النهوض باللغة الأمازيغية في المغرب بين مهزلة الإحصاء و تقاعس تنظيمات الحركة في تدريسها

أكيد هو مستفز الإحصاء المرتقب في شهر شتنبر المقبل من هذه السنة (2014)، مستفز بسؤال مقحم، كحشو في نص أدبي، ليست له جمالية أو ضرورة، بل هو فقط إقحام في غير محله.

ما أثأر حفيظة الأمازيغ في المغرب من هذا الإحصاء، هو إدراج سؤال متعلق بمدى تمكن الساكنة من كتابة و قراءة الأمازيغية بحرف “تيفناغ”.

هذا السؤال في الواقع، ما جاء إلا لغرض في نفس يعقوب أو ربما، هو كلمة حق يراد بها باطل. فالكل يعرف مدى التراجع الرهيب الذي آل إليه تدريس اللغة الأمازيغية و الذي أصلا لم يشمل كل المؤسسات التعليمية الوطنية ولا كل المستويات الدراسية. سياسة تدريس اللغة الأمازيغية بهذه الطريقة العرجاء، كانت بدأت مع حكومة حزب الاستقلال الأخيرة، و رغم أنها لم تكن موسعة، إلا أنها أظهرت نتائج مشجعة في المؤسسات التي شملها هذا البرنامج التعليمي و لاقت إقبالا من طرف التلاميذ الذين توافقوا على سهولة تعلم حرف “تيفيناغ”. إلا أن الوضع تخلف أكثر مما كان عليه مع قدوم حكومة العدالة و التنمية، إذ لاحظنا تراجعا على مستوى مكتسب اللغة الأمازيغية و رغم إدراجها كلغة رسمية في الدستور و رغم اعتمادها حرف “تيفيناغ” بقرار ملكي، إلا أنها عرفت تراجعا خطيرا على مستوى التعليم، بدعوى قلة الأطر، رغم أن خريجي الدراسات الأمازيغية العليا، معطلون و معتصمون من دون شغل.

المرمى من خلال كل ما تقدم، هو كيف يعقل أن نسأل المغاربة في إحصاء وطني، عن مدى معرفتهم بحرف “تيفيناغ” و قراءتهم له، في حين كلنا تحت هذه الشمس، نعلم أنهم لم يدرسوا اللغة الأمازيغية و أن فئة قليلة فقط، تمكنت من دراستها في الصفوف الابتدائية و من دون استمرارية و كانوا من فئة الأطفال، و أن كبار السن لم يتلقوا تعليما أبدا في هذه اللغة أو حرفها، فكيف نسأل شعبا عن شيء لا دراية له به و نحن نعلم فعلا أنه لا دراية له به حقا؟!

هل هذا مثلا، من باب إفشال مخطط أُمةٍ ما فقط عنادا أو كرها فيه؟ كلنا و من الآن نتوقع نتائج هذا الإحصاء، إذ أكيد ستكون أقل بكثيييييير من المتوسط، لأننا إذا كنا موضوعيين، سنعرف أن الفئة المثقفة و المناضلة هي التي تتقن هذا الحرف، إضافة إلى نسبة ضئيلة من التلاميذ الذين درسوه في المستوى الابتدائي، مع العلم أن المغاربة ليسوا فقط من هذه الفئات الثلاث. هذا هو الكلام الحق الذي يراد به باطل؛ نتائج الإحصاء أكيد ستكون واقعية، إلا أن هذا السؤال أصلا ما كان ينبغي أن يكون له وجود، لأن أرضيته غير متوفرة البتة و لأن الغرض منه هو التراجع عن تبني حرف “تيفيناغ” و تعويضه بالحرف العربي، كأن الأمازيغية لقيطة لا حرف لها!

عرفنا الآن مأرب واضعي هذا السؤال في الإحصاء المرتقب و اكتشفنا مدى خبث خططهم و فساد نواياهم اتجاه اللغة الأمازيغية و حرفها، لكن، فلنقف برهة و لنتساءل في صمت أو حتى بأعلى صوت : لماذا المغاربة لا يتقنون لغتهم الأم، مع العلم أننا غالبية أمازيغية؟

أكيد تعريب المغرب و اعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية هو أساس فتور تداول اللغة الأمازيغية عبر أجيال في محاولة لمحوها، و لكن دعونا ننظر بالمقابل في نوايا الجانب الآخر في المواجهة، و هو الجانب الأمازيغي “المثقف” الذي أخذ على عاتقة مسؤولية النضال في البداية و الذي أصبح يعرف فيما بعد “بالنخبة”. سنطرح كمدخل، تجربة يقتدى بها من حيث مدى غيرة الشعوب على لغتها و ماذا يبدلون حتى ترتقي و تظل حية. فمثال الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية لهو مثال رائع و قوي، السكان الأصليون في هذه الجهة أغلبهم هُجِّرَ أو هاجر و أبناؤهم جاليات في الدياسبورا. الهنود الحمر فطنوا لخطر اندثار لغتهم، فبدؤوا يُحيون تاريخهم من خلال أنشطة متعددة، محليا وخارجيا، و الأجمل منه القيام بحملات جادة و على أوسع نطاق لتعليم لغتهم للأجيال الصاعدة و زرع حبها في قلوبهم، فيقومون بتنظيم دورات تدريبية محلية، يدعون لها كل جالياتهم، يُعرفونهم على تاريخهم و يدرسونهم لغة أسلافهم، لأنهم واعون فعلا بأن موت الشعب هو من موت اللغة.

نحن الأمازيغ في المغرب واعون بهذه الخلاصة التي تحبس الأنفاس، لكن و جِديا، ماذا فعلنا حتى يُتقن المغاربة لغة أسلافهم؟ النضال في الحقل الأمازيغي بدأ منذ الاستقلال و تقوى في العشرية الأخيرة بشكل ملحوظ، لكن أية برامج وُضعت من قِبل الفئة المثقفة و النخبة و الجهات الرائدة في النضال من أجل الهوية، حتى ننعش اللغة الأمازيغية و حتى يتقنها كل أمازيغي مُعرب؟؟ كأمازيغية مُعربة، لا أذكر الشيء الكثير، باستثناء برامج محلية مصغرة لبعض الجمعيات التي تقدم دروسا موسمية خصوصا في حرف “تيفيناغ”، لا اللغة.

أتذكر جيدا يوم سألني أحد النشطاء الأمازيغ عن سبب جهلي بلغة أمي و والدي، حينها أخبرته بأني معربة رغما عني منذ النشأة و كل محيطي معرب و أضفت أني رغبت كثيرا في تعلمها إلا أني لم أجد أية جهة حينها تعطي دروسا، فقط معهد خاص و كانت تسعيرته باهظة، فرد علي و من دون تردد : ” كيف تريدين تعلم اللغة الأمازيغية مجانا و نحن صرفنا نقودنا كي ندرسها في الجامعة؟” .. صدمني هذا القول! إلا أنه كان بمثابة استنتاج كبير عن سبب تزايد الأمازيغ المُعربين، عوض تمزيغهم من جديد حفاظا على لغتهم الأصل.

جواب ذاك الناشط أكد لي أن مسألة النضال ليست بريئة خالصة و ليست دائما من أجل الصالح العام للهوية الأمازيغية و النهوض بلغتها و إحياء حبها و حروفها في قلوب أبنائها الذين جهلوها رغما عنهم لظروف اجتماعية معينة، و لكن النضال كان من وراء أديرة متعالية، النخبة فيها لا تلتقي بالشعب، و ما تعلَّمَتْهُ لا يمكن أن تُقدمه على طبق من فضة و مجانا لأبناء الشعب .. اللهم إن بدا الوعي بهذا الشرخ مؤخرا، آملين أن يُتدارك الوضع.

هذا هو بيت القصيد و هذا هو مربط الفرس؛ لو كانت للمناضل الأمازيغي هذه الغيرة الفعلية على لغته، لو لم يكن لديه هذا الحس الأناني ببقائه متميزا و متفردا بين العامة، لكنا تقدمنا أشواطا دون الحاجة إلى برامج أو مراسيم من الدولة تُمليها علينا، و لما ضلت اللغة الأمازيغية غريبة، يسخر منها البعض و يضعها تحت الاختبار المجاني و الاعتباطي، في محاولة منه طمسها أكثر مما هي عليه اليوم.

أقول هذا و أوضح ختاما أن لائحة الأسئلة المخصصة لإحصاء شهر شتنبر 2014، مازالت قيد المراجعة و الدراسة من طرف مختلف الجهات المعنية، مما يعني أن باب تعديل بعضها وارد، حيث ستصدر اللائحة النهائية مع بداية شهر شتنبر. هذا يفسح لنا المجال، كحركة أمازيغية، للتكاثل أكثر و في حس نضالي راقي، كي نبرز مدى التجاوز و الحيف الذي يرسخ له هذا السؤال حول استعمال حرف “تيفيناغ”، على أمل أن تتغير الأمور لما فيه الصالح العام لهذا الوطن من دون ميز أو إقصاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.