اليسار بين المخزن و الإسلاميين

أثار الهجوم غير المسبوق و على جميع المستويات ( الأخلاقي، الجنائي، المالي …) الذي يتعرض له حزب العدالة و التنمية مؤخرا، نقاشا عموميا مهما في الساحة السياسية يحتاج إلى إغنائه و تعميقه. و سأكتفي في هذا المقال الصحفي غير الأكاديمي بالوقوف بشكل جد ملخص عند موقف بعض اليساريين ( المحدالي، تدموري، البكاري ) من حزب العدالة و التنمية خاصة و من الإسلام السياسي عامة من جهة ، و موقفهم من المخزن – الذي يقود هذا الهجوم – من جهة أخرى؛ و ذلك من خلال رصد أطروحة كل واحد منهم في الإجابة عن هذا الإشكال الناتج عن المفارقة التي تطرحها واقعة الهجوم هذه، و الذي يمكن صياغته كما يلي : كيف نفسر هذه الهجمة الشرسة التي يشنها المخزن مؤخرا ( أقصد بالمخزن دائما المركب المصالحي الذي يحتكر السلطة و الثروة و الذي يشكل القصر جزءا منه) على حزب العدالة و التنمية، خاصة إذا علمنا أن الخدمات “الجليلة” التي قدمها هذا الحزب و مازال يقدمها للمخزن لا يستطيع أي حزب آخر القيام بها ؟ ثم ما هو الموقف السليم الذي يفترض أن يتخذه اليسار تجاه ذلك ؟ بصيغة أخرى أيهما أخطر : المخزن أم الإسلام السياسي عامة ؟
تبدو مواقف اليساريين جد متباينة في التفاعل مع هذه الواقعة خاصة، وفي التموقف من تيار الإسلام السياسي عامة.
فالأستاذ جمال المحدالي في مقاله المعنون ” مساهمة في نقد الإسلام السياسي : حزب العدالة و التنمية نموذجا ” ( نشره موقع انوال بريس ) يعتبر أن هذا الإستهداف الذي يشتكي منه حزب العدالة و التنمية هو مجرد نفاق سياسي مكشوف يمتح من خطاب المظلومية الذي يتوسله دائما لاستدرار تعاطف أنصاره، و أن الحزب ماض في خدمة أجندة المخزن في الإجهاز على حقوق الشعب و مكتسابته بما يقوي حظوظه في الاستفادة من مختلف أنواع الريع في تناقض صريح ليس فقط مع برنامجه الانتخابي الذي لخصه في عبارة “محاربة الفساد و الاستبداد”، و إنما أيضا مع مرجعيته الدينية التي تتبنى شعار “الإسلام هو الحل”. و لتفسير هذا السلوك السياسي المنافق يعود المحدالي إلى تاريخ نشأة الإسلام السياسي في المغرب، و الأدوار الموكولة إليه في محاربة الفكر التنويري عامة و اليساري خاصة، وكذا الأسلوب الذي يتوسل به في فرض ذاته والقائم أساسا على العنف. وهو في تحليله يعتمد منهج الإستقراء و التعميم الذي يجعله يعتبر أن غالبية تيارات الإسلام السياسي – التي يشكل حزب العدالة و التنمية نموذجا معبرا عن حقيقتها (ينظر عنوان مقاله) -هي قوى محافظة مناهضة للتغيير و الثورة و حق الشعوب في الحرية و العدالة. لذلك فلا خير يرجى منها ، و لا فرق بينها و بين المخزن التي تكاد تكون جزءا منه. لذلك يدعو إلى ضرورة إبداع إسلام جديد متصالح مع العصر، إسلام زمن دولة الحق و القانون و حقوق الإنسان، إسلام الحرية لا الوصاية.
أما الأستاذ عبد الوهاب تدموري فيذهب أبعد مما سبق في مقال له بعنوان “في صعوبات الإنتقال إلى الديمقراطية” ( نشره موقع أنفاس بريس )، حيث يعتبر أن حركات الإسلام السياسي أخطر من المخزن ذاته، و أنها لا تخدمه فقط و إنما تهدد وجوده معتمدة أسلوب القضم التدريجي بما يمكنها من التحكم في مفاصل المجتمع أولا و الدولة ثانيا. لذلك فهو ينتقد هذا التحالف الهجين بين مايسميه الأصولية الدينية و الأصولية المخزنية الذي سيميل عاجلا أو آجلا لصالح الأولى ذات الارتباطات الخارجية بالحركتين الإخوانية و الوهابية (هاهنا يقيم مقارنة مهمة بين تحالف القصر مع الحركة الوطنية في الماضي، و تحالفه مع الإسلام السياسي في الحاضر). لذلك يخلص – بعد نقد ذاتي لليسار الذي يعتبره غارقا في انغلاقه و نرجسيته المفرطة – إلى اجتراح مشروع سياسي بديل لمواجهة الأصولية بشقيها كمسألة مبدئية يشكل فيه النضال على الواجهتين الثقافية و الإجتماعية بوابة للخروج من الانحصار الذي يعرفه المشروع الديمقراطي و الحداثي.
أما الأستاذ خالد البكاري فيعزف نغمة مختلفة عن سابقيه. ففي مقاله بعنوان “ديمقراطية محجبة ” (نشرته جريدة أخبار اليوم) يجيب فيه عن الإشكال المطروح من خلال رصد عناصر التوافق و التعارض بين حزب العدالة و التنمية من جهة و”السلطوية” (يوظف هذا المصطلح لوصف طبيعة الحكم في المغرب) من جهة أخرى. و هكذا يخلص في ما يخص الجانب الأول، أن الفعل السياسي عند حزب العدالة و التنمية ينهل من مرجعية تقليدية جدا تتمثل في الآداب السلطانية (يمكنكم لفهم المقصود مراجعة كتاب بهذا الإسم للأستاذ عز الدين العلام غير ب10 دراهم !) حيث تنحصر مهمة الفاعل السياسي في العمل بجانب السلطان إذا كان في الحكومة، أو تقديم النصح له إذا كان في المعارضة! (منطق الطاعة). أما في ما يخص الجانب الثاني المتعلق بما يتعارض فيه الطرفان، و الذي يفسر واقعة الهجمة التي أشرنا إليها في البداية؛ فيتمثل في كون الفعل السياسي للحزب يحد من سلطوية المخزن و حريته في الفعل في حدود معينة، إذ يفشل أحيانا المخططات التي يرسمها (كمثال دال على ذلك، تصدره للانتخابات الأخيرة رغم أنف المخزن الذي لم ينجح لحد الآن في هضم ما حصل رغم كل التنازلات التي قدمها الحزب !)، لذلك لا تخفي السلطوية و أجهزتها الضبطية و الإيديولوجية انزعاجها الشديد من هذا الحزب بسبب خطابه الديني الذي يزاحمها على هذا الرأسمال الرمزي الذي تريد احتكاره، و كذا من قوته التنظيمية و كتلته الإنتخابية و أذرعه الموازية. و ما يميز هذه المقاربة الأخيرة هو من جهة التركيز فقط على هذا الحزب دون تعميم ما يصدق عليه على باقي تيارات الإسلام السياسي المختلفة عنه، و من جهة أخرى -و هذا في نظري هام جدا- عدم التركيز في نقد الحزب على تصوره الإيديولوجي أو سلوكه السياسي فقط، و إنما استحضار طبيعة الفئات الإجتماعية التي تشكل نسيج الحزب (مقاربة أقرب الى التحليل الماركسي) و التي تنتمي في الغالب الى البورجوازية الصغيرة و المتوسطة مما يجعلها تسعى الى التغيير رغم المعيقات التي تحد من إمكانية التحول الديمقراطي.
على سبيل الختم : كان غرضي من خلال استحضار هذه المقاربات الثلاث (واحدة لا ترى فرقا بين المخزن و الإسلام السياسي، و أخرى تعتبر الثاني أخطر من الأول، و ثالثة تميز بين تيارات الإسلام السياسي وتراهن على بعضها و خاصة على قواعدها لانجاز التحول الديمقراطي المنشود؛ هو إبراز هذا الإختلاف بين اليساريين من جهة بصدد هذه القضية، لكن من جهة أخرى التأكيد على الحاجة الملحة لوجود اليسار، و حاجة هذا الأخير إلى القيم بنقد جذري أولا في علاقته بذاته للتخلص من جموده العقائدي و تورمه الإيديولوجي و ترهله الفكري بما يمكنه من اكتساب ثقافة الإختلاف و النسبية و التعاقد التي وحدها القادرة على إخراجه من التشتت و الإنقسامية التي يعيشها، و علاقته بمجتمعه قصد المصالحة مع تاريخه و لغاته و دينه للتخلص من الاغتراب الذي يعيشه، و علاقته بغيره من القوى السياسية التي ينبغي أن تقوم على أساس أولوية السياسي و الإقتصادي في الصراع على ما هو إيديولوجي لكي لا يساهم في تقاطب أفقي يكرس إنقسامية القوى المجتمعية التي لها مصلحة في التغيير، و يصبح – من حيث لا يحتسب – يؤدي أدوارا مخزنية بالنيابة من خلال مساعدة المخزن على تحجيم المد الإسلامي بدل الإنكباب على تقوية ذاته. في كلمة على اليسار أن يكون ديمقراطيا أولا – و هذا تمرين عسير – و أن يشتغل على بناء ذاته و تقويتها أكثر من انشغاله بمواجهة الآخرين.

رشيد الموساوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.