الوصفة الناجعة لهزم بنكيران

محمد المساوي

بعد أن ظهرت نتائج اقتراع 7 أكتوبر، وبعد أن هدأت شيئا ما حمأة التنابز والتعارك حول النتائج، آن لنا أن نتحدث بكلام موضوعي، بعيدا عن لغة التمني او لغة التشفي، فالحقيقة التي كرّستها هذه النتائج هي أن حزب العدالة والتنمية حزب قوي لا تستطيع الاحزاب الكائنة في الساحة السياسية والممارسة من داخل النسق السياسي المؤسساتي هزمه ولا التفوق عليه، بنكيران أضحى ظاهرة سياسية شئنا أم أبينا، نقول هذا ونحن نستحضر أن أسباب قوة بنكيران وشعبيته لا تكمن بالضرورة في برنامجه السياسي ولا في المشروع الاصلاحي الذي يدعي امتلاكه، بل ثمة اسباب متعددة تعالقت وأعطت للحزب هذه القوة.

لن نسرف في تعداد أسباب قوة بنكيران وحزبه، لكن سنحاول البحث عن الوصفات الناجعة لايقاف بنكيران عند حدّه وحمله على التراجع والانحناء، ومن خلال تناول هذه الوصفات ستظهر لنا نقط قوة بنكيران ونقط ضعفه أيضا، ومنها سنفهم لماذا يبدو حزبه قويا لا يُهزم في هذه المرحلة.
ان استقراء ولاية بنكيران المنقضية، سنجد أنه كانت هناك ثلاث محطات أساسية “فعفعت” بنكيران بلغة مزوار، هذه المحطات جعلت بنكيران وحزبه ينهزمان ويسلمان بأمر الواقع، هذه المحطات هي: احتجاج الاساتذة المتدربون، احتجاج الطلبة الاطباء ثم احتجاجات امانديس أو ما سُمّي حينها ب “انتفاضة الشموع”.

لنسجل اولا أن القاسم المشترك بين هذه المحطات الثلاث هي انها كلها كانت محطات تأسست على الاحتجاج الشعبي ولم يدع إليها طرف سياسي او نقابي معين، كما أنه لم تكن محسوبة على هذا الطرف او ذاك، بل كانت احتجاجات شعبية نابعة من القاعدة، مثل هذه الاحتجاجات هي من تحقق الاجماع الشعبي وتتميز بمناعة كبيرة تجاه كل محاولات بنكيران وكتائبه في محاولة تسفيهها او الانتقاص منها، فكما تتبعنا جميعا، رغم كل المجهودات الجبارة التي بذلتها كتائب حزب العدالة والتنمية، ورغم كل هجومها الشرس على معركة الاساتذة المتدربين، الاّ أن هؤلاء استطاعوا ان يرغموا بنكيران على التراجع ولو مؤقتا، وحققت نصرا عزّ نظيره، كذلك الشأن بالنسبة لاحتجاجات الطلبة الاطباء، فيما سنعرض لتجربة احتجاجات امانديس في فقرة موالية لخصوصيتها مقارنة مع المحطتين السالفتين. والسؤال المطروح لماذا نجحت هذه الاحتجاجات في هزم بنكيران، بالمقابل لم تستطع المعارضة ولا القيادات النقابية فعل ذلك؟

الواقع السياسي المكرس حاليا هو أن بنكيران استطاع ان يبني لنفسه صورة الرجل السياسي المحب لبلده والذي تعرقل عمله السياسي التماسيح والعفاريت وفؤاد عالي الهمة، والمواطن صار مقتنعا ايما اقتناع بهذه الوضعية، وصار يتعاطف مع بنكيران ضدا في المخزن، لكن دون أن يعني هذا أن المواطن قد سلّم كليّا قدره لبنكيران، بل صار هذا المواطن يتأفف من كل شقلبات المعارضة والقيادات النقابية، وصار يشم فيها رائحة خوض الحرب على بنكيران بالوكالة، لذلك فكلما شعر المواطن أن معركة ما وراءها من يريد تسديد ضربات الى بنكيران خدمة لفؤاد عالي الهمة، ينفضّ هذا المواطن من حولها، رغم ما قد تحمله من مطالب وجيه ومشروعة. هذا ما حدث مثلا للاضرابات العامة التي دعت اليها القيادات النقابية، فخلال ولاية بنكيران خاضت هذه القيادات اكثر من اربع اضرابات عامة، وكلها كان وقعها ضعيف جدا، الى درجة جعلت بنكيران يسخر منها، ولم تزعزعه قيد أنملة، بالقدر الذي زعزعته مثلا احتجاجات الاساتذة المتدربون.

خلال احتجاجات طنجة ضد امانديس شعر بنكيران بالهزيمة الى درجة جعلته يصرخ في وجه منتخبي المدينة من حزبه ويلومهم على عدم تمكنهم من التحكم في الاحتجاج واقناع المواطنين بلاجدواه وأن رئيس الحكومة والملك قد تدخلا، وأعطى الملك تعليماته الرسمية لتحقيق مطالب الساكنة، كما ان هذا الوضع دفع بنكيران الى حدّ أن وصف هذه الاحتجاجات انها تحريض على الفتنة، مما يبين أنه فعلا شعر أمامها بالعجز والهزيمة، فلماذا حدث ذلك؟ حدث ذلك لأن هذه الاحتجاجات كما المثالين السابقين انطلقت من اساس شعبي واجتماعي خالص، لم يكن وراءها طرف سياسي معين، قد يوحي أن الاحتجاجت تحركها جهة ما لتسديد الضربات لبنكيران بالوكالة. هذه الوصفة جعلت الاحتجاج يكون قويا ويتزايد مفعوله يوما بعد يوم، بل أكثر من ذلك بعد استمرار الاحتجاجات لاربعة اسابيع، وصارت تكبر رقعتها بما يؤشر على انتقالها الى باقي مدن الشمال، جاء بنكيران الى قناة ميدي1 تيفي يوم الجمعة 23 أكتوبر 2015، ودعا ساكنة طنجة إلى الكف عن الاحتجاج، وتوجه اليها بالخطاب أن جلالة الملك قد تدخل شخصيا وأن المشكل قد تم حلّه. كما أن عمدة المدينة عن البيجيدي حاول أن يعزف على وتر أن هذه الاحتجاجات جاءت لتنتقم من العدالة والتنمية لسبب حصوله على الاغلبية المطلقة بمجلس المدينة، لكن المواطن لم يأبه لكل ذلك، فما الذي حدث من بعد؟

وجّه بنكيران نداءه الى ساكنة طنجة عشية الموعد الرابع للاحتجاجات الاسبوعية، وفي اليوم الموالي السبت 24 اكتوبر خرجت أكبر مسيرة في طنجة لترد على بنكيران وتردّ على عمدة المدينة وتصر على مطلبها الاساس الذي ينادي برحيل شركة امانديس، حيث كانت مسيرة يوم 24 اكتوبر أكبر وأقوى من كل المسيرات السابقة، وخرجت الجماهير الشعبية بقوة رافعة لافتة فيها رد مباشر على بنكيران تقول ” لا مفاوضات.. امانديس ارحل”، بعد هذه المسيرة أحس بنكيران والقصر الملكي وقصر الاليزي بأن الامر اذا استمر هكذا قد يخرج عن السيطرة وتتسع رقعة زيت الاحتجاج، فماذا حدث؟

يوم الاحد 25 اكتوبر حلّ بنكيران رفقة حصاد وزير الداخلية بولاية طنجة، وتم استدعاء المنتخبين والسلطة المحلية وتم حثهم على العمل ثم العمل من أجل ايقاف هذه الاحتجاجات فورا، وعن هذه الزيارة لطنجة قال بنكيران في البرلمان أن الملك “فيقو مع السادسة صباحا”، المهم بداية من يوم الاثنين 26 اكتوبر، عمل المقادمية والشيوخ وشبيبة العدالة والتنمية والبلطجية على محاولة اقناع الساكنة أن الاحتجاجات حققت مبتغاها وما عليكم إلا الرجوع الى منازلكم، فالملك اعطى اوامره السامية، وقيل للمواطنين أن أي احتجاج بعد الان سيعتبره الملك عصيانا لاوامره، وستسفيد منه الجزائر والبوليزاريو…(كذا) ورغم ذلك صمدت الجماهير الشعبية مصرة على تحقيق مطلبها، حيث كانت احتجاجات طنجة ضد امانديس قائمة على تنظيم اعتصامات يومية في جملة من الاحياء الشعبية وامام وكالات شركة امانديس، بينما يوم السبت مساء يتم اطفاء الاضواء والتحرك في مسيرات شعبية تجاه وسط المدينة. المهم كان موعد المسيرة الشعبية الخامسة يوم 31 اكتوبر يقترب، وعمل المقادمية والشيوخ والبوليس السري والعلني والبلطجية وشبيبة العدالة والتنمية على تكثيف مجهوداتها من أجل الحؤول أمام تنفيذ المسيرة الخامسة، وفعلا استطاعوا أن يقنعوا القليل القليل من الناس واستطاعوا ان يخوّفوا ويرهبوا  الكثير من المحتجين، ورغم ذلك كانت المسيرة يوم 31 اكتوبر وإن بأعداد أقل، وتم الاعتداء على المحتجين بالاسلحة البيضاء من طرف البلطجية وتم نعتهم بأعداء الملك وبالخونة، وكانت اعضاء شبيبة العدالة والتنمية يندسون وسط المسيرات التي خرجت من الاحياء الشعبية من أجل ايقافها وعرقلتها في المهد والعمل بشكل موازي مع البوليس السري والعلني ومع المقادمية والبلطجية.

امام كل هذا المجهود المخزني الجبّار، اضف الى ذلك أن السلطات المحلية شرعت في تنزيل بعض المطالب، مثل الترخيص لاكثر من عدّاد للمنازل التي تقطنها اكثر من أسرة، كما تم مراجعة العديد من الفاتورات، امام كل هذا نجحوا في نزع شوكة هذه الاحتجاجات، وفُرض على المواطن الطنجاوي الرجوع الى منزله بنصف هزيمة ونصف انتصار.

احتجاجات طنجة “فعفعت” بنكيران لأنها كانت احتجاجات شعبية، وظهرت أنها بعيدة عن كل توظيف سياسيوي، رغم محاولة الياس العماري في البداية قرصنتها من خلال ادعائه انه امتنع عن اداء فواتير امانديس، وعملت كتائب البيجيدي بكل وسعها على تسفيه هذه الاحتجاجات والادعاء ان الياس من حركها، لكن سرعان ما انقشعت هذه الغيوم حين جدّ الجد، ووصل الامر الى الدق على ابواب القصر الملكي وقصر الاليزي، عاد الياس وصرح انه شماتة وانه لم يقل أنه لم  يؤد فواتير الجهة المستحقة لامانديس.

الخلاصة بما قلّ ودلّ : فكوا ارتباطكم بالمخزن ستهزمون بنكيران بكل سهولة، في المقابل مهما كانت مطالبكم مشروعة ووجيهة اذا ما اشتم منها المواطن رائحة الحرب بالوكالة ضد بنكيران فأكيد ستفشلون، هذا هو عنوان المرحلة، وهذه هي خارطة الطريق فهل تعقلون؟

 

2 تعليقات
  1. حميد يقول

    تحليل واقعي ومنطقي، أضنه السبيل الوحيد لهزم إمراطورية بنكيران لكن هذا الطريق يعد مجازفة قد تزعزع امن و إستقرار البلد، إنني أرى وسيلة أخرى سوف تطيح بعرش بنكيران لا محالة وهي إقناع هذا المواطن المقاطع للإنتخابات والمتضرر من سياسات بن كيران بالتوجه لصناديق الإقتراع و التصويت للحزب الذي يمكنه هزم بنكيران رغم عدم إقتناعه بمشروعه المجتمعي وهو في هذه الحالة حزب الجرار

  2. lion يقول

    u lieu de developer vos idées au sijet de benkirane il falait developer les faiblesses de l’usfpde driss lachgar qui a qualifié le pjd de daiich alors que c’est lui qui a fait dans l’usfp ce qu’a fait

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.