اليومي المغربي وعلاقاته بفرملة التطور المجتمعي المأمول.

    لقلما نمنح سلوكات ما، أفعالا ما، خطابات ما، مفردات ما، أشياء ما، عوامل ما، ظواهر ما، أهمية ما للتأمل والنظر، ولعمليات قراءتها وتعقلها ونقدها والتفكير فيها، وتبصرها، في حين أنها تكون بمثابة الأرضية الصلبة لحياتنا الخاصة والعامة معا، وتشكل البنيات المرئية والخفية كمحددات لواقعنا المعاش بتجلياته في كل معطياته ومجالاته عامة، سياسيا، ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا، فكريا، وحضاريا، إنها تختزل في ما يصطلح عليه ب ” اليومي ” . هذا اليومي، هو كل الأشياء والأشخاص، والعلاقات والوقائع والأحداث، الوعي واللاوعي، الشعور واللاشعور، الجيد والتافه، النافع والضار، المادي والمعنوي، الزمن والمكان، الانطباعات والأفكار، الأحاسيس والعواطف، قيم الفضيلة والرذيلة، المعرفة والثقافة والفكر، العقلاني وغير العقلاني، المعقول واللامعقول الغامض والواضح، قيم الجمال والقبح، التقنية والعلم، الأصيل والوافد،الأساسي والفرعي،الثانوي والعرضي، الحركة والسكون، الوجدانيات والروحانيات، العادة والألفة والاعتياد، التنوع والاختلاف، الخارجي والجواني، القلاقل والصراعات والحروب والسلم، , …. إنه ذلك الكم الهائل اللامحدود من المعطيات والظواهر المرئية والخفية، وذلك المعاش الزئبقي في كل إحداثياته وتجلياته، والمجال الأكثر شساعة ورحابة لكل ما يعاش يوميا .    يبدو “اليومي” في دلالته العلمية المبنية كمفهوم يشير إلى مجال هو مجال الحياة اليومية، هذا المجال الذي لا يمكن اختصاره في تعاقب زمني للحظات مختلفة (صبح، ظهيرة، عشية، مساء)، ولا في مجرد انتقال الإنسان من العمل إلى تلبية الحاجات الحيوية، إلى “راحة” واستكانة”. كما لا يمكن رده إلى ما يتم تكراره يوميا أو أسبوعيا، أو شهريا…الخ، ذلك أن مجال الحياة اليومية مجال جد شاسع لأنه يشمل كل جوانب المعاش يوميا في كل أبعاده الإنتاجية والسياسية والنقابية والثقافية والترفيهية… ويمتد ليشمل التافه والعادي… في السلوك اليومي والذي قد تكون له قيمة أساسية في تفسير وفهم العديد من الظواهر ( 1).

    لقد شكل مجال الحياة اليومية بؤرة عصية لدى بعض الباحثين والفلاسفة، فجاء الاهتمام به ضمن ما يصطلح علية بسوسولوجيا الحياة اليومية، وصمن اهتمام أخر من جانب علم النفس الاجتماعي، إذن، كيف يمكننا بحث اليومي المغربي من خلال ما سبق تسطيره قبلا ؟ وما علاقة الواقع المعاش باليومي المغربي ؟ هل اليومي المغربي يشجع على إمكانيات التفكير والتعقل والتبصر والنقد أم أنه يرهن إنسانه في حلقات الجهل والتجاهل والأميات بمختلف دلالاتها ؟ هل اليومي المغربي يساعد على تجاوز أحزمة الفقر والبؤس ؟ وهل اليومي المغربي يفسح المجال لوعي الإنسان المغربي بتجاوز الفساد والاستبداد والتحكم وثقافة الديماغوجية والتضليل والاستلابات المتعددة وغير ذلك من وضعيات الارتهان في حلبة السياسي والأيديولوجي الرسمية الخانقة لكل نفس ولكل حلم في الانعتاق من بؤر التخلف والرجعيات ومن كماشة الإقطاع والبورجوازية الفيودالية ؟ وهل بوسعنا أن نتساءل عن كون يومنا المغربي يعقل القضايا والإشكاليات الجوهرية والأساسية بمفاهيم علمية ونقدية وعقلانية لتحقيق المتطلبات والأساسيات والضروريات لحياة كريمة وفاضلة وتطورات ممكنة تجعل منه إنسانا فاعلا ولا مفعول به وفيه ، أم أنه يشتغل على الترهات من المعطيات، وعلى ما هو عرضي وثانوي وجزئي والفارغ من كل مضمون هادف ، ليبقى في رحلاته عبر الزمان والمكان يلوك الاجترار والتكرار والعادة والاعتياد والتقليد، والخمول والكسل والرضى بما هو موجود وبكل ما هو معطى متحكم فيه من لدن الماسكين بمصائر واقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفكري والأيديولوجي والإعلامي ؟ . إنها أسئلة وأخرى يمكن طرحها على لسان كل مهتم وبلغة مفاهيمية أجدر مما تساءلنا عنه  في علاقتنا بيومنا المغربي هذا، إنها الأسئلة التي تحفر وتسائل الفكر السائد في كل تفاصيله وعمومياته، وفي أدق إحداثياته ومحدداته  وظواهره .

    إن اليومي المغربي يفرض سلطاته المتعددة التي تعمل على كبح كل تفكير حر وطليق، لريهن الإنسان الجماهيري المغربي في ظلمات وغياهب اللاوعي واللاتفكير، والتسليم  بحقائق ومعطيات كل ما هو سائد من دون إعمال آليات التعقل والنقد وإعادة النظر وإخضاعه لمنطق المعرفة العلمية الملموسة، هكذا يسلم بجاهزية المعرفة المعطاة والمقولبة بحسب الأيديولوجية الرسمية وبمعية من يعمل في دوائرها والمرتمية في أحضانها وفقا لعلاقاتها المتشابكة في توزيع الخدمات والأدوار والمصالح، ليصبح هذا الواقع المغربي بيوميه مسرحا للفاعلين العاملين على كتابة سيناريوهات كل فصوله والمخرجين لأحداثه وأبطاله في نفس الآن، أما ما تبقى من الأدوار يبقى من نصيب المفعول به ، وهو الإنسان المغربي المهمش والفقير والكادح والمغفل والجاهل والخادم والمسلوب والمعتوه والتابع … ،  لذا يجب إخضاع هذا اليومي المغربي لآليات البحث العلمي والنقدي لفضح سلطاته،وفضح عنفه المادي والرمزي المسلط عليه، وإعادة بنائه من جديد عبر الحفر في أسسه المتحكمة والمسيطرة على مقاود  مساراته ومشاهده وظواهره على اختلاف مستوياتها، ومن ثمة تحرير نفسه من كل القيود والاكراهات المادية والرمزية التي تكبح حركاته وإراداته نحو الحرية والعدالة والمساواة والأحلام والطموحات التاريخية والحضارية، والحسم مع كل أشكال المعارف ذات الطابع الدوغمائي والوثوقي ، والتي تعوق كل إمكانية للوعي الشمولي بالواقع، وكل بلورة للفكر الحر والنقد البناء، والقضاء بالتالي على دوغمائية الجاهز وعقبة اللامفكر فيه وغير المسموح به لتأمله وإعادة النظر فيه وتركيبه من جديد بناء على قواعد المنطق والعقل .

    ” العادة تلبس ثوبا من حديد ” ، اليومي المغربي يخلق ألفته الخاصة به، يسجن إنسانه في خاناته المنمطة بطقوس خاصة، بحكم العادة والاعتياد والتكرار والاجترار، ” مع انغراس العادة في الفعل اليومي يصبح الوعي امتيازا والتذكر معاودة والتعلق انشدادا أليفا والزمن انحباسا واستقرارا والذاكرة فضاء للتمثيل … تستقي العادة قوتها وقدرتها على الانغراس والتجذر في أعضاء الجسد الرمزية، بفعل آلية التكرار المتكرر والذي يحجب الصلة الأصلية الأصيلة بالأشياء والكائنات، مثلما يغلفها بطبقات النسيان لدرجة تفقد معها هاته الصلة الأولى والأصيلة وجودها وأمارتها ,” ( 2 ) ،بحكم هذا التملك السلطوي الذي تحوزه العادة بكل مقوماتها تصبح هي الزاوية الوحيدة للنظر، ” في ظل وضع مماثل تهيمن العادة على جميع زوايا النظر، بل تصبح زاوية النظر الكبرى التي تسحب مقوماتها وآلياتها على جميع كيفيات الوجود الأخرى، بل تخضعها لعدتها الطقوسية وتجعل من هاته العادة حرما قدسيا لا يمكن انتهاكه، وإن حصل فسيكون انتهاكا لمجموع الوجود الذاتي ,” ( 3) , فالعادة بعدتها الطقوسية تشكل نظاما شرعيا موجها لكل السلوكات والأفعال ومنغلقا في نفس الآن، لا يترك مجالا لهامش الحرية ولا التصرف خارجه، ” لكن لأن الحياة ليست مستقرة إلى هذا الحد، أو ثابتة وهادئة بهذا الشكل، فإن الثقة الشاملة في العالم التي تخلقها العادة تتعرض في أكثر من مرة لاهتزازات عنيفة تضع الذات أمام سؤال حقيقة صلتها بالأشياء والموضوعات والكائنات ” (4) , ليصبح التساؤل مشروعا من وجهة نظر عقل الدهشة والاندهاش والمعرفة الواعية باليومي المغربي، كيف يمكننا مسائلته و إعادة النظر فيه والكشف عن خلفياته المتحكمة فيه والعمل على الانفكاك من سلطات العادة التي تقاوم حصول المعرفة والوعي به ؟ .

    إن اليومي المغربي بعدته الطقوسية السائدة والمتعددة في كل مجالات الحياة الاجتماعية المغربية يحجب كل إمكانية لتعقله ووعيه لتجاوزه، بحكم التحكم الممنهج من قبل القيمين على تركيب الرسائل المشفرة المرسلة، والتي تخلق انشدادا وتعلقا بكل صور ورموز وخطابات الأجهزة الرسمية، والتي باتت أيقونات مقدسة وغير قابلة للإزاحة من ساحة التصورات الجماهيرية، وكأنها الوحيدة في إمكانية الوجود الممكن، وهو ما سمح لها بالانغراس في شعور ولاشعور الإنسان المغربي، مما يسهل تصريف كل ما هو رسمي وما يكرسه في السلوكات والممارسات في العلاقات الاجتماعية البينية سواء بين الأفراد ببعضهم البعض أو بين الجماعات والمؤسسات بكافة صورها .

    وأخيرا، إلى متى سيبقى اليومي المغربي الفج بصوره ومشاهده وأنماطه وأشيائه وكائناته جاثما على صدر الإنسان المغربي، وخانقا لكل دعوة للتغيير، متحكما في كل مساراته ومجالاته، باترا لكل فسحة وجود مشرفة، مهمشا لكل إمكانية تفكير جاد وصائب ونقد عقلاني لما هو سائد، مغيبا لكل وعي بالقضايا الجوهرية والأساسية في الوجود الكريم، مشبعا إلى حد التخمة بالترهات والرداءات وكل أشكال الزيف والتزييف والتغليط والغموض، والنفاق والتعالي على واقع مأزوم بخطابات وممارسات لا تسمح بتكوين الرؤية الواضحة، بالتسويف والتمويه والتعتيم، بالتجزيء والتشظي ليغدو هذا الإنسان شظايا متناثرة هنا وهناك، والشتات والعبثية، وغياب كل ذرات التعقل والوعي والإدراك لدى السواد الأعظم من الجماهير المغربية، إلى متى ، إلى متى، إلى متى ؟ .

    المراجع

– 1- عبد السلام ديرار ، على الرابط :

                     http://www.alfalsafa.com/alghayr%20maalouf.html

–         2- نورالدين الزاهي ، الاتحاد الاشتراكي ،الجمعة 24 أبريل 2006،فكر وإبداع، العدد 8221

–         3  – نفس المصدر

–         -4 – نفس المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.