ملف الأساتذة المتدربين..انتصر صندوق النقد الدولي وانهزم الوطن

محمد المساوي

بعد شهور من النضال المستمر، توصّل أمس الاساتذة المتدربون والحكومة الى شبه اتفاق بتوقيع محضر قد ينهي هذا الملف الحارق الذي ابان من خلاله الاساتذة المتدربون عن صمود نضالي كبير، ورغم أن الاتفاق غير نهائي إلا أنه يبدو سيكون هو الأفق المحتوم لهذه المعركة، وينص الاتفاق على توظيف فوج الاساتذة كاملا (10 الاف استاذ متدرب) دفعة واحدة بداية من يناير 2017.

بهذا المخرج يبدو أن الاساتذة تنازلوا عن الكثير من مطالبهم مقابل التشبث بمطلب التوظيف الجماعي لفوجهم دفعة واحدة وليس عبر دفعتين، فلم يحضر في محضر الاتفاق مطلب الغاء المرسومين؛ فصل التكوين عن التوظيف وتقليص قيمة المنحة الى النصف، بل كان الهم الاساس الذي شغله هو توظيف الفوج الحالي دفعة واحدة وسكت المحضر عن باقي المطالب، فهل يعني هذا أن الحكومة انتصرت وأن الاساتذة بعد شهور من النضال المستمر رضوا بمطلب بسيط، وتخلوا عن الغاء المرسومين والدفاع من المدرسة العمومية؟

في الحقيقة، بقليل من الموضوعية، فالنضال من أجل الغاء المرسومين والدفاع عن المدرسة العمومية ليست من مهام الاساتذة المتدربين، بل هو مهام الهيئات السياسية والنقابية ومهام الحراك الشعبي والجماهيري، فالمرسومان لم يكونا مجرد تقنين لعملية الولوج الى مراكز التكوين والتخرج منها، بل كانا اساسا يستهدفان التعليم العمومي من خلال حرمانه من عدد من الاساتذة الذين سيتلقون تكوينهم في مراكز التكوين التابعة للدولة اي التي يتم تسييرها بميزانية الدولة التي تأتي من جيوب المواطنين، هذه المراكز ستكون من الان فصاعدا رهن اشارة المستمثرين الخواص في قطاع التعليم.

بشرح مبسط، ففصل التكوين عن التوظيف يعني صرف الدولة لميزانية من المال العام على تكوين دفعة من الاساتذة واهداءهم الى المستثمرين في قطاع التعليم الخصوصي، هؤلاء المستثمرين أنفسهم سيشغلون هؤلاء الاساتذة بثمن بخس، لكنهم في المقابل سيستخلصون مبالغ باهظة من المواطنين لتسجيل ابناءهم في هذه المدارس، يعني المواطن سيؤدي ميزانية تكوين هؤلاء الاساتذة وسيؤدي أيضاً اثمانا مرتفعة لاباطرة التعليم الخصوصي لتسجيل ابنائه.

في تقديرنا، فإن الاساتذة تعاملوا بذكاء مع الشعار الذي أطّر معركتهم، لكن للأسف القوى المفترض فيها أن تتلقف هذا الذكاء لم تفعل، بل ظلّت تتفرج وتقدم الدعم الكلامي والاستنكار اللفظي، لم تُقْدِم على مبادرات جديّة تروم الدفاع عن المدرسة العمومية عبر مدخل الغاء المرسومين الذي أطر نضالات الاساتذة المتدربين، بل كان الجميع يتفرج وينتظر مآل هذه المعركة، وكل واحد اتخذ موقعه المناسب على مدرجات الجمهور، ثمة من كان يشجع بحماس فأخذ المكان المناسب له وثمة من كان يتابع من بعيد فأخذ هو ايضا الموقع الملائم.

بعد خمسة أشهر من معركة نضالية وازنة، وسط صمت من المجتمع المغربي ومن هيئاته السياسية والنقابية،  وبعد أيام من الغاء المسيرة الوطنية للنقابات، يحق للاساتذة ان يبحثوا عن ادنى الحلول التي تلبي ملطبهم الوجودي، ليس مطلوبا من الاساتذة ان يكونوا كوموندو “كاميكازي” فداءً لمطلب المدرسة العمومية، هم قدموا كل ما يملكونه من أجل هذا المطلب، لكن للاسف نحن من تخلفنا واستحلينا كراسي المتفرجين.
إن المنطق السياسي السليم يقول أن الدفاع عن مجانية التعليم والمدرسة العمومية هي من مهام الهيئات السياسية والنقابية، نعم كان للاساتذة المتدربون فضل نقل هذا الشعار الى التداول العمومي عندما جعلوه عنوانا لمعركتهم، لكنه من الضيم أن نآخذهم بكونهم تنازلوا عليه، إن كل من يقول أن الاساتذة تنازلوا عن مطلب الدفاع عن المدرسة العمومية هو في حقيقة الامر يحاول مداراة تنازله هو وفشله هو في التقاط الرسالة التي أرسلتها نضالات الاساتذة، الاساتذة قاموا بالواجب اللازم في هذا الملف لكن نحن من تخلفنا عن القيام بواجبنا، نحن كصحافيين وكمواطنين وكمناضلين وهيئات سياسية ونقابية، اللوم موجه لنا وليس للاساتذة المتدربين..

لنتأمل هذه المشهد الذي يقول كل شيء ويفضح جبننا وتخلفنا عن القيام بالواجب تجاه الوطن والدفاع عن سيادته، يقول المشهد أن الحوارات التي كان يجريها الاساتذة المتدربون مع الحكومة والدولة كان يحضرها طرفان اخران هما: ممثلي النقابات وممثلي مبادرة المجتمع المدني، وهنا يُطرح السؤال العريض: ما محلّ حضور هاذين الطرفين في الحوار؟

طبعا سيقول قائل أن هؤلاء كان حضورهما من موقع الغيرة وبحثا عن حل لملف تَشابَكَ وتَشاكَل، ومهام هؤلاء هي تقريب وجهات النظر بين الطرفين المتحاورين الاساسين، والمساعدة على اقتراح حلول ترضي الطرفين لا غير، لكن أليس هذه الصيغة المشبعة بحسن النوايا والمساعي الحميدة، تُخفي واقعا مؤلما تطبعه الانتظارية القاتلة وروح الانهزام. اذا اتفقنا ان الشعار الذي اطرّ نضالات الاساتذة المتدربين هو اسقاط المرسومين والدفاع عن المدرسة العمومية فما محل المساعي الحميدة وتقريب وجهات النظر هنا؟ ثم أليس هذه النقابات وأصحاب المبادرة الذين دخلوا من بوابة اصحاب المساعي الحميدة أليسوا هم أيضا معنيون بالدفاع عن المدرسة العمومي أي معنيون باسقاط المرسومين؟ فكيف هم المعنيون دخلوا كوسيط، ثم بعد ذلك نأتي لنلوم الاساتذة بكونهم تنازلوا عن المطلب الاساس؟؟
أليس مكان النقابات والفعاليات المدنية هو التواجد في صلب معركة اسقاط المرسومين والدفاع عن المدرسة العمومية وليس الجلوس بين الحكومة والاساتذة كوسيط واصحاب المساعي الحميدة؟ أليس واجب هؤلاء كان هو التحرك الميداني والنضالي من أجل دعم الاساتذة والانخراط في معركة الدفاع عن المدرسة العمومية عوض البحث عن القيام بدور القبعات الزرق؟ الحقيقة المرّة التي نريد اخفاءها جميعا هي أننا كلنا نتحمل مسؤولية عدم انجاح معركة الدفاع عن المدرسة العمومية، وبل اننا قمنا بالتخلف عن تلبية نداء الواجب النضالي والدفاع عن الوطن، حينما اخترنا موقف التفرج والمساعي الحميدة في معركة هي معركتنا جميعا.

إنها المعركة التي انهزمنا فيها جميعاً، وانهزم فيها الوطن، وانهزمت الحكومة امام مسؤولياتها التدبيرية، وحدهم مصاصي الدماء من انتصروا، وحدها تعليمات صندوق النقد الدولي من استأسدت وانتصرت علينا جميعا، وهاهي ترهن وطننا للخراب بعد تخريب أحدى مقومات الوطن؛ المدرسة العمومية.

الحكومة التي لم يخجل بعض المنافحين عنها في التبجح انها انتصرت، لم تنتصر إلا لرغبة مصاصي الدماء وما عدا ذلك انهزمت في كل شي في هذا الملف، الشيء الوحيد الذي لم يمسسه ادنى تغير هما المرسومين الذين تم تنزيلهما انصياعا لتعليمات صندوق النقد الدولي لمساعدة الدولة على التملص من التعليم العمومي، اما باقي الامور التدبيرية لم تكن تعني شيئا للحكومة، وإلا كيف سيتم تدبير هذا الاختلال الكبير ما دام الاساتذة سيلتحقون بالعمل خلال شهر يناير، بينما الموسم الدراسي ينطلق في شهر شتنبر، ماذا سيكون مصير الالاف من التلاميذ من ابناء هذا الشعب الذي يفترض ان يكون هؤلاء اساتذتهم خلال الموسم الدراسي المقبل؟ هل سينتظرون التحاق اساتذتهم في شهر يناير؟ ما مصير الدورة الاولى هل سيحرم منها هؤلاء التلاميذ ام ما هو الحل الذي تقترحه الحكومة؟
ثمة اختلالات مهولة ستصيب شظاياه ابناء الشعب المغربي المتوجهين الى التعليم العمومي خلال الموسم الدراسي المقبل ستنضاف الى النزيف القاتل الذي وصل اليه واقع التعليم العمومي حاليا، لكن يبدو ان الحكومة والدولة لم تهتم لهذا، إنها كانت حريصة  على شيء واحد فقط هو عدم المساس بالمرسومين المشؤومين، أما مصير آلاف التلاميذ من ابناء هذا الشعب فليس مهما. فكيف لا تخجل هذه الحكومة من أن تشعر بالانتصار في هذا الملف رغم أن الحل كان وبالا على تدبير قطاع التعليم، هل الانتصار هو النجاح في تنفيذ تعليمات صندوق النقد الدولي والحلف بأغلظ الايمان بعدم التراجع عنها؟

شكرا لالاف الاساتذة المتدربين الذين وضعوننا عرايا أمام واقع الانتظارية القاتلة وتفشي روح الانهزامية، شكرا لأنكم قمتم بالواجب كما يجب، لكنّكم لم تلقوا منّا غير التجاهل، وفي أحسن الاحوال التعبير عن مشاعرنا الجياشة وابداء حسن النوايا تجاه معركتكم التي هي في الأصل معركتنا جميعا…فاعذروا جبننا وتخلفنا عن واجبنا، سيشهد التاريخ أنكم نبّهتم وصرختم بأعلى اصواتكم، لكننا للأسف لم نتزحزح قيد انملة عن مقاعد المتفرجين على نزيف الوطن..

4 تعليقات
  1. يوسف يقول

    هؤلاء الدين يدعون أنهم أساتدة الغد ليسوا الى كومة كسالى ارتهنوا في أحضان العناد للتوضيف و لا شيء سوى التوضيف . فأنا شخصيا لم اكن يوما اناصرهم و لم اضرب ابدا يقينا مني ان هؤلاء لا يستحقون دلك . أما عن سؤال التلاميد و مصيرهم أقول لك : فاقد الشيء لا يعطيه . الكسول لن يعلم شيئا . و ها أنا انتصرت لتحيزي لموقف الاخوان المسلمين بالمغرب رغم ضراوة كيدهم .

  2. حسن يقول

    مقال يستحق التنويه
    لي ملاحظة تتعلق بالهيئات السياسية أو غيرها التي لم تناصرهم ولم تتحمل مسؤوليتها في الموضوع، أظن أنه من الإنصاف أن نشير إلى التضامن اللامشروط الذي أبدته العدل والإحسان ونالت جراءه سيلا من التهم والتحريض.
    تحياتي

  3. امين يقول

    يوسف اتق الله فانك ملاقيه حتما …انا استاذ متدرب وسأطالب بحقي منك يوم البعث فاحذر…

  4. أستاذ متدرب يقول

    إسقاط المرسومين مهمة شعب بأكمله و ليست مهمة ملحة ملقاة على عاتق الأساتذة المتدربين و لكي نكون منصفين تماشيا و آخر المستجدات بتاريخ 20 أبريل 2016 فالمرسومين سوف يطرحان على طاولة النقاش العمومي و دمت للموضوعية و الحياد أوفياء،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.