اليسار المغربي .. وسؤال الإنتخابات

انطلق العد العكسي للموسم الإنتخابي , ليجد اليسار نفسه قبيل موعدها أمام نقاش قديم/جديد حول خيار المشاركة أو المقاطعة . تاريخيا تأرجح موقف اليسار بين المشاركة و المقاطعة و عدم المشاركة . و يهدف هذا المقال الى مساءلة مواقف اليسار من الإنتخابات بدون جبة تنظيمية .

المقاطعة ليست هدفا بحد ذاتها , بل الية الهدف منها نزع الشرعية عن العملية الإنتخابية برمتها على اعتبار أنها مغشوشة و تنظم في شروط غير ديمقراطية ….أو الضغط من أجل تحقيق بعض المكتسبات تتعلق بالعملية السياسية . وهذا يعني انه متى توفرت اليات اخرى من شأنها تحقيق الأهداف المفترض تحقيقها من خلال الية المقاطعة يمكن التخلي عن هذه الأخيرة .

اليسار عمليا (مع استثناء بعض الحساسيات) لا يقاطع العملية السياسية, وهو يمارس العمل السياسي في إطار قانون الأحزاب و الدستور الذي قاطعه. العملية السياسية تستوعب قرار المقاطعة و المشاركة في الإنتخابات , و تأثير هذه الاخيرة في العملية السياسية يختلف من حيث أهمية الانتخابات التشريعية إلى الانتخابات الجهوية إلى الانتخابات الجماعية . قد نقاطع مثلا الانتخابات الجهوية من أجل انتزاع مكتسبات تتعلق بالقانون المنظم للجهة . و الدستور ليس هو الإستفتاء و الإنتخابات التشريعية ليست هي الجهوية او الجماعية .

عمليا الشعب المغربي قاطع العملية الإنتخابية بنسب تتجاوز مثيلاتها في دول مثل امريكا اللاثينية , استطاع اليسار هناك توظيف هذا الإختيار الشعبي في التاثير على العملية السياسية و انتزاع مكتسبات مهدت لفوزه الساحق في العديد من التجارب .

و المقاطعة بهذا المعنى كالية و ليس هدفا في حد ذاته هي حق وليست موقفا عدميا و لكنها ليست معيارا لمدى جذرية تنظيم سياسي او تعبيرا عن نضاليته . ولمن لا يستوعب مثل هذا النقاش وينتهج لغة التخوين يمكن نسوق له مشاركة لينين و اليسار في أوربا و أمريكا اللاثينية في العملية الإنتخابية وقريبا منا تجربة تونس من خلال الجبهة الشعبية , بل حتى حركات التحرر الوطني التي استعملت خيار المقاطعة ضمن استراتيجيتها تخلت عن الكفاح المسلح و شاركت في العملية السياسية مثال حزب العمال الكردستاني , حركة إيتا الباسكية , الجيش الإيرلندي……….

يستند جزء من اليسار في تأسيس موقفه من المشاركة في الانتخابات على اهمية النضال المؤسساتي ,و ان الموسم الإنتخابي هو فرصة لا تعوض للتواصل مع المواطنين و المواطنات و فضح الفساد .

يجب الإنتباه من منطلق أهمية النضال المؤسساتي إلى :

أولا أن النضال المؤسساتي لا يكون دائما من داخل االمؤسسات, ويمكن ان نسوق هنا مثلا تعديل الفصل 475 من القانون الجنائي الذي أتى بضغط من الشارع بعد انتحار المواطنة امينة الفيلالي , او استعداد السلطة السياسية لتعديل القانون المنظم للعفو بعد احتجاج الشارع في قضية كالفان الشهيرة , او التعديل الأخير لقانون القضاء العسكري بعد الضغط الذي فعلته الجمعيات الحقوقية المغربية و الدولية. بهذا المعنى النضال المؤسساتي ليس مرادفا دائما للمشاركة الإنتخابية .

ثانيا العديد من مؤسسات الدولة تفتقد إلى الشرعية الديمقراطية , لا من حيث انتخابها و لا في علاقتها مع فصل السلط , و لا من حيث توازنها مع باقي المؤسسات . يفترض في المجالس الجماعية أنها تستمد شرعيتها الديمقراطية من الإنتخابات , لكن سلطة وزير الداخلية أو الوالي أو العامل فوق شرعية هذه المجالس في تدبير الشأن المحلي .

ثالثا وزير الداخلية الحالي مثلا لا يملك لا شرعية ديمقراطية و لا انتخابية , و التصورات التي يقترحها او مشاريع القوانين التي يقدمها لتنظيم العملية الانتخابية , هي خارج الزمن السياسي و الدستوري .و نفس الشيئ ينطبق على وزير الفلاحة.. إلخ. و من حق الحكومة أن تستعين بتكنوقراط و هؤلاء دورهم تفعيل القرارات السياسية للحكومة التي تستمد شرعيتها الديمقراطية نظريا من الإنتخابات .

رابعا في الديمقراطية الإنتخابات تمنح الشرعية السياسية للأحزاب متى أجريت في شروط ديمقراطية و نزيهة , لكن للشارع كذلك شرعيته .و كثيرا ما أسقطت حكومات و قدم وزراء استقالتهم من خلال ضغط الشارع وليس من داخل قبة البرلمان .

خامسا أكدت حركة 20 فبراير و بالملموس , أن ما انجزته من مكتسبات و ما حققته من تنازلات . لم تكن تحلم به مايسمى بأحزاب الحركة الوطنية و أن فكرة التغيير من داخل المؤسسات لم تنقل المغرب إلى زمن الديمقراطية . هذا دون تبخيس مجهوداتها على المستوى التشريعي و العمل المؤسساتي .. لكن الحصيلة تقاس بالمنطلقات و الأهداف التي أعلنت إبان توقيع السلم الإجتماعي و دخول تجربة التناوب .

إن موقف المشاركة او المقاطعة , لا يتحدد من خلال معيار التخوين , بل يجب أن يتأسس على أهمية النضال المؤسساتي سواء من داخل المؤسسات أو من خارجها وفي العلاقة مع النضال الجماهيري الديمقراطي . المقاطعة ليست بيانا بل هي دينامية و اليات مرافقة .

وقرار المشاركة في ظل الدستور الحالي و مجموع الترسانة القانونية لا تسمح للقوة السياسية الحائزة على الأغلبية بتنزيل مشروعها و تفعيلله , لذلك تتحدد المشاركة بدورها هنا كالية يمكن من خلالها نزع الممارسات الاستبدادية داخل المؤسسات . و التفاعل مع أولويات المواطنين و المواطنات و إشراكهم في اتخاذ القرارات , وبناء شروط الانتقال من الدولة المخزنية إلى الديمقراطية .و للمشاركة شروط موضوعية و ذاتية أساسية , وإلا تحولت الى مساحيق لتجميل العملية السياسية و منها :

– أن تجرى الإنتخابات في شروط ديمقراطية مع كل ضمانات النزاهة و استقلالية الإشراف.

– تكافؤ الفرص بين جميع الاحزاب السياسية.

– المقاعد المحصل عليها من طرف حزب سياسي ما, تبقى له و لا تعود للمنتخب المزكى, مما من شأنه القضاء جذريا على الترحال السياسي و إعادة الاعتبار لجدية العمل السياسي           .

– ممارسة المؤسسات لكل صلاحياتها الدستورية و شرعيتها الديمقراطية .

– النضال المؤسساتي هو جزء من استراتيجية النضال الجماهيريي الديمقراطي و خاضع له .

– على اليسار المشارك في العملية الإنتخابية,  ان يتوفر على  برنامج واضح و أن يعلن كذلك بشكل أكثر وضوحا الاهداف التي يطمح إلى تحقيقها من  خلال النضال المؤسساتي . وقبلها عملية تقييم و نقذ ذاتي لتجربته من داخل المؤسسات .

– المزاوجة بين التزكية السياسية و تزكية المواطنين و المواطنات للمرشحين/ت , الدين سيقدمهم اليسار.

هل يستطيع اليسار اليوم أن يجذف باليتي النضال المؤسساتي و النضال الجماهيري , بدل وضع الإنتظارية؟

لكنه مطالب قبل هذا بأن يعترف باختلافاته و يؤسس لفكرة التعدد من خلال ممارسته اليومية وقبل ذلك اعتماد الحوار و العمل الميداني بديلا عن لغة التخوين و المزايدات , وأن يفتح نقاشا حقيقيا مع اليساريين و اليساريات و الديمقراطيين و الديمقراطيات و عموم التقدميين اللذين لا يرغبون في الانتظام حزبيا ليس. بهدف استقطابهم و لكن بهدف انجاز اتفاقات من شأنها الدفع في اتجاه الانتصار في معركة الديمقراطية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.