الوطنية في زمن الكوليرا !

الوطن، ليس الوطنُ مجرد كائنٍ جغرافي مطالبون بالانتماء إليه قصد الحصول على بطاقة للهوية و الاستفادة من الخدمات الإدارية، إنما الوطن ذلك التاريخ الطويل الذي نَسجت أليافه حكمة الزعماء و حنكة الوطنيين، و ذلك الحلم البعيد الذي يشعرك بنشوة الانتماء في رقعةٍ رسَمت حدودها دمَاء الشهداء وَ المقاومين.

الوطن، ليسُ الوطن مجرد شكلٍ هندسي نمثل له بمساحاتٍ افتراضيةٍ على الخرائط و المجسمات لنقيس مسافاته و نُموقع شكلهُ بين الأوطان الأخرى، إنما الوطن شعور غالٍ يحسِّك بالأمان إن كنت في كنفهِ و يُمزقك الشوق إليه إن كنت من مغتربيه. إن الوطن إحساسٌ عميق لا يكاد ينفك منك حتى تموتَ في أرضهِ و تدفن وسْط تربته.

لا شك أن إيقاع الحياة المعاصرة جعل من رؤية الوطن و الإحساس بالوطنية مسألتين صعبتا المنال، و المعضلة الكبرى أن مُواطن اليوم تجده أكثر تجاوبا و أظهر وعيا كلما اتصل الأمر بالظواهر المادية المحسوسة، لكنك تجده أكثر غفلة و أظهر تقاعساً عندما يتعلق الأمر بالظواهر المجردة و لو مست ألصق الأشياء بوجوده. و لعل الأنكى من كل هذا أن تجده يُلخصُ الإحساس بالوطنية في الأمور المادية و يعتبرها ضربا من ضروبِ الانتماء السياسي و مرتبطة كل الارتباط بالسياسيين و الكبراء.

إن الوطنية لا تُحتم على المرء حَجز كرسي سِياسي في صفوف الدولة و الارتقاء إلى سُدَّة القرار و المهابة حتى يحظى بلقبِ الوطني، فالأمر لا يتعلق بمكانة مرموقة و لا بمنصب عالٍ بقدر ما يتعلق بإحساس داخلي و قناعة فردية. و مَثلُ الإحساس بالوطنية كمثل الكائنات الحية، إذ يجول مُصطلح الحياة و مصطلح الممات، و بينهما مصطلح البقاءِ إذا اجتمعت مقوماته و مصطلح الفناء إذا تحتمت دَواعيه.

و إن نحن أدرنا مجهر الأضواءِ صوب مسألة الوطنية في واقعنا لألفينا أنفسنا أمام حقيقة مرة و صادمة، إذ قلما تجد اليوم من يَتمتع بروحِ الدفاع عن الوطن و عن حرمته في زمن كوليرا المبادئ و القيم هذا، بل إن المسألة تطال حتى أولئك الذي يجثمون بكَلْكَلِ جماجمهم على كراسي السياسة.

لولا خَشية المَظِنات و اتقاءِ انفلات التأويل لجاز القول بأن الوطنية أجَلُّ أن تترك في يد رجال السياسة ما داموا لا يترددون في نحت وطنيةٍ خاصة بهم على مرآة مصالحهم الفردية، في الوقت الذي نَعلم أن الوطنيين الحقيقيين يصنعون معالم الوطنية الحَقة على مقياس مصالح الشعوب و الأفراد. أما أصحاب القرار السياسي لبلدنا اليوم فتراهم يخلعون أرديتهم الفكرية ليرتدوا جلابيب السيادة، فإذا تخلت السياسة عنهم وَجدوا أنفسهم غُربَاء على حقول الوطنية التي كانوا يفقهونها لأبناء الوطن و يتغنون بتراتيلها في وقت مضى.

وحدهم الوطنيين أولئك الذين يخدمون الوطن بشرف و عزٍّ دون انتظار مقابل و بصورة غير مشروطة، فيتحملون الأذى و الاصطفاف في طوابير الذل و الامتهان ليس لشيء إلا ليحيا الوطن، فسعادة الوطنيين من سعادة الوطن. وحدهن الوطنيات اللائي يكابدن وَحل الأرض و زمهريرَ الجبل بالقرى القصِية للوطن، فيتحملن تأوهات المخاض في الليالي الباردة و تربية الأبناء في الظروف القاسية و العمل الشاق و المتواصل في أتون الأرض، ليس لشيء إلا لتوفير أبناء للوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.