الواقع بين سؤال العمل وأزمة البديل محاولة في مساءلة الواقع المغربي.

 الحديث عن الأزمة يكاد أن يكون منقطع النظير في التداولات الخطابية على ألسنة المغاربة، وفي كل الأوساط الاجتماعية، إلا أن الإجابة عن ماهية البديل – مع استثناءات قليلة – يكون من وحي التصور اللاأدروي  .

    بالنظر إلى حجم الإشكاليات في خضم حياة المغاربة وواقعهم اليومي ، سلوكا وعملا وخطابا ، يتضح بشكل جلي ، ذلك العبث السيزيفي ، في مواجهة إشكالياتهم ، المتجلي في غياب التأمل النظري المنظم ، المبني على مساءلة واقعهم التاريخي والاجتماعي ، بكافة مستوياته ، وكذا انعدام الإرساء التام للمفاهيم العقلانية في طرحهم لهذه الإشكاليات والإجابة عنها وفق أطروحات بديلة تحسم نهائيا مع الرؤى والتصورات غير المنطقية واللاعقلانية ، وإن وجدت بشيء من النسبية ، فإنها لا تتحول إلى مشاريع وبرامج عمل والدخول في التطبيق لها من جهة الاقتناع والمتابعة والاستمرارية في التجسيد الفعلي والعملي ، حيث تطرح الإشكالية التاريخية والحضارية في العلاقة القائمة بيننا وبين البدائل الممكنة والتي تتحول إلى علاقة مأزومة بين ما نفكر فيه وبين ما يمكن إنجازه , إذن ، هناك اختلالات ما في تركيباتنا وتشكلاننا في جميع مكونات أنساقنا ، سواء منها الاجتماعية أو السياسية ، الفكرية أو الثقافية ،الاقتصادية أو التربوية ، النفسية أو المعتقداتية والإيمانية ، إن ما نعيش عليه هو كونه من صميم ما نتصوره على كافة الأصعدة ، ومما نستبطنه من إيمانات وعقائد اتجاهها ، وما نتمثله من حلول ومخارج وبدائل لها ، وأن العمل على / في هو فكرة ورغبة وإرادة ثم إنجاز وتطبيق ، وقيمة اجتماعية وفعالية إنتاج إنساني بمحددات اجتماعية ونفسية وثقافية وتربوية وسياسية واقتصادية مادية ، من حيث إنه ( العمل) فكرة / إرادة / إلى كونه إنجاز / قيمة / فعالية إنتاج مرورا بدوافعه على علاتها ، ولاعتبار قيمي يشكل العمل ” مجموع القيم المعمول بها في حيواتنا الخاصة والعامة لتعمل عل تكوين ” روح موضوعي ” يؤطر ويوجه سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات على اختلاف مستوياها ، ومن بالذات تتم الإجابة عن أسئلة الإشكاليات وطرح البدائل .

    إذن ، لئن كان السؤال التقليدي في حياة الكائن الإنساني والاجتماعي ، والمتجدد مع الاستمرارية في طرحه ، في كل مراحل التاريخ الإنساني والحضاري ، ” ما العمل ؟ ” ، هو عملية فكرانية وعقلية مستمرة تلزمه ضرورات الوجود الإنساني ، وتحتمه الأزمات والشدائد وعوائد الزمان ، وتفرضه الرغبة في الخلاص من الانتكاسات والأمراض الاجتماعية والتاريخية ، فإن البديل هو عملية انتقاء وتصنيف الحلول من بين ما تم التفكير فيه بصدد العرض والوصف لإشكاليات الواقع الأزماتي وتجاوز المعضلات المطروحة ، ومن ثم الدخول في عملية التطبيق الأولويتي في المعالجة والوقاية من خلال إجراءات ومساطر واليات ، يتم العمل بها وإنجازها في شخص خطط عمل واضحة المعالم ومسطرة الأهداف وغايات سامية تخدم الكائن الاجتماعي  في كل مناحيه ومستوياته ، فإذن ، أين نحن من هذه الخطاطة النظرية في علاقاتنا بأزماتنا البنيوية الملجمة لعجلة التاريخ التقدمي والحضاري الإبداعي .

    بالرجوع إلى خطابات الإنسان المغربي المتداولة في جميع منتدياته الأسروية والشارعية وفي شتى من مؤسساته ، نلمس ذلك الخطاب المأزوم بشكل واضح وبين لا غبار على عباراته ولا لبس في فهمه الأزموي من خلال ما تأمله وما تم التفكير فيه ، لأنه يعتبر إفراز لتأمل وتفكير بشكل من الأشكال ، إلا أنه  من أي  نوع وصنف من التأملات والتفكيرات ؟ فعبارات الثقافة الشعبية من مثل ” سلك ” و ” عد ” و ” قض ” وغير ذلك توحي بانعدام العمل العقلي والتأمل النظري المنطقيين ، وبالطرح الانتهازي في التعامل مع واقعه  ! ! لأنه لا يريد ولا يرغب في الإجهاد العقلي والفكري ويحضر ذلك الأخر الغريزي بكل معطياته ذات الطبيعة البيولوجية المشتركة مع الكائنات اللاإنسانية الأخرى  .

    فقد تميز الإنسان بكونه صاحب عقل ونظر ، وتاريخ واجتماع ، وحضارة وإبداع ، وقول وكلمة صوتية مميزة ، وكائنا هادفا وغائيا ، وصاحب قلم وصناعة ومعمار وإعمار ، إذن ، هل بهذه الخطابات المتداولة ، أمكننا نحن المغاربة رسميين وجماهير تعقل أشياءنا وعوالمنا ، وأمكننا بذلك ، تصور ما نعيشه من وقائع وأحداث بداخل وضعنا الخاص والعام ، ومن ثمة عملنا على مساءلة ودراسة إشكالياتنا ، واتخاذنا للقرارات والبرامج وخطط العمل من أجل إحداث القطائع مع كل أزماتنا ، ليتم  في نهاية الأمر تحديد المصير ببدائل حضارية هادفة وغائية في التقدم والقضاء على التخلف والفقر البنيويين ، والعمل على إنجاز مفاهيم الثورة الممكنة ومقولاتها ، على الذات والمجتمع ، على الواقع والتاريخ ، لنطرح السؤالين التاليين  : أين نحن من الثورة الممكنة والمنشودة على الذات والتاريخ ؟ وأين نحن من الأطروحات الفكرية والثقافية لأعلامنا المفكرين والمثقفين والسياسيين والباحثين ، فكم كتبوا وتداولوا وحاضروا وناظروا ، وكم حللوا ودرسوا ونقدوا وأبدعوا ، هل تم تجميع ما أوجدوه من كتابات وتحليلات ودراسات في جذاذات ورسومات وبيانات وخطاطات لبرامج عملية ، سياسيا ، ثقافيا ، تربويا ، اجتماعيا ، اقتصاديا ، من أجل مشروع حضاري وطني يحسم مع السائد الأزماتي ؟

إن استشرافات المستقبل لا تكون بالخطابات الأزموية ، بل بالتأمل والنظر العقليين ، ولا بالانفعالات المجانية ، بل بالتفاعلات الإيجابية والهادفة في كيمياء الاجتماعي بالمفهوم العام ، ولا بالإدبار بالخلف في وجه التيارات الجارفة ، بل بالمواجهة والصمود بتاكتيك الدفاع والهجوم ، واكتساح فضاءات التقدم العلمي والحضاري ، ولا بتحميل المسؤولية للأقدار الإلهية ، بل بمدى الفعل والعمل بشكل مسئول ، ومدى تحمل مسؤولية الأعمال والسلوكات والتصرفات في كل مجالات حياتنا الفردية والجماعية ، ولا بإلقاء اللوم على التاريخ والآخر ، بل بتحديد المسؤوليات والمواقع والمراكز بدقة ، وبالعقلانية في تفكيك وشرح ودراسة الواقع التاريخي والاجتماعي والحضاري ، وبالإدراك والوعي والفهم لموازين القوى حضاريا في علاقتنا بالآخر ، وغير ذلك من حضور التفكير السلبي والقضايا الشائكة وغيابات أخرى بفعل الاستلابات المتعددة والمحددات السالبة والحاجبة للعقل والمعرفة العلمية والتفكير التقدمي .

    إن خانات أزماتنا تؤكد بوضوح ما سبق تقريره ، فهاهي الأزمة السياسية القائمة على قواعد خارجة عن إطار الفكر السياسي العلمي ، سواء بمفاهيمها ومحدداتها  أو ومؤسساتها ، وكذا الأزمة الاجتماعية المبنية على اللاتنظيم المدني وعلى الفوضى والتسيب وعلى  ” الأهلية المؤسساتية ” في شخص الارتباطات العضوية بين الأفراد والجماعات ، وعلى الكبت والحرمان البنيويين في كل  مجالات حياة الإنسان المغربي الجماهيري ، مما يؤثر على سيرورات البناء الحضاري وفق ” روح موضوعي  عام ” تنصهر فيه كل الإرادات والتطلعات من أجل غد تاريخي / حضاري مستقبلي . إن شيوع المصالح الفر دانية والطروحات الانتهازية تشكل بحد ذاتها عقبى نحساء في وجه مستقبل أفضل ، وكذلك الأزمة الثقافية والتربوية ، المشخصة في عدم تحديد تصورات دقيقة ووازنة لمشروع ثقافي تربوي ، ينهي علاقاتنا بالمسالك والبرامج المستوردة ، وتلكم الأزمة الاقتصادية المجسدة في عجز الميزان التجاري الخارجي ، والديون المتراكمة ، والاقتصاد غير المنظم والريعي ، والقطاع الخدماتي الفج والمشاريع الاقتصادية الأهلية ، والدخول الفردية المزرية ارتباطا بالقوة الشرائية المعدمة للأساسيات والضروريات ، فأحرى بها من الكماليات ، والعقلية الباطرونية في المجال الاقتصادي في ارتباطها بالتفكير الاقتصادي والتنموي ، وانعدام إرادتها في خلق المشاريع الاستثمارية الكفيلة بالنهوض بالمغرب إلى مراتب الاقتصاديات المتقدمة ، والتهرب الضريبي النابع من الإحساس اللاوطني الوقح ، إضافة إلى التسويف والمماطلة في المعاملات الاقتصادية مع الإجهاز على الحقوق المترتبة عليهم من جهة المستخدمين والعاملين في القطاعات الاقتصادية ، نسف الاقتصاد الوطني بتزوير المستندات والوثائق بداخل المؤسسات المالية الوطنية وميزانيات الشأن العام والجماعات المحلية الترابية سواء محليا أو إقليميا أوجهويا ، وغير ذلك من تفشي سلوكات لا وطنية ولا حضارية في هذا المجال ، وتلكم مرة أخرى الأزمة الأخلاقية ، أقل ما يقال عنها ، إنها تعدم  إنسانية الإنسان وكرامته وشرفه وعرضه ، وازمات أخرى لا عد لها ولا حصر ؛ أزمة العمل الجمعوي ، الأزمة البيئية والقانونية ، التفكك الأسروي الذي ينعكس على الأجيال في التكوين والتربية النفسية ، أزمة البنيات التحتية التي لا تسعف في الدفع بالتطلعات والطموحات سواء في الرواج الاقتصادي أو في التواصل الثقافي و الاجتماعي ، أو الحد من الهجرة السلبية ، أو في خلق المشاريع الاقتصادية للقضاء على البطالة والفقر وكافة مظاهر التعطيل ، أو في الأمن الصحي ، وأزمة الإعلام و البحث العلمي أزمة مواطنة وحقوق أدمية ، أزمة عدالة وقضاء ، أزمة إدارة وغير ذلك .

    فمن داخل هذا كله ، هل تسعفنا العبارات والمقولات – من مثل التي مرت معنا – المتداولة في أوساط الجماهير الشعبية وفي غالبية المؤسسات على إيضاح الرؤية وإيجاد البدائل الممكنة والحلول الناجعة لتجاوز الأزمة الشمولية التي المغرب اليوم ؟

    فأول رفض في هذا المجال للوقوف على حقيقة مصائرنا ، هو رفض المقولات الخطابية السلبية والغيبية ومعادلاتها بإجراءات عملية إيجابية وهادفة ، مع المحاسبة والنقد لكل فعل وسلوك ، وامتلاك الأدوات العلمية لتحليل الواقع ودراسة إشكالياته والحسم معها حتى لا تبقى من مثل مقولات ” الله أعلم ” و” سير على الله ” عند الحديث عن البدائل ، ذات طبيعة خطابية تجريدية بشكل سلبي عند المساءلة والنقد للواقع في معادلة المحاسبة والنقد الذاتي والاجتماعي في علاقاتنا بسلوكنا اليومي بكافة تلاوينه وكيفيات اشتغالنا على جميع الأصعدة والمستويات ( في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة … ) ، ومن ناحية ما ، إن العلم الإلهي جل جلاله ، كان ولازال أزليا ، منذ أن خلق الله تعالى ووضع أركان هذا الكون ، وأرسى نواميسه وقوانينه بداخل منظوماته ، وأقدارنا الاجتماعية بكافة مستوياتها مرتبطة بمقومات النظام الاجتماعي بالمفهوم الشامل ، ولذا وجب على الإنسان المغربي إعادة النظر في ارتباطه مع كل المقولات المتداولة والخطابات الشائعة .

    وفي الأخير ، سؤال العمل والطرح البديلي ، سيبقيان ملازمين لنا نحن المغاربة وغيرنا على مر التاريخ ، انطلاقا من الحاضر ، وتختلف مستويات مقاربتهما وفق تصورات الكائن الإنساني لواقعه وكيفيات عمله واتخاذ قراراته على كافة الأصعدة والمجالات ، وحسب التخريجات والحلول لمعضلاته ، وترجمة رؤى ومشاريع مثقفيه ومفكريه على أرض الواقع ، مع التجريب العملي الهادف والوازن وتدارك الأخطاء وحالات السهو أو الإغفال ، في حينها ، لتجاوز إشكاليات أوضاعه ومثبطات العزائم والمقدرات .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.