انتفاضة الشعوب بين سوء الفهم وسوء النية

محمد المساوي

في بداية الالفية الثانية، حينها كنت شابا حالما، لا يستكين الى اقراص تهدئة الاوضاع الاجتماعية، قرأت حوارا او كتابا للمهدي المنجرة (لم اعد اتذكر هل هو حوار ام كتاب) جاء فيه ان شعوب المنطقة (شمال افريقيا والشرق الأوسط) ستشهد انتفاضات شعبية عارمة بعد عقد من الزمن، وستدخل المنطقة موجة ثورية ستودي بالعديد من الأنظمة، قرأت ذلك وانا اردد مع نفسي ان هذا الرجل بلغ من الكبر عتيّا، وأصبح كلامه أقرب الى الاستمناء منه الى الواقع.


كانت خلاصتي حول ما قاله المنجرة مقدودة من قراءة ذاتية لواقع شعوب المنطقة، كنتُ اراها شعوبا استسلمت لكسلها وخمولها بعد خفوت موجة الثمانينيات والسبيعينيات، كنتُ اعتقد ان الفعل الاحتجاجي الجماهيري تم وأده مع موجة خطاب “حقوق الانسان” الذي اطلقته الامبريالية، وكنت ارى ان الشعوب بعيدة كل البعد مرحليا عن النزول الى الشوارع بعد انكسار وخسوف التنظيمات التي كانت تؤطر الشارع وتحرّكه.


بيد أن بعد استشهاد البوعزيزي وانطلاق موجة الانتفاضات الشعبية، جعلتني اخجل من نفسي، واخجل من يقينيتي الحالمة التي سفّهت القراءة المستقبلية للمنجرة، ومن حينها تعلّمت درسا فحواه: لا يجب ابدا احتقار ارادة الشعوب، لا يمكن الاستكانة الى قراءة ذاتية واسقاطها على واقع متحرّك، يمكن في أي لحظة ان يفاجئ الكل.
مناسبة هذا الكلام، هو وضع النقط على حروف واقع صار يدهش الكل، يدهش المثقفيين والمحللين والمنجمين و الصحافيين والسياسيين و..


الواقع المقصود، هو واقع عهد الانتفاضات الشعبية التي تشهدها المنطقة، ولأنه واقع مفاجئ وحابل بالجديد، من طبيعة الحال ان يثير استغراب الكسالى، كما اثار كلام المنجرة استغرابي.


هذا الاستغراب، حاول العديدون ايجاد حل له، وفق قراءة مبتسرة رجعية تستخف بقدرة وارادة الشعوب، فحوى هذه القراءة، تقول ان جزءا كبيرا من هذه الانتفاضات اشعلتها وتشعلها الاستخبارات الغربية وسفارات الدول الغربية لغرض في نفسها، وهذا لعمري قمة الوقاحة وقمة العجز عن فهم الواقع واستيعابه.


القصة وما فيها يا سادة، هذه الانتفاضات لها اسس مادية في الواقع، هذه الاسس مبنية على واقع الاحتقان والحكرة وتدمير المكتسبات الاجتماعية واشاعة التفقير وتحميل الشعوب فواتير الارتهان لمؤسسات المال العالمي (البنك الدولي وصندوق النقد العالمي وتوابعهما من مصاصي الدماء)، كل هذه الأسباب وفّرت ارضية خصبة للاحتجاج واللانتفاض، لكن للاسف، عوض ان يتوجه الكسالى لقراءة هذه الشروط، راح اغلبهم، لتبرير كسله وعجزه عن مواكبة حركيّة التاريخ، الى رمي الشعوب بالقصور، واعتبار انتفاضاتها من فعل فاعل.


الذي حدث ويحدث أيها السادة، ان هذه الشعوب ضاقت ذرعا بواقع الفقر والقمع والحكرة، كما ضاقت ذرعا بانتظارية التيارات والهيئات السياسية التي يفترض فيها ان تقود الجماهير الى برّ الامان، فخرجت الى الشوارع لتعبر عن امتعاضها وعدم قبولها بهذا الواقع المفروض عليها.

الامبريالية ومصاصو الدماء لا يمكن لهم ان يدفعوا في اتجاه اندلاع انتفاضات تساءل أول ما تسائل شجعهم ولصوصيتهم، الذي حدث ويحدث هو ان هؤلاء الانذال، بسبب خلو الشارع من تنظيمات قادرة على قيادة معركة التغيير، حاولت وتحاول التدخل من أجل التحكم في مسير ومصير هذه الانتفاضات، وهو ما نجحت فيه بقسط وافر لحد الان، وهذا ما جعل هؤلاء الكسالى يلتبس عليه الامر، ويتدحرجوا الى مدارك التشكيك في انتفاضات الشعوب ورميها بالعمالة والقصور، واتهامها بكونها مجرد كراكيز يتم تحريكها من خلف ستار.

الحق، ان الانتفاضات هي صناعة شعبية جماهيرية خالصة، لكن للاسف هي لحدّ الان بدون أفق، بسبب افتقارها الى بدائل تنظيمية جماهيرة قادرة على قيادة سفينة الانتفاضات الى برّ الامان، وايجاد بدائل شعبية للانظمة المتعفنة الجاثمة بثقل فسادها وتعفّنها على رقاب الشعوب.


ثمة خيط رفيع، بين القول ان الانتفاضات هي من صنع اجهزة الاستخبارات، وبين القول ان الانتفاضات تفتقر الى بدائل حقيقية، مما يجعلها فرائس سهلة بين ايدي الاستخبارات ووكلاء مصاصي الدماء وصيادو الماء العكر.

القول الثاني، يستدعي التفكير والبحث والعمل والاجتهاد من اجل اجتراح هذه البدائل، والقول الاول يستتبع زرع الاحباط واليأس في افئدة الشعوب التواقة الى غد افضل.

هذا الوضع الذي تعيشه المنطقة، وربما العالم بأسره، هو الوضع الذي عبر عنه المفكر الايطالي انطونيو غرامشي بدقة، بداية القرن العشرين، بقوله “القديم يحتضر،

والجديد لم يولد بعد”.

الامبرالية ومصاصو الدماء، لا ولن يشعلوا الانتفاضات الشعبية، انهم يتحيّنون الفرص للانقضاض على اية هبّة شعبية من أجل توجيهها كما تشاء غرائزهم الجشعة، مستغلين في ذلك خلو الساحة من بدائل حقيقة، وهذا الخلو لم يأت من عدم، بل هو نتيجة لما عملوا عليه هم انفسهم، في اطار الضربات الاستباقية لانتفاضة الشعوب.

هؤلاء لا يتحرّكون وفق المصادفات، ولا يتحرّكون بعفوية، بل يتحركون بخطى مدروسة، لهم مراكز ابحاث ودراسات ينفقون عليها الملايير بامكانها ان تستقرئ وتضع سيناريوهات المستقبل، لذلك عملوا بكل ما بجهدهم لتجريد الجماهير والشعوب من اداوتها التنظيمية، وبدائلها المحتملة، حتى اذا انتفضت يوما في الشارع، ستجد نفسها عارية من أي بديل يسندها وقادر على رتق رهانت التغيير.

وعليه، ثمة فرق كبير في القراءة وفي النتيجة المترتبة عنها، بين القول ان الانتفاضات الشعبية (كيفما كانت هذه الانتفاضات،واينما كانت: في المغرب او الريف او الجزائر او السودان او لبنان أ سوريا او البحرين او الشيلي او كطالونيا…) من صنع الايادي الخارجية، وبين القول ان هذه الانتفاضات تقع صريعة أمام تدخل الايادي الخارجية للتحكم في مسيرها ومصيرها نتيجة غياب بدائل حقيقية.

 

امانديس: لا علاقة للشركة بحادث وفاة مسن في حفرة بمنطقة جزناية بطنجة

الشيلي: ولسوف تزهر اللحظة! سوف تزهر اللحظة