النوستالجيا .. الهجرة وأوجه التواصل

أهتم بالسرد باللغة العربية وهو يهتم بالشعر الريفي بالريفية. يجمعنا حب الكتابة ونادرا ما نلتقي أنا وإياه. عوالمنا تختلف كثيرا، لكن كلما أراه أو يراني إلا ونجد أنفسنا مضطرين بتلقائية غريبة ان نسرق بعض الدقائق من وقتنا لنحكي لبعضنا البعض طرائف من ماضينا المشترك. فنقيم للنوستالجيا التي تعترينا وتأخذ بنا، حفلة متواضعة يعيد الشوق فيها هبته ويستكين الألم في حميميتها.

– كنت صبيا وكنت أنا الوحيد ممن دخلوا المدرسة من قريتي. كنت آنذاك كاتبا وقارئ رسائل. حتى الفقيه الذي علمني حفظ القرآن في صغري كان يطلب مني أن أكتب رسائله. كل الرسائل كانت تعرف وجهة وحيدة، الخارج (أوروبا)، وأنا كنت حافظا لأسرارها التي تكتنزها الحروف داخل كل تلك الأظرفة. أتذكر أبي حين كان يزورنا. كان يطلب مني دائما أن أرافقه الى السوق الاسبوعي. حتى وإن لم يكن له أي غرض يقضيه من هناك. كان يكفيه أن يكون شخصه محط اهتمام الكثيرين وبجنبه ابنه المتخصص في الرسائل. كنت في اليوم أقرأ عشرات الرسائل وأكتب أكثر من عشرين رسالة. نصفها الأكبر رسميات: ‘باسم الله’ ، ‘الحمد لله’ ، ‘أنا بخير وعلى خير ولا يخصني إلا ملاقاتكم في وقت سعيدة’ ، ‘… لا يخصني إلا رؤية وجهكم العزيز’ ، ‘ أما بعد فأريد أن أخبركم بأن حالتي سيئة وأحتاج… وأطلب، وأطلب، وأطلب’.

الرسالة كانت بالنسبة للكثيرين لعنة أكثر من رحمة. فهي لا توصل الأخبار كما نريدها. دائما تحتاج الى جهد في البحث عن عنوان، عن وسيط، كاتبا كان أو قارئا، هنا أو هناك في الضفة الأخرى خلف البحر. دائما نحتاج الى جهد كبير لنوصل الخبر وطلباتنا دون أن ينكشف سرنا كليا أمام قارئها وكاتبها لنا. أعرف شخصا استطاع أن يلغى الوساطة كليا رغم أنه كان أميا. كان يرسل رسائل بطلباته دون كلمات. يشترى ظرفا ويطلب من صاحب المتجر عند تسديد ثمنه أن يكتب عليه العنوان الذي رسم بحروف مختلفة الحجم على ورقة يحملها في يده. يخرج من جيبه الأيمن بضعة خيوط رفيعة ومختلفة الطول. يحصيها عدة مرات، واحدة واحدة . حين يتأكد من عددها يضعها في الظرف. يغلقه بلحسة طويلة ومتأنية من لسانه ويتجه بالظرف إلى مكتب البريد. قصة الخيوط سأفهمها لاحقا حين جاء خال إلينا ليقيس أقدامنا. استعمل لونين لكي يتم التمييز بين الذكور والإناث. لقد حصلنا عند زيارة أبي اللاحقة على أحذية تناسب مقاسنا.

في الوقت الذي كانت الرسائل علامة من علامات الاغتراب وتسهم في الحد من استقلالية الأفراد والعائلات، جاء اكتساح مسجل الكاسيط كتحرير للكثيرين من هذه الحالة. أن تسمع صوت كل العائلة، وأن يخبروك عن كل صغيرة وكبيرة سألت عنها في الكاسيط الاخيرة، كان شيئا آخر، من فصيلة أخرى. وكان الرجال يسألون على كل شيء، عن البقرة وهل أنجبت؟ عن مولودها إن كان ذكرا أم أنثى، كيف هو مذاق حليبها ، لبنها، كم من الدهن يستخرج منه، هل هيأت تربة (شقت وقلبت) شجرة كذا؟ وماذا فعلتم بذلك العليق؟ من حضر معكم في عرسكم، ماذا أكلتم؟ من تزوج من القرية، أي نبع يغدق عليكم بمائه، أي نبع جف؟.

أسئلة كثيرة تدل على تعلق الرجل المهاجر بتربة وطنه وكل ما يسكنها ويتحرك فوقها، وعالم الكاسيط كان أكبر من عالم الرسالة. عالم الصوت كان أغنى من عالم الحرف الذي لم يكن تمتلكه الأغلبية منا وقتذاك.

لقد استطاعت الكاسيط أن تحيي من جديد ارتباطاتنا وتحرك مشاعرنا  لتربط الحنين بالحاضر وتعطي له وجها آخر مفعما بالحياة.

*****

تحكي لنا الأساطير الريفية القديمة كيف يتعامل الأقارب مع مهاجر منهم وكيف يستشفون أخباره من البعيد المجهول عبر غرس نبتة أو شجرة وكيف يجعلون هذه النبتة يسكنها روح المهاجر في عملية تشبه التبني بطقوسه المختلفة، فتشارك النبتة مصير المهاجر ويتوحدان. إن نمت يافعة وأزهرت فسيكون المهاجر حتما في حالة جيدة وسعيدة، وإن ذبلت أو ماتت فأكيد أن المهاجر يكون قد أصابته مصيبة.

من غرس النبتة، إلى بعث الرسالة ومنها إلى الاستماع إلى الكاسيط  … يتكون وجه علاقاتنا في نوستالجيا تعيد إنتاج نفسها في ذكرياتنا وخارجها.

يحكي أبو صديقي الذي يُحسب من المهاجرين الأولين الذي أتوا إلى الديار الأوروبية في بداية الستينات من القرن الماضي:

– الكاسيط كانت رحمة، لولاها لصرت أصما وأبكما. لم أكن أجد أحدا أتكلم معه لغتي أو أسمعها منه، اعمل مع الهولنديين وأسكن معهم وأنا لا أفهم لغتهم وهم لا يفهمون لغتي. الكاسيط كان لي أكثر من حاو للأصوات والأخبار. كنت كلما عدت مساء إلى منزلي إلا وأنصت لنفس الكاسيط عدة مرات، الى أن اتصل بكاسيط أخرى وبأخبار جديدة.

أول كاسيط مسجل أرسله أبي إلينا كان في أواخر السبعينات وجعلني أفكر في الأساطير القديمة. أتذكر الكاسيط جيدا لأن أبي وصف لنا بالريفية وبدقة كبيرة كيف يتنقل المهاجرون في المدينة الكبيرة مشيا دون أن يتيهوا ويفقدوا الطريق. كان الواحد يضع على كل الطريق إلى المنزل علامات من ملح. الآخر يضع علامات بالصباغة أو بقطع ثوب مربوطة حول غصينات شجر، والآخر يكتفي بحجيرات صغيرة .. فيقطعون عند العودة كل المسافة، من علامة إلى علامة وأنا أتنقل في عمودي من نص إلى نص. من ألم إلى أمل، من شوك إلى شوق، من فكرة إلى تجربة الى ذكرى، في اختبار لدواخلنا عبر تسليط ضوء خافت على الحنين والنوستالجيا.

 وصديقي الشاعر، ماذا عنه؟ أين قصته؟

النص قد انتهى وأنا أشكره على الإطلالة على الحنين من خلال شرفة حديثه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.