المهنية الصحفية بين الضعفاء والملوك

في ظل هذا الخواء المريع الذي يعرفه فضاء النقاش العمومي كان من الضروري أن تظهر قضية اسمها الدكتورة رجاء غانمي، وأن يشتعل الفايسبوك، وتلتهب الجرائد الالكترونية والورقية، مرة بعد اعتقاد الجميع أن السيدة فازت بجائزة أحسن طبيبة عربية، اذ حتى الدولة اعتقدت ذلك، فنشرت صورة لها مع وزير الثقافة والذي ليس سوى قريبها، ثم مع الوالية زينب العدوي لأنها ربما امرأة مثلها وأخيرا توصلها برسالة تهنئة من الديوان الملكي بهذا الانجاز العظيم… التهب الفايسبوك والمواقع الاخبارية مرة أخرى حين سرب أحدهم للصحافة خبر خواء هذه الجائزة من أي قيمة علمية، وكون الدكتورة رجاء غانمي ليست سوى طبيبة عامة، تمكنت بقدرة قادر أن تلتحق بصندوق منظمات الاحتياط الاجتماعي كموظفة أكثر منها طبيبة، وانه لولا قدرة قادر تلك، لكانت قد افتتحت لها عيادة في أحد الهوامش، ولكانت بصدد تحرير روشيتات لمرضى لا تخرج عن وصف دوليبران وبيتادين، وحين يستعصي عليها الأمر، تكتب جوابا لزميلها الطبيب الاختصاصي في مرض من الأمراض….
فورة المواقع الاجتماعية وفورة الانترنيت اتخذت منحانين:
الاول انتقاد نجاعة وفعالية الديوان الملكي والذي زج بالملك في مقلب برقية التهنئة، وهذا المنحى يبدو على حق ومنطقي، وأن هناك ضرورة لاعادة النظر في طرق تدبير هذا الجانب الرمزي، الخاص بتقدير الدولة، عبر الاشارات الملكية، لما يقع من أمور مهمة في البلد:
تبعث التهنئات لمن لا يستحقونها، وتحجب ضد البارزين الحقيقيين، ولنا في حالة المناضلة خديجة الرياضي خير مثال على ذلك، التي صمت الديوان عن تهنئتها وهي تفوز بتتويج عالمي ومن جمعية الامم المتحدة…. مثل التهاني مثل التعازي، إذ فقد المغرب الكثير من رجالاته الذين ساهموا في اثراء رأسماله الرمزي ولم تتوصل عائلاتهم بالتعازي ولا بالمواساة، لنا في الدكتور ادريس بنعلي خير مثال على ذلك….
الثاني هو إعمال مبضع الانتقاد ضد الدكتورة رجاء غانمي، حيث تمت مؤاخذتها على فرحها بهذا التتويج، وهي مؤاخذة إن كانت محقة في بعض جوانبها، إلا أنه لا يمكن تحميلها كل المسؤولية في ذلك… السيدة شاركت في منافسة من تنظيم جهة ما، شركة لبيع الحلويات أو حتى منظمة لتأطير النكافات، لا يهم… وفازت في هذه المسابقة… يؤاخذونها على تبرجها الاعلامي واحتفاءها بذاتها وهم بذلك يساهمون في ذات الاحتفاء وذات التبرج…
الوجه الكريه للقضية هو المجهود الخرافي الذي تم بذله في تسفيه انجازها، خاصة عبر موقعين الكترونيين 360 واحداث انفو، إذ تم البحث في سيرتها وفي سيرة الشركة التي نظمت المسابقة وفي طرق التصويت، وهو بحث محمود لو كان معمولا به في كل الحالات ويلتزم بالضوابط المهنية للتحريات والتحقيقات الصحفية، لكن والحالة أنه محكوم بالكثير من الحسابات السياسية الصغيرة، وبدرجة عالية من الانبطاح والخوف، فهو يغذو بالفعل كريه وممجوج…
لم يبحث موقع 360 ولا احداث أنفو مثلا في قضية تبويئ الملك مرتبة الزعيم السياسي الأكثر تأثيرا في العالم من طرف المجلس الدولي لحقوق الانسان والتحكيم والدراسات الاستراتجية والذي لا يعرف مقر له ولا من هم وراءه، رغم أن طرق التصويت فيه تشبه إلى حد ما طرق تصويت الشركة صاحبة قضية الدكتورة غانمي رجاء والمعتمدة على الفايسبوك وعلى الرسائل النصية الهاتفية، هذا دون الاخذ بعين الاعتبار بأن شخص الملك، وإن كان هو الأكثر تأثيرا في المغرب نظرا لهيمنته السياسية والاقتصادية، فإنه من الجنون الاعتقاد أنه هو الأكثر تأثيرا على مستوى العالم في وجود الرئيس الأمريكي اوباما، والروسي فلاديمير بوتين، والألمانية ميركل، وأبو بكر البغدادي وزعماء اسرائيل وجنيرالات الحزائر…
طبعا لم تجرء هذه المواقع على هذا النبش، بل في اشارة لمدير نشر جريدة الاحداث، صاحبة موقع احداث انفو، صرح أن خبر لاقيمة الجائزة كان بحوزة مدير مكتبها بالرباط منذ اربعة أيام، ولم ينشروه ليس سلوكا للتحري والمهنية كما يدعي، بل لعدم الاصطدام مع اشارة ملكية تمثلت في التهنئة التي بعثت إليها…. لم ينهشوا في لحم الدكتورة حتى فجرها منافسيهم في “المهنية الصحفية” التي تجهز على الضعفاء وتستثني الملوك….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.