انتفاضة 8 مارس ببني بوعياش .. من الضحية،من المستفيد ؟

نعيد التعريج عن هذا المقال الذي حاولنا من خلاله في يوم من الأيام أن نقدم من خلاله قراءة بسيطة في تقييم انتفاضة 8 مارس ببني بوعياش .

وهذا المقال ليس خال من الهفوات نعم و لكنه يحمل من الموضوعية الشيء الكثير…
وبمناسبة حلول الذكرى الرابعة لانتفاضة بني بوعياش نؤكد على تضامننا المبدئي مع المعتقلين السياسيين الذين لازالوا بين أصوار سجون الذل والعار محمد جلول ، ع . العظيم بنشعيب ، بشير بنشعيب ، ونجدد مطالبتنا بإطلاق سراحهم الفوري دون قيد أو شرط .
كما نشير ونؤكد على طبقية قضية المرأة ونؤكد أنه لا تحرر للمرأة دون أن  يكون على أرضية طبقية ثورية ، وأن ما يروج له أعداء الحرية والرجعيين مجرد وهم وتكريس ثقافة تسلليع المرأة .
وإذ نؤكد للحالمين بالثورة ما قاله الشهيد حسن حمدان * ليس بالحلم تكون الثورة وإن كان الحلم شرط من شروطها …* ، وندعوهم للتسلح بنظرية الثورة فكرا وممارسة والتسلح بالأخلاق الشيوعية الحمراء ، بعيدا عن الدسائس واللاوضوح واتخاذ الخبث ممارسة سياسية ثورية كما يزعمون ، وتعميل مبدأ النقد والنقد الذاتي والتحلي بثقافة تدبير الاختلاف بنضج ورقي ، وهذه الدعوى موجهة للذي يكتب هذه الأحرف أيضا قبل أي أحد أخر .
إننا نؤكد في الذكرى الرابعة لانتفاضة بني بوعياش أن واقع الأمر لا زال على حاله وأن ماخرجت الجماهير الشعبية إبان الانتفاضة وقبلها وبعدها تطالب به لا زالت له راهنيته ولم يتحقق شيء على أرض الواقع – سياسيا واجتماعيا واقتصاديا .

نقف اليوم وبعد مرور أربع سنوات  على انتفاضة الجماهير و صرخة الشعب من داخل آيث بوعياش يوم 8 مارس من سنة 2012

وباعتبار الثامن من مارس هو العيد الأممي للمرأة البروليتارية . لكن ما دامت البرجوازية هي المتحكمة و ما دام النظام من داخل المغرب لا ينفصم مطلقا عن النظام الرأسمالي العالمي ،  فسوف لن نستغرب أن يقمع أبناء البروليتارية أمام أعين أمهاتهم البروليتاريات و ان تقتحم عليهن حرمات منازلهن في  يوم عيدهن الأممي . هنا نجدد القول أن ما يطبلون له من حرية المرأة ما هو إلا تكريسا لإظطهادها وجعلها سلعة تباع و تشترى و إنما التحرر الحقيقي للمرأة هو تحرر لنصف المجتمع الذي يجب أن يكون على أرضية طبقية جنبا إلى جنب مع الرجل . و بالتالي تحررها من اضطهاد مزدوج اضطهاد من البرجوازية اقتصاديا و كذالك الاضطهاد الذكوري الذي تعانيه المرأة في ضل الثقافة الذكورية السائدة . لأعود إلى انتفاضة 8 مارس بآيث بوعياش و التساؤل المطروح . من هو الضحية و من المستفيد من هذه الانتفاضة ؟

طبعا فالاحتجاج في آيث بوعياش لم يكن وليد يوم 8 مارس أو لحضي بل كان عبر صيرورة نضالية دامت لسنين ضدا على غلاء فواتير الكهرباء والماء وغياب البنية التحتية والمشاكل المتعلقة بالتطبيب والتعليم وعزلة الدواوير والمداشير المحيطة بالبلدة ، هذا بالإضافة إلى البطالة المتفشية في صفوف كل الفئات العمرية ، سواء كانوا من حملة الشواهد أو من دونها ونحن نعلم أن شرارة الانتفاضات التي شهدها الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كانت بدايتها بانتفاضة معطل بتونس الذي استشهد بحرق نفسه * الشهيد البوعزيزي * . وهنا سنكون منصفين للفرع المحلي للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب وسنقول أن هذا الإطار هو من غرس البذرة الأولى للاحتجاج بالمنطقة شأنها شأن تقريبا مجموعة من مدن البلاد ولا زال على الدرب وهو من ظل متمسكا بدربه إلى يومنا هذا ونحن شهدنا الذكرى الرابعة والقمع الذي تعرض له المعطلين في تخليدها  ، وهذا لا يعني تحييد المطالب السياسية التي كانت الحركة تطالب بها والتفاعل الايجابي مع المستوى الوطني في الشعارات والمطالب ذات الأهداف والأبعاد السياسية .

لكن مع تطور الاحتجاج و اشتداد الاحتقان الاجتماعي من داخل البلدة وتغلغل ثقافة الاحتجاج في كل الفئات العمرية من الطفل إلى الشاب و الهرم . لم يكن النظام السياسي بالبلاد ليتعامل مع هذه الحركة الاحتجاجية إلا بأسلوبه الجديد القديم البشع، و هو نخر الحركة و جعلها تزيغ عن السكة الصحيحة و للأسف كان الوقت قد تأخر لنكتشف ذلك. ففعلا المقولة التي تقول “لا تكترث لما هو آت سيِؤتيك بالخبر من لم تأمر و سيوريك الزمان ما أنت جاهل” ،  قد أكدت صحتها وانكشف امر من كان يلح على جر الجماهير إلى متاهات و مستنقع لم يحمد عقباه و محاولة وضع حد من كان يحتكم إلى أبجديات النضال الجماهيري الواعي و المنضم ، و جر الحركة الاحتجاجية إلى فوضى و تغيب تحديد المسؤوليات مع العلم أن الحركة في أواخرها أصبحت تحمل في طياتها بعدا سياسيا .

لكن النظام و من اجل أن يدفع بالحركة إلى المحرقة دفع بأذياله من أجل الدفع بالحركة الاحتجاجية إلى تصعيد غير محسوب الخطوات و غير مدروس الأفاق و بالتالى جعلها لقمة صائغة في أنيابه ، عبر مقاربته المعهودة ، القمع و الاعتقال السياسي و الزج بأبناء الشعب في غياهب السجون كأسلوب  تاريخي لكتم الأفواه و شل حركة كل الرافضين لأمر الواقع .

نقف لنستحضر توقيت التدخل الوحشي بمعنى الكلمة و طريقة و حجم الترسانة القمعية التي تم حشدها ، ليس خوف من الحركة الاحتجاجية بآيث بوعياش و فقط ، بل لإرسال رسائل مشفرة إلى باقي المواقع الاحتجاجية و بعث الخوف من جديد في نفوس كل الشعب المغربي وأبناء الريف خاصة وهم من لازال لم ينسى ولن ينسى  انتفاضة 58/59 أو ما يسمى بالريفية (أسو كاس إقبان)  و الكل يعلم ما حدث من وحشية وهمجية ارتكبت في حق أبناء المنطقة  .

لنعود لتلك الليلة السوداء ولا داعي لذكر تفاصيل ما حدث من تعنيف المحتجين و اقتحام للمنازل و السب و الشتم بألفاظ عنصرية و جارحة. عادي أن يقمع النظام نضرا لطبيعته التاريخية القمعية لكن ما يحز في النفس هو أن تجد بيادق النظام المسخرة تتجلبب بجلباب ثوري مناصر للخط الجماهيري لكن ما خفي أعظم ، فحقيقتهم أنهم أعداء الجماهير، يتحركون وفق تعليمات دقيقة مستغلين عفوية المحتجين و حماستهم من أجل حرقهم و التدفئ بجثثهم نعم و نعي جيدا ما نقصد . و سقط عنهم القناع بعد ما زج بالأبرياء في السجن . أما آخرون أصبحوا وجوها بارزة في تنظيمات ولدت من رحم الداخلية و المخابرات ، نعم فأبناء المضطهدين المناضلين ضحوا ، أما سماسرة الدماء استفادوا و كرسوا ثقافة الخيانة التي ما فتئ أبناء المنطقة يحاربونها . كما عاودوا جر المضطهدين إلى فقدان الثقة من مناضليهم وغرسوا ثقافة تخوين القيادة بعد ما كادت أن تذبل . لكن في التاريخ عبر ، و تاريخنا مليء بالأحداث حتى نستوعب  الدروس و نكف عن تقديس الماضي و تعظيمه  و نقف عند سلبياته و نحولها إلى إيجابيات بدل أن نكتفي بالوقوف إلى إيجابياته و الإنجازات دون تطويرها و الزمان كفيل بمكافئة العظماء فلم يكن التاريخ ليكرم محمد ابن عبد الكريم الخطابي لو لم يكن عظيما و لم يكن ليكرم غيفارا الأرجنتيني لو لم يكن كذاك .

نقف اليوم والكل ارتكن والكل يحاول البحث عن شماعة لتعليق وتبرير عزوفه وفشله في استمرار الحركة الاحتجاجية ووهجها ، لنعاود القول أن الصراع لم ينتهي وأن المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية لم يتحقق منها شيء ، بل عكس ذلك فالنظام دشن مرحلة هجوم جديدة على مكتسبات تاريخية للشعب المغربي حققها عبر صراع مرير وتضحيات جسام .

لتكون وقفة تأمل في وضعنا اليوم وماذا يجب فعله للتصدي لما  يحاك ضدنا ككداح من داخل الوطن ، إن ما يعيشه اليوم الشعب السوري والليبي لسنا كشعب مغربي معصومين منه ، إن الهجوم اليوم على القدرة الشرائية للمفقرين من داخل البلاد وتدمير أنظمة التقاعد والإجهاز على الوظيفة العمومية والتنكيل بالأساتذة وقمعهم ، وحرمان المعطلين من حقهم في التنظيم والشغل والتستر على جرائم مرتكبة فيما مضى وارتكاب جرائم أخرى ….هو نفسه تدمير غير مباشر للوطن وأن أسياد الماسكين بزمام الأمور بالبلاد مستعدين لتدمير كل الأوطان ضمانا لمصالحهم وتأبيدا لسيطرتهم الطبقية.

كلها مؤشرات تستوجب علينا كشعب وكمناضلين وكمثقفين من داخل البلاد أن نحدد موقعنا في الصراع عبر إنتاج ممارسة سياسية نضالية ترقى إلى مستوى دقة المرحلة وأن نتسلح بسلاح فكري نقيض للسائد والمسيطر الذي بسببه نعاني الويلات. ودون ذلك فاللاموقع في المرحلة يخدم الرجعية ويخدم مصاصي دمائنا .

لنعيد ونختم أن المستفيد من الانتفاضة هو من يستطيع أن يستوعب الدروس التاريخية منها وأن أعداء الحرية إلى الزوال رغم ما يحاولون الترويج له من الانتصارات ، فالحرب معارك وأن تخسر معركة لا يعني الانهزام في الحرب بأكملها ، لكن قد تكون هي السبب في ترتيب بيتك لتعيد الكرة وتنتصر .

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.