اليزيد البركة يكتب : ما دخل أمير المؤمنين في حرية العقيدة؟

نعيد نشر هذا المقال  بالتفاق مع الاستاذ اليزيد البركة عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة، وهو مقال يناقش فيه حرية العقيدة على ضوء ما اثاره امين عام حزب الاصالة والمعاصرة مؤخرا حينما قال أن “المغرب يعيش حرية المعتقد بشكل واضح، بدليل أنه لدينا أمير المؤمنين وليس أميرا للمسلمين.” عن هيئة التحرير

اليزيد البركة

شاهدت فيديو للأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، في لقاء إعلامي له مساء يوم الجمعة 24 يونيو الحالي، نظمته جمعية خريجي معهد الإعلام والاتصال بالرباط حول “الراهن السياسي والتهييء للاستحقاقات المقبلة”، تناول فيه موضوع حرية العقيدة في المغرب. ولأن حزب الطليعة الذي أنا عضو فيه، قدم مذكرة هو الآخر مثل الأصالة والمعاصرة كما صرح الأمين العام لهذا الأخير، بمناسبة مراجعة الدستور تنص على حرية العقيدة، فإن الموضوع وما دام تم ربطه بأمير المؤمنين فإنه يحتاج إلى توضيح .
في البداية وقبل الخوض في موضوع حرية العقيدة، حزب الطليعة يتصدى لمجموع القضايا التي تحول دون أن يخرج المغرب من دوامة التخلف سياسيا واقتصاديا وقانونيا واجتماعيا وثقافيا … غير أن هذا التصدي يغلب فيه السياسة الاقتصادية الطبقية الفاشلة والسياسة الاجتماعية الموغلة في الخضوع والتبعية للأولى والقضايا الحقوقية والقانونية بصفة عامة ، في ظل شروط سياسة التفقير والتلويح بعزم الدولة على التخلي عن التعليم والصحة وهي قد تخلت بنسبة مهولة، الأولوية لدينا هي مواجهة هذه السياسة الخطيرة العواقب ثم يليها مثل هذه القضايا التي لها أهميتها خصوصا إذا كان القصد منها التغطية على السياسة الطبقية المذكورة أعلاه أو على جزء منها مثل صرف الاهتمام عن توضيح ما يقال عن احتمال كون المغرب صوت على اسرائيل لتتولى منصبا حقوقيا دوليا و:ان الرأي العام لا أهمية له وليفهم ما يريد .
لا أعرف كل ما قال الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة ولكن من أعد الفيديو أراد أن يرسل رسالة يراها هي التي لها أولوية عند الشعب فهي ترد على العدالة والتنمية الذي أراد أن يحرف مضمون تصور الأصالة والمعاصرة حول حرية العقيدةعلى أنه يسعى إلى فصل الناس عن الدين، وبذلك بين أن حرية العقيدة ليست فصل الناس عن دينهم. وهذه النقطة لا أحد من الديمقراطيين والمدافعين عن حقوق الانسان يمكن أن يرى فيها ما يمكن أن يعد خروجا عن القواعد العامة التي تسير عليها كل الدول والمجتمعات الديمقراطية .
غير أنه بعد هذه النقطة هناك نقطة تناولها الفيديو وخلقت لبسا ويتعلق الأمر بشرح المقصود من حرية المعتقد حين جاء فيه أن “المغرب يعيش حرية المعتقد بشكل واضح، بدليل أنه لدينا أمير المؤمنين وليس أميرا للمسلمين”.
لا أدري ما دخل أمير المؤمنين في حرية العقيدة صحيح أن الدستور ينص في الفصل 3 على أن ” الاسلام دين الدولة ، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية ” إلا أن هذا يتطلب التوضيح من زاويتين :

أولا أن تصدير الدستور ينص على ثلاثة نقاط مرتبطة بالموضوع تؤكد عليها الدولة وتلتزم بها:

1- حماية منظومتي حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني والنهوض بهما ، والإسهام في تطويرهما ، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزئ .

2 –حظر ومكافحة كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة ( وأسطر على الثقافة هنا ) أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي مهما كان .

3- جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات ، مع ما تتطلبه تلك المصادقة .

ثانيا ، لا توجد علاقة بين أمير المؤمنين وبين الدولة وبينه وبين حرية العقيدة، الدولة مضمونا وشكلا كانت قائمة قبل إضافة أمير المؤمنين في دستور 1962 لقد كان المغرب بدون دستور. وإذا عدنا إلى المجلس الوطني الاستشاري الذي له صبغة قريبة من الدستور، نجده وصف الملك في الظهير( 17 غشت 1956) بجلالتنا الشريفة وليس أمير المؤمنين مع العلم أن البكاي الذي يعد واحدا من رجالات المخزن هو الذي كان رئيس الحكومة آنذاك وهو الذي وقعه، ومع خلو الظهير من أمير المؤمنين كانت للدولة مكانتها واعتبارها أكثر من الآن بالرغم من الصراعات السياسية القوية، وأكثر من هذا كان مجال حرية العقيدة قائمة في المغرب أكثر من الآن في المجال الخاص والعام إذن ربط أمير المؤمنين بحرية العقيدة غير ذي موضوع.
يظهر أن الفقرة الثالثة من تصدير الدستور خلقت ترددا عند الأمين العام والتي جاءت فيها الإشارة إلى قوانين المملكة وهويتها الراسخة، لكن روح الفقرة تشير إلى أن قوانين المملكة وهويتها لا تتعارض مع حقوق الإنسان والقيم الكونية الإنسانية وحتى في موضوع الدين يمكن التمعن في الفقرة الثانية من التصدير والتي حددت طبيعته. أما أمير المؤمنين فلا علاقة له بالموضوع، ولو أنه استغل في فترات لإخراجه عن السياق ألاول الذي دفع إلى وضعه في الدستور وهو ضبط الفتوى والشؤون الاسلامية وربطها بالدولة إلا أن الملك الحسن الثاني أدخله في الصراع السياسي عدة مرات وخاصة عندما أراد إرغام نواب الاتحاد الاشتراكي على العودة للبرلمان ( الخروج عن الجماعة والتهديد بما يترتب عليها في الفقه) وهذا ما دفع حزب الطليعة أن يطالب في مذكرته بحذف أمير المؤمنين من الدستور.
إن تفعيل حرية العقيدة تفعيلا إيجابيا وبدون مزايدات أو نكوصات وانغلاق يبتدئ من قيام التعليم في المغرب على مدرسة وطنية موحدة البرامج التي لها علاقة بالهوية على العقل وتخليصها من الجمود والنقل والنص، مدرسة وطنية إلزامية ، مجانية في أوسع معانيها مثل كل الدول التي كانت فيها الأمية والجهل متفشيتين أي مجانية التسجيل والنقل، والأكل واللوازم المدرسية والمنح والمبيت لأبناء الطبقات الكادحة، بدون هذا نكون فقط أمام البحث عن مكان للنوم في دار تعج بالأفاعي والحيات مع تسجيل حسن نيات كل من يريد المغامرة بالنوم في ذلك الوضع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.