النضال في المغرب، بين الانتقائية والاسترزاق

النضال بيت شاسع وواسع، وله أبواب وشعب متعددة تلتقي كلها في إحقاق الحق والدفاع عنه وإبطال الظلم والحيف والفساد وفضحه. ومن ثم فالمناضل يقف دائما في صف المظلوم بغض النظر عن هويته.

النضال من حيث الشكل نوعان: نضال تطالب فيه بحق من حقوقك أو حق مشترك مع فئة معينة أو مجتمع بأكمله، ونضال تطالب فيه بحقوق تهم الجميع حتى ولو لم تكن متضررا. فمثلا أن ترى الظلم يلحق شخصا أو فئة دون أن تحرك ساكنا رغم أنك تستطيع أن تدفع عنهم هذا الحيف فأنت حينئذ تدخل في دائرة الشيطان الأخرس. وعندما يكثر المناضلون من الصنف الثاني يصبح المجتمع بخير ويتخلص من أنانيته. ومن لا يستطيع أن يطالب بحقه لن يتجرأ للمطالبة بحقوق الآخرين عملا بالمثل المغربي : “كون الخوخ يداوي كون داوا راسو”. فتعلم أولا أن تطالب بحقوقك وناضل من أجلها.

فمثلا يجب على الأستاذ أن يدافع عن حق التلاميذ في ظروف تعليم جيدة وأن يمتنع عن مزاولة مهنته في ظل الإكتظاظ ، أو ظرف يحول بين هؤلاء الأبرياء و بين بناء مستقبلهم. أجزم بأن الأمر يستدعي تنسيقا مسبقا وتنظيما، لكن النضال من أجل هذه النقاط بإمكانه أيضا أن يوفر ظروفا أحسن بكثير للأساتذة حتى يستطيعوا أداء مهامهم بضمير مرتاح وبجودة أكثر…فالنضال من أجل الآخرين لا يأتي إلا بخير.

منطق، ” تفوتني وتجي فين ما بغات ” و”أنا ومن بعدي الطوفان” هو الذي أوصلنا لما نحن عليه، فضاعت الحقوق بكل أنواعها، فردية وجماعية، لأن التضامن مع الغير نضال، ونصرة قضيته العادلة حق من حقوق المواطنة…فحق المواطن على المواطن أن يقف معه في قضاياه العادلة وأن ينصره حتى يحصل على حقه كاملا غير منقوص…

المتتبع للنضال في المغرب سيلاحظ أن النضال أصبح طبقيا وانتقائيا، فالتضامن مثلا مع الصحافي القدير أنوزلا ليس بحجم التضامن مع الصحافي مصطفى الحسناوي، نفس الشيء يمكن ملاحظته في ملفات وقضايا المعتقلين السياسيين، فإن كان الشخص الضحية من قبيلتنا نعد العدة لنصرته، وإن كان من غير قبيلتنا أو من إديولوجية أخرى غير التي نتبنى، نكتفي بإصدار بلاغ أو دباجة بيان تضامني ونوزعه على المواقع الإلكترونية وكفى الله المناضلين شر النضال. حتى التضامن مع القضايا العالمية الإنسانية نتعامل معها بمنطق القبلية والإديولوجي، حتى أن بعض الهيئات تتعامل بمنطق الربح والخسارة في نضالها مع بعض القضايا والملفات. نحتاج حقا إلى مناضلين بالمعنى الكلاسيكي المتداول للمفهوم، لكن نحتاج بالأساس إلى اقتحام الشرفاء خاصة الشباب منهم لمهن التعليم والصحافة والإدارة العمومية والقضاء وكل المجالات الحيوية لخلق توازن بين المصلحين والمفسدين…فالمعركة ضد الفساد لها عدة واجهات وجبهات، إعلامية واقتصادية وثقافية…ومن المفيد جدا أن نجد مناضلين قادرين على الإصلاح ومحاربة الفساد كل حسب موقعه ومنصبه خاصة في الفئات المتعلمة التي تريد الخير للوطن…أي أننا نحتاج إلى معلم مناضل وأستاذ مناضل وطبيب مناضل ومهندس مناضل وعامل مناضل وفلاح مناضل وصحافي مناضل…

في النضال، نحتاج إلى من يضحي بوقته دون الركض لاهثا وراء جمع المال والترقية والمنصب الأعلى، حتى لا يكون فريسة في يد المتربصين…فالنضال ليس مهنة أو حرفة يؤكل الخبز منها أو يسترزق منها، بل هو تضحية وعطاء. فلا تنتظر منه إلا المشاكل و”صداع الرأس”… فإذا أنت تستطيع أن تتحملها فواصل، وإذا أنت لا تستطع، فاعتزل لأن النضال أكبر من ذلك…

أيها الناس،

إنما النضال بالنيات ولكل مناضل ما نوى، فمن كان نضاله من أجل الحرية والكرامة والعدالة لشعبنا ووطننا العزيزين فنضاله من أجل ذلك، ومن كان نضاله من أجل وظيفة يتحصل عليها أو منصب يأكل منه خبزا فنضاله إلى ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.