الى روح مريم وخديجة ..المنسحبتين قهرا وظلما

    انتهى الأسبوع الفارط على وقع فاجعة انتحار فتاتين في عقديهما الثاني مريم وخديجة. مريم التلميذة ذات الخمس عشر ربيعا التي كانت تدرس بإحدى ثانويات الدار البيضاء، وتقطن بدور الصفيح بهامش العاصمة الاقتصادية. تحملت الصغيرة العيش من داخل هذه “الكنطونات الصفيحية”، بينما لم تحتمل نعت زميلاتها التلميذات “ببنت الكاريان” استهزاء وتحسيسا إياها بالدونية والاحتقار لانتمائها لوضع اجتماعي وفضاء سكني لم تختره لنفسها. كان يمكن لمريم المراهقة أن تتمرد على شرطها الاجتماعي، وتسلك دروب بعض زميلاتها الذي غالبا ما ينتهي بهن لوضع أكثر دراماتيكية. مريم فضلت أن تضع حد لحياتها مع ترك رسالة تشرح فيها دافع الإقدام على فعل الانتحار ” لا شيء يجعلك عظيم إلا ألم عظيم. ليس كل سقوط نهاية، فسقوط المطر أجمل نهاية.” هكذا انهت مريم حياتها احتجاجا على تفاوت طبقي صارخ تعرفه الدار البيضاء وكل مدن ومناطق المغرب بدل العيش في حي صفيحي يختزن كل مظاهر البؤس والتهميش، ويفضح زيف الشعارات والخطابات الرسمية. من جانب آخر مأساة مريم تُسائل مدرستنا العمومية كفضاء للمساواة، ودورها المفترض في الإدماج الاجتماعي وتذويب الانتماءات والفوارق الطبقية، وتهيئ تنشئة تساهم في بناء مواطن الغد بكل ما لمفهوم المواطنة من دلالة ومغزى.

بالريف العميق “جماعة اسنادة” بإقليم الحسيمة، أقدمت خديجة على فعل الانتحار مساء الخميس، ولم تتداول وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعية خبرها على غرار رفيقتها مريم بالدار البيضاء، كما لم تترك أية رسالة غير همس خافت في أذن أخيها وهي تغالب سكرات الموت، و تؤكد له براءتها من كل الاشاعات والألسن التي نهشت سمعتها ومست شرفها. خديجة الفتاة ذات التاسعة عشر وإن امتلكت من الشجاعة والجرأة لتتراجع عن زواج فرض عليها قسرا، وتقوم بفك قرانها بشاب لم تقتنع به زوجا في آخر لحظة من استعدادات حفل الزفاف. لكنها لم تحتمل سيل الاشاعات التي حيكت حولها لشهور ظلما في وسط مغلق لم يتفهم ويتقبل جرأة شابة دافعت عن كينونتها وحقها في القبول بزوج من عدمه، حيث استسلمت في الأخير فاختارت تجرع السم ووضع حد لحياتها، على تحمل سهام المجتمع. جاءت نتائج التشريح الطبي لجثة خديجة الهامدة مفندة كل الاشاعات والأقاويل الماسة بشرفها، لتبقى وصمة عار على مجتمع يتغذى على الإشاعة والخرافة والجهل.

   اشتركت خديجة ومريم في فعل الانتحار وإن تنوعت الأسباب، و تباعدت الأماكن. الفتاتين انسحبتا احتجاجا على ظلم اجتماعي، مريم التي نعتت ببنت الكاريان” السيء الذكر” والذي يكثف كل مظاهر الإقصاء والتهميش. وخديجة ضحية مجتمع تقليدي ما زال بعيدا عن قيم المساواة والحرية، والحق المقدس في الاختيارات الفردية، والذي يبدو أنها ما زالت بعيدة عن واقع مجتمعاتنا العميقة، وكل ما تحقق من قوانين ومدونة أسرية تبقى مقتصرة على فئة نسوية خاصة. تواتر حالات الانتحار وارتفاع معدلاتها بالخصوص في صفوف الفتيات يجب أن لا يقتصر على تحقيقات إجرائية غالبا ما تنتهي في حصر أسباب الفعل في دوافع نفسية واضطرابات سيكولوجية، فِعلُ الانتحار لا يجب أن ينظر إليه في مجتمعاتنا على أنه عمل إراديا فرديا، بل هو في أغلبه ناتج عن تفاعلات اجتماعية تفرضها الجماعات البشرية على الأفراد المشكلين لها. وهنا تحضر مسؤولية الدولة الثابتة في رعاية المواطنين، عبر مؤسسات الرعاية الاجتماعية والصحية. كما تبقى حاجتنا للبحث السوسيولوجي الفعلي لتحليل الظاهرة واستيعاب أسبابها ضرورة ملحة لوقف نزيف شاباتنا وشبابنا المنسحبين من حياتنا ومجتمعاتنا قهرا وظلما.

تعليق 1
  1. عبد السلام أوكيلي يقول

    تحية الى الصحفي جابر الخطيب الذي عادة ما يحاول رد الاعتبار الى ابناء الشعب الكادحين و لو بمقالات مثل هذا المقال الرائع………….. فتحية مرة اخرى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.