اليسار في “جهل” بوعشرين

بمناسبة الكشف عن لائحة السفراء الجدد، والتي حملت بعض الاسماء التي كانت تنشط في اليسار السبعيني أو اليسار الطلابي (القاعديين)، انبرى الصحافي توفيق بوعشرين إلى جلد اليسار، منطلقا من نافذة الاسماء التي حملتها لائحة السفراء الجدد، ليصب جام نقده على اليسارين واليسار، واندفع أحيانا في مقاله إلى التغليط واعتماد حقائق تاريخية مغلوطة، عن اليسار وعن مواقفه من بعض القضايا.

بدا توفيق في مقاله وكأنه يستعجل الوصول الى خلاصة تسكن ذهنه، مفادها أن اليسار فشل في كلّ طروحاته وأضحى الان إما :يستجدي الليبرالية ويعتمدها في تنقيح مراجعاته ليتكيف مع الوضع، أو أنه أضحى ورقة في أيدي الأنظمة الاستبدادية توظفه ضد الاسلامين. بيد أن خفة بوعشرين جعلت خلاصته المشتهاة تبدو واضحة للوهلة الأولى حيث استهل مقاله بمقدمات أغلبها مغلوطة، لينتقل في القسم الثاني لمقاله ليخصصه للبام بوصفه نموذج لمأوى اليسار الفاشل واليساريين المنهزمين.

من حق بوعشرين أن ينخرط في لعبة التموقعات، ويكتب مهاجما هذا أو منافحاً عن ذاك، غير أن نشر الجهل والمغالطات في مقاله ليعبّد الطريق للخلاصة التي ظل يستعجلها منذ شرع في بداية المقال، فذاك ليس من شيم الصحافي الذي يفترض فيه أن يحوز حدّ أدنى من  احترام عقول القراء، وعدم اللجوء الى الكذب على الافكار والتاريخ من أجل أن يقرّر خلاصة يشتهيها.

من حق بوعشرين أن “يقلي السم” لليساريين السفراء، ومن حقه أن يسخر ممن كان على يسار اليسار والان أضحى على يمين المخزن، لكن ليس من حقه أن يسحب ذلك على تاريخ وأفكار اليسار، لسببين اثنين: اولا؛ لأنه ليس مؤهلاً لنقاش افكار اليسار وتاريخه، بسبب الخصاص المهول للمعطيات لديه حول الموضوع كما بدا في مقاله، اذ يبدو أن مجمل معطياته عن اليسار وتاريخه استمدها من قراءته لبعض ادبيات اليسار المغربي وبعض المقالات الصحافية حول الموضوع، وهذا زاد معرفي لا يخول له نقاش تاريخ اليسار إلاّ إذا اراد أن يتصرف تصرف حطّاب الليل؛ يجمع كل شيء في قبضة واحدة وهو يظن أنه يحطب، وهذا ما حدث لبوعشرين في مقاله كما سيأتي بعد قليل. ثانيا؛ ليس من الموضوعي أن نقيّم افكار وتاريخ منظومة دينية او سياسية او ايديولوجية انطلاقا من تقييم المنتسبين إليها، وإلا لسقطنا في مطبات نحن في غنى عنها؛ فلا يصح مثلا أن نقيم الاسلام بما فعله البغدادي او بنلادن او الحجاج بن يوسف الثقفي. ولأن الموضوعية عملة نادرة في “سوق” الصحافة، كان أحرى ببوعشرين أن يظل يلهو ويلعب ويظهر ويختفي في حدود الاشخاص و”السياسات الصغرى” التي تنتجها احزاب وسياسيو ضيعة المخزن، عوض أن يطوح بقلمه ليقوم بدورة بهلوانية بدءاً من لينين مرورا ب”الشيوعية الاوربية” والصراع السوفياتي الصيني، ولاهوت التحرير، والديموقراطية الاجتماعية.. ليصل اخيراً الى بنشماش والرويسي وعابد الشكايل البامي المتزوج من امرأتين؟؟

لن نناقش بوعشرين في ما تضمنه مقاله من مضامين ورسائل متعلقة ب”السياسات الصغرى”، ذاك شأنه منه إلى خصومه، لكن يهمنا أن نشير ونناقش المعطيات المغلوطة التي تضمنها مقاله، وهذا بيان ذلك:

موقف لينين من الدين:

يقول بوعشرين في مقاله :”إن لينين جعل من الإلحاد دين الدولة الرسمي لما نجح في ثورة 1917″ وهذا كذب بواح، وجهل فاضح لتاريخ الثورة البولشفية، إذا أن لينين كما تُجمع أغلب المصادر، كان له موقف حساس من الالحاد، بل عُرف بالحاحه المستميت على شعار “لا يجب أن نعلن  الحادنا في برنامجنا” ليس تقيّة ولا مرواغة للشعب المؤمن، بل لينين لا يكف يعلن أنه ملحد، لكنه يركز أن الحاده جدلي، ليس ميكانيكي، كما كان يفعل بعض المتياسرين الواقفين على يساره، و كما فعل انصار المادية الالحادية من قبيل الفيلسوف الألماني”فيورباخ” واخرون الذين كان يآخذهم لينين ومعلمه فريدريك انجلز على تبنيهم موقف “الحرب على الدين”، وكان لينين يحبذ وصف انجلز الذي اطلقه على البلانكين بعد كمونة باريس حين انتقلوا الى شن الحرب على الدين؛ كان يصفهم انجلز ب”تحفة من الغباوة” وهكذا ظل لينين ينعت كل من يدعو الى محاربة الدين من رفاقه ومعارضيه.

كما يستشهد لينين بمقولة معروفة لانجلز من كتابه “انتي دوهرينغ” يقول فيها:” اعلان الحرب على الدين هو اعادة انتاج بيسمارك”، ويوضح موقفه قائلا “لايمكن لمكافحة الدين ان تقتصر على التبشير الايديولوجى المجرد، ولايجب ان تختزل الى تبشير كهذا. فهى يجب ان ترتبط بالممارسة العينية لحركة الطبقة، التى تهدف للقضاء على الجذور الاجتماعية للدين” (مختارات لينين).

هذه بعض المداخل النظرية لدحض ادعاء بوعشرين حول اعلان لينين الالحاد الدين الرسمي للدولة بعد نجاح الثورة، وقبل ان نفرغ من التذكير بهذه المواقف الفلسفية والسياسية التي تؤطر وتوجه موقف لينين من الدين، لنستمع له يوجه ملاحظة غاية في الاهمية الى اعضاء حزبه حول امكانية قبول انضمام مؤمنين الى الحزب، يقول لينين :”اذا ما اتانا كاهن ليشترك فى عملنا السياسي العام على استعداد لأن ينجز بضمير حى الواجبات الحزبية، دون ان يعارض برنامج الحزب، يسمح له بالانضمام لصفوف الاشتراكيين الديموقراطيين، لأن التناقض بين روح ومبادئ برنامجنا والمعتقدات الدينية للكاهن ستكون فى هذه الظروف امرا يعنيه وحده ، وهو تناقضه الخاص، ولايمكن لمنظمة حزبية ان تختبر اعضاءها لترى مااذا لم يكن هناك تناقض بين نظراتهم وبرنامج الحزب” (مختارات لينين).

هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية التاريخية لتكذيب ادعاء بوعشرين يمكن الاشارة الى ما يأتي: يذكر التاريخ أن بعد نجاح الثورة البولشفية اقدمت الدولة السوفياتية الفتية على اتخاذ قرارات ثورية تهم عدة قطاعات، من بين الامور اللافتة التي أقدمت عليها الثورة البولشفية هي اعادة الاراضي الى مسلمي جمهوريات القوقاز التي كان سيطر عليها المستوطنون الروس دعما من الكنيسة الارثودكسية و أُعيدت الكتب الإسلامية المقدسة التي نهبتها القيصرية إلى المساجد.كما تم تسليم القرآن الكريم المعروف بقرآن عثمان في احتفال مهيب إلى المجلس الإسلامي في بتروجراد في 25 ديسمبر سنة 1917. اي بعد شهرين من نجاح الثورة، و أُعلن يوم الجمعة، يوم الاحتفال الديني بالنسبة للمسلمين، ويوم الأجازة الرسمية في كل آسيا الوسطى. وتوجه لينين بعد اربعة اسابيع من نجاح الثورة الى المسلمين بنداء جاء فيه:”أيها المسلمون بروسيا و سيبيريا و تركمنستان و القوقاز … يا أيها الذين هدم القياصرة مساجدهم، و عبث الطغاة بمعتقداتهم و عاداتهم. ان معتقداتكم و عاداتكم و مؤسساتكم القومية و الثقافية اصبحت اليوم حرة مقدسة. نظمو حياتكم القومية بكامل الحرية و بدون قيد، فهي حق لكم. و اعلموا ان الثورة العظيمة و سوفياتات النواب و العمال و الجنود و الفلاحيين تحمي حقوقكم و حقوق جميع شعوب روسيا.”

هذا هو لينين الذي اتهمه بوعشرين عن جهل انه اعلن الالحاد دين الدولة الرسمي؟؟ ربما اختلط الامر عليه بين لينين وستالين، فالذي سيحدث من بعد، اصدر ستالين مرسوماً اسماه “الحق في الالحاد” بموجبه تمت ممارسة التضييق على المتدينين والمؤمنين، بيد أن التضييق في عهد ستالين لم يعان منه المتدينون فقط، بل حتى رفاقه في الحزب الذين اعدم العشرات منهم، ليس انصياعا لتعاليم الماركسية بل انصياعاً لنزواته الديكتاتورية، كما حدث لكل طغاة التاريخ الذين كانوا منهم ليبرالين ويساريين ومسلمين وو…

الديموقراطية الاجتماعية في عرف بوعشرين
من الاخطاء الساذجة التي روجها بوعشرين في مقاله قوله أن الديموقراطية الاجتماعية جاءت بفضل مراجعة الشيوعيين الاوربين لمواقفهم من “ديكتاتورية البروليتاريا” بعد ان نأوا بأنفسهم عن الصراع السوفياتي الصيني، وهذا خطأ، فأحزاب الديموقراطية الاجتماعية والاشتراكية الاوربية لم تكن وليدة مراجعات حدثت في الستينات ولا السبعينات، بل هو تيار تشكل بداية القرن العشرين حيث كان لينين ما زال حيا، وكانت طروحات هؤلاء هي من حازت الأغلبية في الاممية الثانية، فاضطر لينين ورفاقه الى قطع الصلة معهم وتم تأسيس الاممية الثالثة، في حين ظلت الاممية الثانية، او الاممية الاشتراكية كما تسمى في بعض الادبيات قائمة منذ ذلك الوقت الى غاية اليوم، وهي الاممية التي ينخرط فيها من المغرب حزب الاتحاد الاشتراكي. اذن الديموقراطية الاشتراكية لم تأت على انقاض مراجعات اليسار الاوربي، بل كانت تيارا متواجدا في الساحة الاوربية منذ بداية القرن العشرين، حيث كان الموقف من الحربية العالمية النقطة التي افاضت الكأس وتم الطلاق بينها وبين الاحزاب التي انضمت الى الاممية الثالثة والتي ستسمى لاحقا بالاحزاب الشيوعية.

إن كره بوعشرين لليسار جعله لا ير منه إلا ما تمجّه الاذن: العداء للدين، مراجعات ليبرالية، البام، الياس العماري، خديجة الرويسي… هذا هو اليسار في عرف بوعشرين، لكنه لم ينتبه ولم يتوقف للحظة للحديث عن يسار قادم، يسار بدأ يشكل معادلات صعبة ومباغتة للساسة الاوربيين ولدوائر المال العالمي، يسار “بوديموس” و”سيريزا” واخرون باتوا يشكلون ارقاما صعبة في المعادلات السياسية.
لك يا سيد بوعشرين أن تناوش خصومك واصدقائك من اليسارين السابقين داخل شلة المخزن والمنضون انت وهم تحت اطار “السياسات الصغرى”، ولك ان تغمز وتلمز، لكن هيهات من التطاول على التاريخ والافكار والقيم.

3 تعليقات
  1. متتبع يقول

    بوعشرين يتصرف بمنطق اللهم انصر من انتصر :هو يريد الإعلانات والإشهارات الحكومية وليس إلا

  2. خالد يقول

    كان بوعشرين يرتبط بطلبة العدل والإحسان عندما كان طالبا. ومع الحكومة الحالية اصبح يجاملها، ولهذا ليس بغريب أن يوجه مقاله إلى يساريي البام تزلفا لحزب العدالة والتنمية، وسعيا إلى استدامة صنبور الإشهار والإعلان.

  3. احبيق يقول

    بوعشرين هذا من طينة صحافيي الكراسي ليس الا / ثقافته ومستواه المعرفي والتحليلي والتركيبي لا يؤهله لخوض الحديث بشكل علمي واكاديمي عن موضوع اليسار اساسا / اغلب المتحاملين على اليسار لم يعرفوا تاريخ اليسار ولا حتى ادبياته ولا مرجعياته / بل الظروف السياسية والاجتماعية السائدة بالمغرب زمن الحرب الباردة بين القطبين وتطلعات اليسار الى التغيير بالمقابل كان اعداء اليسار من مخزن بآلياته من المقدم والفقيه والتيارات المخالف تنسج افكار ومقولات وتصورات كذبا عن اليسار لتمييعه / مما اذى الى حقد لذى غالبية الناس من مريدي المخزن والمال الى ترويج افكار مغلوطة عن اليسار خاصة الجانب الدينبي باعتباره حساس في مجتمع زراعي بدوي /
    وبوعشرين لم يتخلص من الصورة المرسومة عن اليسار دون تكليف نفسه عناء البحث غير البحث في عوراة الناس بعد اخذ اموالهم وممتلكاتهم / كما ان همه الحقيقي هو الاغتناء بكل الطرق والتنكر على اهل الفضل عليه الذين اوجدوه في الساحة الاعلامية بعد ان كان نكرة لا يقوى على تحرير فكرة او معطى / واليوم يعمل ساعي بريد لكمن يدفع اكثر / الا انه اتجه خطا حين فكر في نقاش اليسار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.