الهدر المدرسي ـ مدرسة احرشين نموذجا ـ

إن الهدر المدرسي من المفاهيم الواسعة التي يصعب تحديدها نظرا لتعدد المسميات لنفس المفهوم و اختلاف الكتابات التربوية، و بالتالي الاختلاف في توظيف المفهوم. أحيانا نتحدث عن الهدر المدرسي و نعني به التسرب الذي يحصل في المسيرة الدراسية للتلميذ التي تتوقف في مرحلة معينة دون أن يستكمل دراسته، لكن نفس المفهوم ـ الهدر المدرسي ـ يرد الحديث عنه في كتابات البعض بالفشل الدراسي الذي يرتبط لدى أغلبهم بالتعثر الدراسي الموازي إجرائيا للتأخر.

وبشكل عام فالهدر المدرسي يقصد به انقطاع التلاميذ عن الدراسة كليا قبل إتمام مشوارهم الدراسي أو مغادرة الدراسة قبل إنهاء مرحلة معينة. و كيفما كان مفهوم هذه الظاهرة فيجب الاعتراف أننا أمام ظاهرة تؤرق المجتمعات العربية بشكل عام، والمجتمع المغربي خاصة، فهي تحمل كل مقومات الفشل الدراسي وشل حركة المجتمع و تقهقره عائدة به إلى عتمة الجهل و التخلف.

ويشكل الهدر المدرسي معضلة تربوية كبرى، لأنه يحول دون تطور أداء المنظومة التعليمية، خصوصا في العالم القروي، ويحدث نزيفا كبيرا في الموارد المادية و البشرية، و يؤثر سلبا على مردوديتها الداخلية. وطالما سمعنا من وسائل الإعلام الوطنية أن الوزارة المعنية قامت بتأسيس خلية يقظة وطنية لمواجهة ظاهرة الهدر المدرسي، لكن سرعان ما تلاشت ولم يبقى لها أي صدى، أو أن هذه الخلية تعمل فقط في العاصمة وما جاورها، فالعالم القروي الذي يعاني الويلات من جراء هذه الظاهرة بعيد كل البعد عن هذه المبادرات.

ومن هذا المنطلق تعاني مدرسة إحرشين المتواجدة بجماعة زاوية سيدي عبد القادر إقليم الحسيمة، كباقي المدارس بالعالم القروي من ظاهرة الهدر المدرسي بشكل يدعوا للقلق، لأسباب عدة يتداخل فيها ما هو ذاتي شخصي بما هو اجتماعي لينضاف إليه ما هو اقتصادي. دون إغفال ما للجانب التربوي من تأثير في هذه الظاهرة، فهذه المدرسة قبل أن نتحدث عن ظاهرة الهدر المدرسي التي لازمتها منذ تأسيسها، أود الإشارة فقط إلى أنها تعاني من نقص حاد إن لم نقول غياب تام لأدنى الشروط الضرورية التي تؤهل المتعلم لولوج المدرسة بمعارف ومهارات أولية وتؤهل المعلم لتقديم خدماته على أحسن وجه.

mplok

فالحديث عن الهدر المدرسي في محيطنا، لا نتحدث عن حالة أو حالتين وإنما الأمر يتعلق بأفواج من التلاميذ ذكورا وإناثا، الذين يغادرون المدرسة من جميع المستويات، وبالأخص عند انتهائهم من التعليم الابتدائي. ولعل من أهم أسباب الهدر المدرسي بمنطقة إحرشين نجد جغرافية المنطقة فمن المعروف أن جغرافية العالم القروي تتصف بالتشتت وصعوبة المسالك وبعد المؤسسات التعليمية عن الدواوير ناهيك عن وضعية هذه المؤسسات التي توجد في ظروف مأساوية تتطلب تعبئة اجتماعية وإرادة سياسية تعليمية فعالة ومتضامنة للوسط الذي ينشأ فيه الطفل في هذه المنطقة (دوار إحرشين) له هو الآخر تأثير على مستوى تحصيل الطفل و بالتالي استمراره أو توقفه عند مرحلة معينة من التدريس، فالأسرة التي يكون أفرادها أميين لا يعيرون اهتماما للعلم لا يتخرج منها في الغالب الأعم إلا أطفال يقنعون باليسير من العلم ما دام مثلهم الأعلى هذه حالته، بل الأبعد من ذلك الإدمان على المخدرات منذ الصغر، والسبب يعود لسوء التربية، فطالما تجد أب يرافقوه أبناءه إلى (المقاهي) حيث لعب القمار والمخدرات بشتى أنواعها وأشكالها ومرافقته لأماكن كان من المفترض أن لا يزورها هو وبالأحرى أبناءه.

mpl

ومن جانب آخر، تلعب العادات و التقاليد دورا هاما حيث نجد عائلات في هذه المنطقة لا تقبل على تعليم البنات. و في أحسن الأحوال فإنها تقبل على استكمالها مرحلة التعليم الابتدائي لتقف مسيرتها الدراسية عند هذا الحد، مادام بيت زوج المستقبل هو مآلها. فبمجرد أن تنتهي التلميذة من المرحلة الابتدائية يضطر الأب على إرغامها عن مغادرة الدراسة، نظرا من جهة لأميته وجهله بثقافة مواصلة الدراسة، ومن جهة أخرى بعد المؤسسات التعليمية من اعداديات وثانويات وانعدام دور الطالبات، حتى في حالة وجودها فتنعدم ثقة الأب في هذه المؤسسات. ففي بعض الأحيان تجد تلميذة متفوقة في دراستها وتحرز المراتب الأولى، لكن رغم ذلك تغادر الدراسة رغما عن أنفها، ورغما عن رغبتها الجامحة في مواصلة الدراسة للأسباب السالفة.

وقد يكون الفقر الذي قيل عنه أنه كاد أن يكون كفرا سببا في الانقطاع عن المدرسة، حيث ارتفاع تكاليف الدراسة من واجبات التسجيل و شراء الأدوات و الملابس… هذا بالإضافة إلى أن الأب قد يكون في حاجة إلى من يساعده في تحمل متاعب الحياة، ليكون أبنه هو الضحية فيزج به في عالم الشغل بدل البحث له عن مقعد داخل المدرسة. ونجد كذلك في محيطنا أيضا، أن الطفل عندما يبلغ من العمر 14 أو 15 سنة أو أقل من ذلك، فيرغم عن مغادرة الدراسة ومساعدة الأب في الحصول على لقمة العيش والتي تكون غالبا من القطاع الفلاحي، وخاصة مع وجود شركة غرس أشجار اللوز بالمنطقة في إطار ما يسمى بـ «المغرب الأخضر» فكثير من الحالات التي غادرت الدراسة والعمل مع هذه الشركة التي تقبل كل من هب ودب لتشغيله في هذا القطاع واستغلالهم أبشع الاستغلال، مخالفة بذلك كل النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية المنظمة لتشغيل الأحداث.

مدرسة

والتساؤل الذي يطرح نفسه في هذا الصدد، من المسؤول عن كل هذا الإقصاء الممنهج لأبناء هذه المنطقة؟ ربما الجواب عن هذا السؤال لا يحتاج لكثير من التوضيح، ان المسؤولية مسؤولية الجميع بدءا بأرباب الأسر مرورا على المجتمع المدني وصولا حتى أجهزة الدولة بكل مكوناتها، فالعالم القروي بهذا الوطن كله مقصي، لكن ليس بهذه العزلة القاتلة، فإنه كثير ما نجد مسؤولين يتحدثون عن فك العزلة عن العالم القروي، فأقول أنه مجرد ترهات لا أساس لها و وعود كاذبة ، فإنها تزيد الطين بلة كما يقال.

فالأسباب السالفة الذكر لا تكاد تكون إلا أسباب ثانوية ومكملة، فلعل السبب الرئيس في التخلى عن الدراسة بهذه المنطقة هو هشاشة البنية التحتية للمؤسسة، وغياب تام لأدنى شروط التعليم السليم، وخصوصا في فصل الشتاء التي تكون أقسام هذه المدرسة عبارة عن بحيرات، تضطر معها الأستاذة إلى إلقاء الدرس بساحة المدرسة، هذا فضلا عن الاكتضاض الذي تعاني منه المدرسة التي لا تتوفر سوى على ثلاثة أقسام لستة مستويات، أحدهما يكون غير صالح في فصل الشتاء، أما القسم الثالث فلا حديث عنه، فإنه خراب في خراب. لا يصلح حتى ليكون حظيرة للمواشي أو بالأحرى قسم للدراسة.

lp

فالصور غنية عن كل تعليق وتوضيح، لذا مطالبتنا واضحة وضوح الشمس بالتدخل العاجل لإعادة هيكلة بناية هذه المدرسة وإدخال إصلاحات جذرية عليها، من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه حتى نتجنب سقوط هذه المدرسة على رؤوس أبناء هذه المنطقة.

طالب باحث

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.