرر تكسير الإضراب بالعنف و فرض القوة لفتح المتاجر المضربة و تجندت السلطات المخزنية من قوات الجيش والدرك الملكي والقوات المساعدة ‏و البوليس لإكراه العمال و الموظفين و الحافلات على العمل يوم الإضراب. كما تجندت قوات القمع لمحاصرة مقرات الك.د.ش و لملاحقة و تشتيت جميع لقاءات المواطنين و الشباب  والعمال وراقبتهم و طاردتهم في الأحياء والمقاهي.

و رغم ذلك نجح الإضراب.. وحرجت جماهير شعبية إلى الشارع تناضل ضد غلاء المعيشة و الزيادات في الأسعار و كذلك ضد قمع حرية الإضراب و محاولة تكسيره. نجح الإضراب رغم القمع و أحس حكم الحسن الثاني نظامه السياسي ‏و نخبه باختلال ميزان القوى لصالح ثورة شعبية قادمة.

فأُعْطِيت الأوامر لقوات الجيش و الدرك  للتدخل بقوة ضد متظاهرين عزل و بيوتهم في المدينة العمالية الدار البيضاء. و ارتكبت هده القوات القمعية فيها خصوصا جرائم كبيرة بغطلاق الرصاص على جماهير شعبية منتفضة و مظاهرات شعبية كبيرة و حتى في بيوت المواطنين. و رغم في تحدي القمع و همجيته أظهرت جماهير شعبية منتفضة شجاعة كبيرة تتحدى هذا القمع.  ‏

و من الدروس الجوهرية التي لا زال اليسار الديمقراطي و الثوري لم يستوعبها نذكر:

الدرس الأول: ضعف مزمن لنخب المكونات اليسارية الجذرية عن بلورت ممارسة سياسية يسارية ديمقراطية ثورية مرتبطة بنظرية يسارية ثورية ‏جديدة  و بتحليل و رؤية مبدعين ‏لفهم سديد لأطروحة أن حركة ثورية بدون نظرية ثورية و بدون تنظيم سياسي ديمقراطي ثوري و قيادة سياسية ديمقراطية ثورية قادرة على ربط الوضع الطبقي الاجتماعي للطبقة العاملة و عموم الكادحين و الكادحات المأجورين و الفلاحين بالنضال اللسياسي اليساري الديمقراطي و الثوري. إذ بدون تنظيم الطبقة العاملة و فئات الكادحين هذه سياسيا و نقابيا وفق تصور نظري و سياسي يساري ديمقراطي ثوري لن تستطيع النخب اليسارية الجذرية تغيير ميزان القوى لصالح تغيير ديمقراطي حقيقي يتجاوز نظام المخزن الاستبدادي و التخلف الاجتماعي السائد.

الدرس الثاني: الدور الأساسي للشباب اليساري الثوري المتخلص من كل أشكال البيروقراطية و النخبوية و الحزبية الضيقة، و هدا ما أكدته انتفاضة و تشكل “حركة 20 فبراير” في فبراير 2011.

الدرس الثالث: ضرورة استيعاب أن تاريخ نضالات الشعب المغربي العفوية و المنظمة بلور وعيا ثوريا جديدا جنينيا لدى الفئات الشعبية، كما بلور ممارسة اجتماعية جديدة رغم تشتت هذا الوعي و الممارسة و عفويتهما و ظرفيتهما بسبب غياب و ضعف الأداة السياسية الثورية اليسارية الديمقراطية، و رغم استلاب الممارسة الاجتماعية لهذه الفئات الشعبية من طرف التيارات الإسلاموية الرجعية بالنظر بالضبط لعدم توفر جل النخب اليسارية الجذرية على الجراة السياسية و النظيرية اللازمة و الممارسة اللازمة لتأطير الوعي و الممارسة الشعبين.

-الدرس الرابع: وجود أطر و مناضلين/مناضلات شباب غير مؤطرين سياسيا و تنظيميا و مناضلين/مناضلات شباب داخل مكونات اليسار يحملون فكرا يساريا ثوريا ماركسيا أو ديمقراطيا جذريا، لكن ممارسة النخب القائدة خطها التنظيمي في تنظيمات معزولة و لا تربط الفكر و السياسية الديمقراطيين و الثوريين بالممارسة الاجتماعية و المدنية و الثقافية وسط الطبقة العاملة و الفئات الكادحين..

-الدرس الخامس: عدم تطور و احتهاد الممارسة الفكرية النقدية و الممارسة اليسارية لدى مكونات اليسار الجذري و الماركسي، و غياب الحوار الديمقراطي المنتج للفكر و التصور اليساريين الديمقراطيين المشترك و المتنوع و تنظيم الاختلاف بين هذه المكونات بالنظر لتعاملها مع فكرها و تصورها على أنهما “مقدسين”. و هي نزعة دغمائية تفرض الفكر و التصور على الواقع مما ينفي دياليكتيك الملموس، أي ارتباط دياليكتيكي نقدي للممارسة الفكرية و السياسية بالواقع الملموس و الممارسة الملموسة الفكرية و السياسية و التنظيمية في هذا الواقع الملموس.

– الدرس السادس: لقد بينت انتفاضة 20 يونيه الشعبية، و قبلها انتفاضة مارس 1965، أن جماهير من الطبقات الشعبية لعا استعداد و وعي بضرورة التغيير و بمناهضة الاستبداد و السلطوية المخزنية و الفساد و بمناهضة التفاوتات الطبقية الكبيرة التي انتجت اغتناء أقلية قليلة من ثروات الشعب المغربي (المناجم، الثروات البحرية و الفلاحية..) و من الاستغلال الطبقي للطبقة العاملة و الأجراء المحدودي الدخل، و استغلال التجار السماسرة لعرق الفلاحين البسطاء و الصغار.. و هو الاستعداد النضالي الذي وضحته مرات عديدة احتجاجات المواطنين و المواطنات ضد الظلم الاجتماعي كما وضحته الانتفاضات الدماهيرية في يناير 1984 و دجنبر 1990 و انتفاضة حركة 20 فبراير الدماهيرية الديمقراطية.

و رغم النقد الجريئ الذي من الضرور توجيهه للطبقات و الفئات الشعبية عن سلبيتها و عفويتها و خضوعها للثقافة و السياسة و الممارسات الرجعية و التقليدية و الإسلاموية المتخلفة، فإن مكونات اليسار الديمقراطي الجذري لم تستفد من هذا النقد و لم تبلور بدائل ممارسة سياسية و تنظيمية ملموسة لتحرير هذه الطبقات و الفئات الشعبية من تخلف وعيها و تسليحها بوعي ديمقراطي و ممارسة ديمقراطية مناضلة و منظمة و مستمر’

فهل ستستوعب مكونات اليسار الجذري هذه الدروس و تتجاوز خلافاتها الثانوية و تتحاور حوارا نقديا يوفر شروط بلورة تصور و برنامج سياسي ديمقراطي مشترك مُؤَطـِّـر لممارسة نضالية موحدة و أشكال تنظيمية مشتركة تتجاوز التناقضات الثانوية و توفر شروط إعادة تأسيس يسار اشتراكي متعدد و موحد ضد الاستبداد و السلطوية و الفساد و يسارمناضل و مكافح مع الطبقات الشعبية من أجل نظام سياسي اجتماعي ديمقراطي فعلا؟

سان فرانسيسكو … الأربعاء 22 يونيه 2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.