الوحدة الوطنية في ظل الهوية الامازيغية

كثيرا ما تجابه المطالب الامازيغية بتعاليق تنم عن جهل مطبق بمفاهيم كالوطنية  و الوحدة الوطنية و الوحدة الترابية فعن جهل أو بشكل متعمد نلاحظ كما هائلا من التعاليق التي تحاول تصوير الحركة الامازيغية  بمطالبها الملحة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية كغول يهدد الوحدة الوطنية و ينذر بحرب أهلية و منهم من يذهب في بعض الأحيان إلى التخوين و الاتهام بالعمالة و خدمة أجندات خارجية و ما إلى ذالك من الأوصاف و النعوت الجاهزة و المبطنة بحشو إيديولوجي معين

لتوضيح بعض اللبس و الغموض الذي تلعب على وثره هذه الشرذمة العنصرية  يتوجب أولا  أن نتفق حول ماهية الوحدة الوطنية و علاقتها بالهوية و الوحدة الترابية ؟

نعلم جميعا أن الوطنية هي انتماء الإنسان إلى دولة معينة يحمل جنسيتها و يدين لها بالولاء على اعتبار أن الدولة ما هي إلا جماعة من الناس تستقر في رقعة جغرافية معينة و تخضع لحكومة منظمة  و حين نضيف إليها الوحدة بمفهومها السياسي تصبح الوحدة الوطنية معرفة على أساس اتحاد اختياري بين المجموعات التي تدرك أن وحدتها تكسبها نموا زائدا أو قيمة مضافة و ميزات اقتصادية و سياسية تعزز مكانتها في ظل عقد اجتماعي بين الشعب و النظام السياسي القائم بحيث تشترك ثراتا من الذكريات و الفضاء الجغرافي مع الرغبة في العيش المشترك و الحفاظ على هذا الثرات المعنوي و المادي و السعي لزيادة قيمته

و تقترن هذه الوحدة الوطنية غالبا بالديمقراطية فبدون حكومة ديمقراطية لا يستطيع الشعب أن يجتمع و يتعرف كل مواطن على غيره من المواطنين (و هذا من أسباب جهل البعض بمقومات الهوية الامازيغية حاليا) و لن تعبر هذه الدولة عن إرادة الفرد المندمجة في الإرادة العامة

الخلاصة في حالتنا المغربية تبين أن الوحدة الوطنية هي الأثر الذي يحدث نتيجة أسباب معينة داخل المجتمع (الاعتراف المتبادل ,التدبير الديمقراطي للشأن العام ,الثمتيلية , تقاسم السلطة و الثروة بشكل متساوي….الخ) بحيث تقود هذه الأسباب إلى ترابط الشعب مع بعضه البعض و تمنع ظهور أي دعوات انفصالية في البلاد و الاستدامة السياسية للوحدة الوطنية تكون بتفادي و معرفة الأسباب التي تؤدي إلى تدميرها مثلا انعدام الأمن ,تغليب المصلحة الخاصة على العامة ,التمييز بين المواطنين من قبل الحكومة سياسيا اجتماعيا أو ثقافيا , وجود المحسوبية في أجهزة الدولة ,….الخ

كما أن الاقتصار على الإنفاق الحكومي في البرامج الاجتماعية ليس حلا لتحقيق الوحدة الوطنية بشكل مستقر فإن محاولة فرض الأمر الواقع بإدماج بعض العناصر في المنظومة القائمة و تجاهل البعض يدمر النسيج المكون للوحدة الوطنية بمفهومها المعاصر

من هذه المنطلقات نلاحظ أن المواطن الامازيغي يحمل الجنسية المغربية و يدين بالولاء للدولة المغربية و باختياره لكن بالمقابل لا يعزز كل هذا مكانته السياسية و الاجتماعية و الثقافية في ظل المفهوم ألهوياتي القائم على إيديولوجية عروبية و يتعرض موروثة الثقافي لشتى أنواع التهميش و الإقصاء و يواجه بتجاهل و تنقيص لمطالبه المشروعة و تمارس عليها مختلف أساليب الالتفاف و الاستغلال السياسي المقيت منذ عقود

السؤال المطروح على المناوئين لتثمين الموروث الامازيغي المشترك و تطويره بذريعة الحفاظ على الوحدة الوطنية ماهي مفاهيمكم للوحدة الوطنية و ماهي إجراءاتكم البديلة التي تشتغلون عليها في ظل إقصاء أغلبية الشعب (باعتبار أن الامازيغ الناطقين و الغير الناطقين يشكلون أغلبية المغاربة ) ؟؟؟؟  هل الاعتراف الدستوري على الورق يكفي ؟

هل الالتفاف على مطالب قطاع واسع من الشعب يعزز الوحدة الوطنية المزعومة ؟؟ و يساهم في الاستقرار و ترسيخ مناخ الديمقراطية و حقوق الإنسان ؟؟

الهوية الامازيغية للمغرب هي الميزة الوحيدة التي تمتلك مقومات ترسيخ الوحدة الوطنية بين المواطنين من طنجة إلى الكويرة لأنها ليست وليدة العلاقة بين المسيطر و الخاضع أو وليدة اتفاقيات و تفاهمات بين المستعمر و المستعمر أو جاءت عن طريق الصدفة أو التأثير الديني أو الإعلامي بل هي هوية تكونت  في خلال ألاف السنين من الوجود عبر التاريخ و استطاعت أن تقاوم و تصمد في وجه كل التأثيرات الخارجية و تصهرها بذكاء في بوتقتها و اللغة الامازيغية ليست العنصر الوحيد المحوري لهذه الهوية و لا تكفي لوحدها لتحديد هوية المكان و الإنسان

الهوية الامازيغية واقع معاش من خلال التقاليد و العادات و الأعراف و القيم بالإضافة إلى اللغة و التاريخ و الخصائص الاجتماعية الفريدة المميزة لساكنة هذا البلد من شماله إلى جنوبه و من شرقه إلى غربه

الثقافة الامازيغية السائدة مثلا في الأقاليم الجنوبية من الصحراء الشرقية إلى حدود موريتانيا لا تختلف في شيء من ناحية المضمون عن الثقافة التارقية الامازيغية في الملبس و المأكل و العادات بغض النظر عن اللسان فهي واقع مجسم على الأرض و الذات ,و قد تم تدبير النزاع المفتعل بناءا على أخطاء إستراتيجية بدافع الهويات الاسترزاقية التي تنتمي إلى الأقوى و تستمد وجودها من قوة التأثير الإيديولوجي المهيمن في حين كان التركيز على الذات الامازيغية كوعاء يجمع الكل و منفتح على الآخر كحل أجدى لدحض الطروحات الانفصالية التي تقوم على الأوهام و الهويات الزائفة

المؤثرات العربية أو الشرقية عموما و الأندلسية و الإفريقية و الغربية تعتبر شرايين رئيسية لاغناء الهوية الأصل لكن يستحيل أن تعوضها أو تحتلها أو تلغيها ثم إن خلق دولة أو كيان سياسي لا يستند إلى التاريخ بتراكماته و خصوصياته و إبداعات شعبه مصيره الاندثار و شاهدنا كيف انهارت إمبراطوريات متراميات الإطراف و على مستوى عالي من التقدم التقني لأنها بنيت على إيديولوجيات اقتصادية أو دينية صرفة

الهوية الامازيغية التي تجمعنا متأصلة و واقع معاش و ممارسة يومية لأنها جملة من العلاقات البنيوية التي يتراكم فيها السيكولوجي و الحضاري و الثقافي و اللغوي و تتضح هذه التجليات بدأ بالطوبونوميا إلى وجبات الكسكس مرورا بالإنسان و الجغرافية و اللسان

هذا المدخل في نظري هو الحل السحري الأمثل لتجاوز الوحدة الترابية و المجالية إلى مفهوم الوحدة الوطنية القائم على الاعتراف بأمازيغية المغرب و رفع الحيف و الطمس الممنهج لكل ماهو امازيغي و القطع مع ممارسات دولة الريع الاقتصادي بسن سياسة التقسيم العادل للثروات و التدبير الذاتي للموارد المحلية و فتح نقاش وطني جاد يشارك فيه كل المتدخلين لإنهاء سياسة الاحتكار التي يتم التعامل على أساسها في تدبير الملفات التي تهم الوحدة الترابية و الهوية الوطنية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.