النضالُ القـــــذِر

مازالت حكاوي والدي عن فترة المقاومة في المغرب إبان الاحتلال الفرنسي، و عن انضمامه لجماعة “اليد السوداء”، مازالت راسخة في مخيلتي كما لو أنها قصص مصورة، أو من وحي خيال كاتب سيناريو لفلم تلفزيوني.
كنت مازلت صغيرة و عقلي الطفولي لم يستوعب حينها مدى رمزية تجربته تلك و مدى أهمية الدروس المستخلصة منها. و لكن و بعد كل هذا العمر، أراني متشبعة بمبادئ شربتها منه، ترسخت في لاوعيي، و أحمد الله على أنها كانت جزءا من تكوين شخصيتي.
كما الأمس القريب، أذكر يوم أخبرنا أنه، و بعد عودة السلطان محمد الخامس، حيث فتحت حينها أبواب التسجيل في لوائح المقاومين حتى يتم تعويضهم و منحهم بطاقة “مقاوم”. مازلت أذكر كيف أخبرنا بعنفوان رفضه التسجيل، لأنه رأى أن كل من هب و دب استغل تلك الفرصة، رغم أن البعض لم تكن لهم علاقة بالمقاومة، بل منهم من كانوا جواسيس و خونة و عملاء، أو كانوا جبناء… كل هذه الفئات تقدمت لتدلي بشهادات زور عن مسارها النضالي المتَخَيَّل، و تم بالفعل تسجيلهم و منحوا فيما بعد البطاقة الشهيرة!
بسبب هؤلاء، رفض والدي رحمه الله، وضع اسمه إلى جانب أسماء اعتبرها عارا على الاستقلال، و أبى أن يوضع في نفس خانتهم .
توفي أبي الآن و منذ أن كنت طفلة، لكن كلماته ظلت أبدا في بالي و بداخلي، لم أعيها إلا و أنا كبيرة و من خلال مواقف لي في الحياة.
لم أغنم بالعيش في كنفه طويلا، لكن مساره النضالي رسخ لدي قيم إنسانية و أخلاقية لم أتعلمها في المدرسة، قيم أجدها تحضرني اليوم أكثر من ذي قبل، حيث هذا التخبط الذي تعيشه الحركة الأمازيغية و كل هذا الشد و الجدب، مرة من أجل النهوض بهويتنا و مرة من أجل الركوب عليها لأغراض شخصية.

غريب كيف كان نضال والدي و رفاقه ممن أذكر; خالي “بيهي”، عمي “ابن صالح”، عمي “علي المناضل”، .. كيف كان نضالهم من أجل استقلال البلد و فقط، دون التفكير في المردود و المكسب، رغم أن عمي “ابن صالح” فقدَ إحدى عينيه جراء رصاصة من المستعمر. كان جهدهم و تفانيهم في خدمة قضية الوطن على حساب راحة أسرهم، كان الخطر يتهددهم و كانوا يفرون دائما تاركين زوجاتهم و أطفالهم بمفردهم. كان كل شيء يهون في سبيل تحرير الوطن…
و غريب كيف نرى اليوم من يناضل من أجل ظهور صورته في الإعلام، أو من أجل تصريح لجريدة، أو من أجل منصب أو أجرة شهرية، أو من أجل خلق التفرقة في صفوف الحركة الأمازيغية، حتى يظهر الأمازيغ على أنهم فئة متطرفة، متعصبة، إقسائية، صهيونية.. و ما إلى ذلك من كل التهم التي تجعلنا نرجع عشر خطوات للوراء، بينما نتقدم فقط خطوة واحدة للأمام!
القضية الأمازيغية هي قضية شعب بأكمله، كل المغاربة معنيون بها، صحيح “ما حك جلدك مثل ظفرك”، بمعنى أننا الأمازيغ أجدر و أولى بالنضال في سبيلها، لأننا كقومية نعيش الحيف اللغوي و الحقوقي فوق أرضنا، لكن هذا لن يكون سببا في إقصائنا للآخر و تطبيق سياسة الكيل بمكيالين، و كذلك لا يجب أن نسمح بتسخير قضيتنا من أجل أهداف مادية فردية قد تجعل من الوسيلة مبررا للغاية. هذا و للأسف ما أصبح عليه بعض المناضلين و النشطاء، حيث صارت القضية ساحة للجدال العقيم و الصراعات الكتلية، و المضاربات الفكرية، و الكل يشعر أن بساط الحركة ينسل من تحت الأقدام، و لا من يرفع نقطة نظام أو وقتا مستقطعا من أجل الوقوف على لماذا و كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم في تَشَيُّعٍ و توجهات متضاربة، رغم أن الكل ينادي “أمازيغيتي أولا و أخيرا”.
هناك خلل، أكيد أخلاقي، فلو انطلق كل شخص من نفسه إيمانا منه بالعطاء فقط من أجل النهوض بهويتنا بعيدا عن أي نرجسية إعلامية، أو منصب وُعِدَ به، .. لو كنا نستحضر القيم الإنسانية في نضالنا، لكنا قطعنا أشواطا في المكتسبات و لما ضيعنا جهودنا في تصيد أخطاء بعضنا البعض أو خلق أعداء لنا هدفهم التفرقة و محو كل ما هم أمازيغي من على سطح الأرض!
لابد أن تكون لنا وقفة مراجعة و إعادة حسابات، إذ الوضعية الراهنة لا تبشر بالخير، و كلُّ تعنثٍ أو عناد لن يزيد قضيتنا إلا خُسرانا.
ليس من العيب الخطأ، و كن ما هو أفظع منه هو التمادي فيه و نكرانه و ضرب عرض الحائط بالانتقادات الموجهة إلينا، و كأننا الأبلغ حكمة، و الأرجح عقلا، و الأكثر خبرة، و ما سوانا إلا أطفال على طريق النضال لا يفقهون فيه حرفا!
هذا هو النضال القذِر، حيث تضيع هوية شعب بين أهداف شخصية و أطماع حزبية و إيديولوجيات فردية، بعيدا عن كل ضمير إنساني و وازع خلقي من المفروض أن يجعلنا يدا واحدة، لا مجموعة أصابع الواحد مختلف عن الآخر.
فللنظر إلى ذواتتا من دون نفاق و لنحاول أن لا نخسر أنفسنا من أجل مكسب مادي زائل، و لنتذكر أن التاريخ يسجل القذارة أكثر من النجاحات، وليقرر كل منا أي صفحة سيوقع بين دفتيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.