المنـافـقـون

سيظل يوم 13 نوفمبر محفورا في الذاكرة الإنسانية لا في ذاكرة الفرنسيين فحسب كشاهد على أن الأنظمة الفاشية في كل زمان ومكان لا حدود لدمويتها وعنفها الأعمى مهما اختلفت أيديولوجياتها وجنسياتها، وفي الوقت نفسه فإنها آيلة إلى الانقراض كما كان الأمر بالنسبة للنازية والفاشية، لأنها لا تغدوا أن تكون نقطة سوداء في رحلة الإنسان الأبدية نحو التحرر من كل أشكال القهر والعبودية المفروضة على الإنسان من لدن الإنسان في مجال التعارض والصراع بين المصالح الطبقية.

ولا شك في أن ليلة 13 نوفمبر المرعبة في باريس قد تقطعت لها الأنفاس ووزعت الرعب بشكل عادل بين القلوب في أنحاء العالم المؤمن حقا – لا نفاقا – بالسلم العالمي بين الشعوب، وبالمواثيق والمعاهدات الدولية التي تخص حرية الشعوب واستقلالها، وكذا حقوق الإنسان المخترقة يوميا من لدن الدول “العظمى” التي سطرت في يوم ما “ميثاق حقوق الإنسان”، وشرعت حق الشعوب في تقرير المصير، ولكن هذه الدول ما انفكت تهيمن على كثير من دول الجنوب سياسيا واقتصاديا وتتدخل أحيانا عسكريا لحماية أنظمة صناعة التخلف حفاظا على مصالحها.

وما هي الحصيلة؟ الحصيلة دفن شعار الثورة الفرنسية الخالد: الإخاء والحرية والمساواة. ويبدوا أن الشعوب وحدها وفي القارات كلها هي التي توحدت أمام جملة من المخاطر الكبرى التي أصبحت شاخصة لكل ذي عين عاقل بدء بتدمير محيطنا الأرضي وانتهاء بالداعشية التي هي الحلقة الأضعف في هذا المسلسل الكارثي على الرغم من أن الإعلام الدولي الذي أمعن في النفخ في خطورتها بغية تحويل الأنظار عن ادراك الأسباب الحقيقية لظهورها وعن معرفة صانعيها ومموليها وعن قادة هذا التنظيم الذي يبدو كالشبح يظهر ويختفي، يظهر بفعل التدمير الذي لا يستثني أحدا وحتى الديانات، ويختفي – وهنا يكمن احد أوجه النفاق السياسي، حينما توجه الأنظار بفعل الآلة الإعلامية المتطورة كما ونوعا في الغرب على وجه الخصوص – نحو النتائج الكارثية (أي الإرهابية) وفصلها عن الأسباب، بمعنى أن الإجرام الداعشي الذي ولد عملاقا في رمشة عين استدعى حلفا دوليا من أكثر من 60 دولة ومع ذلك لا زال هذا التنظيم يعيث في الأرض  خرابا وتدميرا.

أقول أن هذا الإجرام لا يمكن أن يكون معزولا عن سياسة لعبة الأمم التي يطبعها النفاق وانعدام الشفافية، وإلا كيف يصدق عاقل أن مدينة بحجم الموصل تعداد سكانها لا يقل عن المليون، وكان بها أكثر من 30 ألف جندي ولكن بدون سلاح يوقف الغزو الداعشي – كيف له أن يقتنع بسقوط المدينة وبهذه السهولة، خاصة وأن الأقمار الصناعية ترصد أدق الحركات العسكرية على الأرض، وطيلة إمعان التنظيم الإرهابي في الفتك بالشعبين العراقي والسوري لم نسمع غير الوعيد بالقضاء على هذا التنظيم والتهويل من خطورته على السلم العالمي، في حين كان الأبرياء يموتون جملة وبالآلاف ويرحل الآلاف من مساكنهم أو فرارا من الرعب الهمجي.

وكل هذه الأحداث والمواقف منها يجب أن يكتبها المؤرخون في باب “عجائب التاريخ”، وإذا ما ربطنا هذا كله بما حدث في المناطق الأخرى، وخاصة ليبيا واليمن فإن رصيدا من النفاق السياسي تلتقطه أيضا عقولنا البريئة: لقد ادعى الغرب أنه تدخل في ليبيا عسكريا لانقاد الشعب من حمام دم كان يمكن أن يحدث إذا ما استمر حاكم أحمق ومجنون في السلطة، وكلنا نتذكر كيف استقبل رئيس الحكومة الإيطالية “بيرلسكوني” جنرال ليبيا وهو يزهو بالنياشين المعلقة على كل أطراف جسده ما عدا تلك التي توجد خلف الحزام، وحينما أدرك الغرب الرأسمالي وقد تغيرت الظروف أن مصلحته في شمال إفريقيا تقتضي التدخل فعل دون تردد. ذهب الجمل بما حمل ولكن ليبيا لم تعد دولة (إن كانت كذلك في الماضي)، فهل الأمم المتحدة ومجلس الأمن عاجزان إلى هذا الحد عن إقرار السلم في مناطق النزاع، أم أن زرع الفوضى خارج العالم الغربي هو الطريق المستقيم للتحكم في الشعوب المضطهدة في الماضي من لدن هذا الغرب الرأسمالي ولا زال مستمرا…

وأما اليمن المسكين والجريح فإن الغرب يتفرج أمام مآسي الشعب اليمني التي تسبب فيها نظامان قروسطيان يتحاربان من أجل الهيمنة بقوة الاستبداد لا بقوة الديمقراطية، وهما معا رصيدان مهمان في المنطقة يحتاجهما الغرب، وأما الشعب اليمني فلا بترول له وأكثر من 20 مليون عاطل عن العمل وإذن فإن “سوقه بالمعنى التجاري خاو” كما يقول المغاربة. الغرب هنا يبدو منافقا، القتل حينما تمارسه الجماعات الإرهابية يسمى إرهابا، والقتل الذي يمارسه التحالف السعودي ماذا نسميه؟ تحالف أعمى يقود العميان !!

لم يعد هناك عاقل في العالم يصدق أن الغرب الرأسمالي حريص على أن تكون الأنظمة التي تستبد بنا ديمقراطية، الديمقراطية له وحده وداخل حدوده الجغرافية لأن العالم من حوله لا يعدو أن يكون سوقا لرواج بضاعته أو ديكورا بائسا في مشهد دولي مليء بالمفارقات، وآية ذلك أن شركات إنتاج الأسلحة الفتاكة مثلها مثل حفار القبور الذي لا يمكن أن يحيا إلا بوجود الموتى بل ويتمنى من شغاف قلبه أن يتكاثروا، فداعش لم يحتل تلك المناطق الشاسعة في العراق وسوريا بالأحزمة الناسفة، بل بالدبابات والمدافع والأسلحة الرشاشة التي تقذف بها معامل أمريكا وأوربا، لقد طبل الإعلام الغربي هده الأيام وبرتابة مقرفة ضعيفة الإخراج الفني لاستقبال اللاجئين السوريين والحديث عن الاستعداد لاستقبال الآلاف كل سنة !!! من أين انبثق هذا العطف “الإنساني” على هؤلاء الذين أصبحوا في لحظة واحدة “لاجئين” في المنطق اللغوي الأعرج، وليسوا شعبا متشردا في جغرافيات العالم.

عفوا أيها السادة إن بلادكم ليست بديلا لهؤلاء، بلادهم هي مأواهم وبديلهم الحضاري لو كانت فعلا تنعم بالأمان في ظل أنظمة منتخبة من لدن الشعوب، نعم أيها السادة الآن فقط أدركتم أن بشار جزء من المشكلة وكأنه ابن البارحة وأنزل من الأبراج السماوية، إنكم تقولون أن الشعوب خاصة في الشرق هي المسؤولة عما تعانيه من استبداد وهذا صحيح في جانب منه، أما من الجانب الآخر – وهذا ما تحاولون تغييبه نفاقا – فإنكم لستم أبرياء بل شركاء في الجريمة التي بدأت فصولها الأولى ولا زالت من حماية أنظمة الاستبداد والتخلف ولم تنته بالتحكم في أرزاق الشعوب المضطهدة، في إفريقيا على وجه الخصوص، كنت أتمنى وأنا أشاهد تلك المواقف الرائعة عبر العالم من الأحداث الإرهابية في فرنسا يوم 13 نوفمبر أن نقف المواقف نفسها في كل مكان من العالم تمتد إليه الأيادي القذرة، لأنه لا فرق بين الضحايا، فهذه بنات الأرحام، أرحام أمهات في المقام الأول سواء أكان اسمها ناتالي جاكلين أو خدوج بنت عبد القادر فلا مفاضلة بين البشر أيها السادة، إذا كان لا بد من هاجس المفاضلة فيجب أن تنصرف لا إلى الحدود الشمالية والجنوبية، بل موطنها هو مجال الاستبداد والديمقراطية، وإلا فنحن أبناء الجنوب على حق حينما نميز بين روح الغرب المتألقة بالقيم الكونية لدى كبار المثقفين والفلاسفة والفنانين، وروح الغرب الميكيافيلية والذرائعية وريال بوليتيك Realpolitik المسؤولة إلى حد كبير عن غياب الأمن في هذا العالم بشهادة كبار المسؤولين الغربيين أنفسهم حتى أن البعض منهم ذهب إلى وصف عصرنا بأنه عصر اليأس.

لقد رأيت الرئيس الفرنسي ورئيس وزرائه يخطبان بحماس شديد ذكرني بخطب حكام العالم الجنوبي، ولا عجب في ذلك فعدد التفجيرات في زمن واحد وفي قلب عاصمة دولة عظمى لا بد أن يمس كبرياء القادة وأن يتحسس الناس رؤوسهم أمام هذا الاختراق الأمني في دولة مشهود لها بقوة مخابراتها، فما بالك بالنسبة لمخابرات العالم المتخلف، ولا عجب أيضا أن نسمع التذكير ب (و) الإشادة بالقيم الفرنسية، نعم أنها فعلا قيم حضارية أبدعها المثقفون والمفكرون الفرنسيون وليست من إنتاج تجار الحروب والمقايضة. وقبل مدة عبر الكاتب الجزائري “بوعلام صنصال” عن أمنية بسيطة ولكنها بعيدة المنال على الأقل في الأمد المنظور، قال بالحرف: “لو كان فولتير من القبائل (الجزائرية) لكنت سعيدا”. وأما أمنيتي أنا فهي كالآتي: “هل يسمح القوم هناك بأن تنعم الشعوب المضطهدة بقيم حقوق الشعوب والإنسان الكونية وأولها الديمقراطية وإنهاء الاستعباد، ومحاصرة استبداد الحكام والجماعات الإرهابية والفكر المغلق. وقد ينهض ضدي من يعترض قائلا: إن أمنيتك أشبه بالسراب الذي تريد أن يتحول بقدرة الوهم إلى ماء زلال.  نعم إني أعرف أني واهم حينما ألتمس الخلاص لدى من هو عنصر فاعل في عدم الاستقرار العالمي واشتداد الحروب وتخريب المحيط البيئي، خاصة وأن أمامنا أمثلة عديدة شاهدة على أن بعض القادة في الغرب لا يأبهون بالقيم الإنسانية، بل بالمصالح الثابتة، ولو تم دوس هذه القيم، فقد حكت وزيرة الخارجية الاسبانية السابقة “أنا بالاثيو” عن الرئيس الأمريكي السابق روزفلت الذي قال وقد سئل عن الدعم الأمريكي لديكتاتور نيكاراغوا “سوموزا“: “يمكن أن يكون سوموزا دنيئا ولكنه ملك لنا” هذه هي السياسة التي لا زالت توجه قادة الغرب والمعتمدة على حكام دنيئين طالما أنهم قادرون على الحفاظ على الاستقرار مهما كان الثمن Courrier international. Novembre du 12-18-2015 علما بأن الطغيان كما تقول “بالاثيا” لا يمكن أن ينعم بالاستقرار ولا يمكن أن يستمر لمدة طويلة، لذلك لا نعجب إذا امتدت يد الإرهاب إلى بلد يعتز بقيمه الحضارية وتعيش فوق أرضه ديانات مختلفة ولكنه لا يعترف بأي واحد منها، لأنه لا جدوى من الكيل بمكيالين أعني صون الحقوق ضمن حدودي الجغرافية والتفرج على انتهاكها خارج هذه الحدود، هنا فقط تتم الإساءة إلى مفهوم الإنسانية وإلى مفهوم الإخاء والمساواة. الغرب صادق على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ أزيد من 60 عاما ومع ذلك لم يتورع عن شن الحروب خارج حدوده وأسهم إلى حد كبير في إفقار شعوب القارة الإفريقية التي لا زالت تعتبر الحديقة الخلفية للشركات الفرنسية تماما كما كانت أمريكا الموسومة زورا باللاتينية الحديقة الخلفية للولايات المتحدة زمن الديكتاتوريات كسوموزا وغيره من الأقزام المستبدين والمدعومين من طرف من يسمى نفسه “العالم الحر”. زمن الحرب الباردة أشعلت الحروب في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا – وأما القارة الإفريقية فحدث ولا حرج – بدعوى مواجهة الخطر الأحمر “الشيوعي” وعاشت الشعوب الأوروبية والأمريكية في ظل الرعب النووي نتيجة الخوف من المواجهة العسكرية بين العملاقين، وبعد احتلال أفغانستان من لدن الإتحاد السوفياتي تداعى الغرب وعملاؤه في الشرق والغرب للدعوة إلى “الجهاد” ضد نظام نجيب الله باعتباره كافرا، فهل استقر العالم بعد إعدام هذا الأخير شنقا وتفكك الإتحاد السوفياتي؟ “المجاهدون العرب والأفغان” و”بن لادن” و”الطالبان” كلهم منتوج غربي بالتواطؤ مع أنظمة الاستبداد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وحتى قبل أن يضرب الإرهاب العاصمة الفرنسية وفي خضم اهتمام الرأي الدولي بمشكلة ما أصبح يسمى من جديد “اللاجئون” السوريون أو اللاجئون بصورة عامة تساءلت يومية أمريكية عما إذا كانت سنة 2015 سنة تحول أوربا إلى ريال بوليتيك Réal politik ثم أضافت قولها: أن رجال السياسة الأوروبيين يتجهون في سياستهم الخارجية إلى المصالح الإستراتيجية أكثر مما يتجهون إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتورد الصحيفة قولا لرئيس حزب يميني ألماني أمام البرلمان الأوربي: “يجب أن ندرك أن ما هو أهم بالنسبة لنا هو الاستقرار” !!!!!! (أنظر كوريه أنترناسيونال السابق). الغرب وحده صاحب المصالح الإستراتيجية وإذا ما بحث عن الاستقرار فاستقراره هو، لأن في الاستقرار ضمان لاستمرارية المصالح الإستراتيجية، أما الديمقراطية وحقوق الإنسان، فشعارات للفت الأنظار وصرفها في الوقت نفسه، في الحالة الأولى يتم استحضار مفهوم الغرب تاريخيا وجغرافيا باعتباره “يصنع التاريخ كما كتب ذات يوم فرانز فانون، أن مسيرته، ملحمة، اوديسا، وهو البداية المطلقة” وفي الحالة الثانية فهو مركز الكون، منه يشع النور إلى المناطق المظلمة من العالم، نعم سمعنا حينما كنا تلاميذ صغار من يردد أن “باريس” هي مدينة النور، وسمعنا أيضا ليلة الإرهاب السوداء من هذا الشهر العبارة نفسها. وهل يمكن أن تكون غير مدينة الأنوار حيث أبدع بيكاسو أعظم لوحاته، وبين جدرانها أبدع الكاتب الإرلندي “بيكت” في انتظار “غودو”  وكذلك سارتر وغيرهم من عباقرة العالم في العلم والفكر والسياسة والإبداع الفني، ولكن في المقابل هناك الصورة القاتمة من الجانب الآخر، ضواحي الفقر والتهميش والآمال المحبطة…. وهنا يجب أن نتذكر قولة لينين الشهيرة حينما كان في لندن وأبصر الفارق بين الأحياء الراقية والأحياء الفقيرة في المدينة فقال: “هنا تعيش أمتانامتنا”! وأمام هذه المفارقة يتولد الإرهاب الأعمى فلا يميز بين النور والظلام والمجرم والبريء، والقادة المنافقين والشعب المتشبع بقيمه الحضارية.

إن الحرص على المصالح الاستراتيجية التي أشارت أليها الصحيفة الأمريكية “ذو وول سترية جورنال” هي التي جعلت سياسات الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين وأثناء الحرب الباردة  توثر الإسلاميين Islamistes على السوفيات، وهذا الموقف هو الذي ساهم إلى حد كبير في إشعال الحرائق الإرهابية في أي مكان، مما يذكرني بهوس الإحراق Pyromanie الذي تحدث عنه هيجل في كتابه دروس في الفلسفة والتاريخ فقد ضرب المثل بشخص يدفعه حب الانتقام إلى إشعال النار في منزل ولكن النار تنتشر لتحرق كامل القرية”، وهذا الشخص لم يكن ينوي ذلك ولا حدس نتائج فعلته التي تتجاوز كثيرا مقاصدنا (انظر سلوى لوست بولبينا): Les arabes peuvent-ils parler ضمن كتاب ادوارد سعيد: Dans l’ombre de l’Occident ص 58 – 59. وتضيف هذه الكاتبة أن القوى الغربية لم تتوان في دعم الحركات المتطرفة التي يتم زرعها هنا وهناك لبت الفتن (م.س ص 59.) وإذن فلم الثقة الغبية والاطمئنان إلى أن ألسنة اللهب المنتشرة في بيت الجار لا يمكن أن تمتد إلى بيتي. الم يقولوا لنا أن العالم أصبح قرية صغيرة، والإنسانية جمعاء هي أهل هذه القرية، إن كانت مؤمنة أمن الجميع وإلا فالجميع سيحترق بفعل التقدير الخاطئ للنتائج.

ومع ذلك – أو على الرغم من ذلك – فإن الغرب يأبى ومنذ ما يقرب من قرنين أو أكثر إلى “تفصيل” هذه القرية والتمييز بين الأماكن الذي يفضي لا محالة إلى التمييز (المفاضلة أعني) بين الشعوب والحضارات على أساس لا عقلاني: الهمجية / الحضارة – الحداثي / التقليدي – الحر / المستبد … ألخ. وقد استطاع المفكر الفرنسي ميشيل فوكو أن يدرك أهمية الفضاء (Espace) في فهم وإدراك كيفية اشتغال السلطة Pouvoir، ومن أجل هذا نحت مصطلح Hétérotopologie الذي لا أزعم القدرة على ترجمته إلى اللغة العربية بشكل دقيق ولكنني أقتنص منه الدلالة التي توخاها فوكو ألا وهي وجدود تنافر وتباين بين الطوبولوجيات، أو بعبارة أوضح وجود مكانين مختلفين يقتضي وجود نمطين من الشعوب متناقضين، مثال: الغرب كما رأى ذلك ادوارد سعيد وملهمه فوكو اقتطع من “العالم العربي” جزء منحه لشعب متميز يعتبر بمثابة امتداد للحضارة الغربية وسط جحافل من الأقوام الغير المتحضرة. وقد أعمى الإستشراق الأستاذ ادوارد سعيد ولم يلتفت إلى أن العروبيين أنفسهم يسلكون المسلك ذاته حينما ألحقوا شمال إفريقيا وجزء من بلاد السودان ومن الصومال وجيبوتي بالوهم الأكبر “العالم العربي” وأسموا مصر قلبه النابض. والداعشيون أنفسهم يطبقون شريعة دار الإيمان ودار الكفر، فالعلة إذن واحدة والمستبد المهيمن نموذج واحد سواء أكان شرقيا أم غربيا، ملتحيا أم حليق اللحية.

من المسؤول عن هذا الرعب الإرهابي، هل عصابات داعش وحدها؟ من المفارقات الغريبة والعجيبة أن يطلق الإعلام الغربي صفة الدولة الإسلامية وتكتب اختصارا باللاتينية EI حتى يسهل تداولها، دون الانتباه إلى أن هذا المصطلح هو تثبيت وتزكية لمفهوم “الخلافة الإسلامية” الوهمي الذي لم يوجد قط في التاريخ ولا يمكن أن يوجد، المعلومات المتواضعة عندي أن هذا الكيان يمتلك 300 دبابة مصفحة وسلاحا بقيمة مليار دولار حسب رأي بعض الدبلوماسيين الغربيين، فما نسبة هذه القوة إلى قوى التحالف الدولي الذي يضم أكثر من 60 دولة؟ ! هناك شيء غير مفهوم في هذه السياسة الدولية الخفي منها أعظم. وإلا فمن المسؤول عن مأساة ليبيا حيث ثلاثة ملايين من الليبيين يحتاج إلى إغاثة دولية عاجلة وأربعة مدن فيها منكوبة، صورة العالم الآن كما يراد لها أن تكون في الأذهان هي أن العالم كله عاجز عن فعل شيئ إزاء زحف قوى التدمير. إنني أعتقد أن كلمات الدبلوماسي الفرنسي “أوليفيي ويبر” فيها نوع من المبالغة حينما أشار إلى أن داعش التي كانت تعيث فسادا وخرابا في آثار تدمر التاريخية تريد فصل الشعب عن جذوره التاريخية والثقافية مما يتولد عنه زرع الرعب واليأس والإرهاب (انظر نص استجوابه في مجلة Historia n° 24 Juillet Aout 2015). نعم أن داعش ونظيرتها “طالبان” تنتج الرعب ولكن أن نعملق داعش إلى حد القول بأنها تحاول خلق إنسان جديد يخطط للعدم Néant، فهذا ما لا يقبله العقل، اللهم إلا إذا كانت عين الخوف كبيرة، أينكر العالم الدور العظيم الذي قامت به المرأة الكردية لصد الهجوم الإرهابي على إقليم كردستان (والأكراد لا زالوا إلى حد الساعة يفتقرون إلى وطن لهم مستقل، بل أن أكراد سوريا كانوا محرومين حتى من جنسيتهم ولكنهم الآن في مقدمة الصفوف لمقاومة الإرهاب الداعشي إلى جانب أكراد العراق. فهل الغرب قادر على الضغط على إيران وتركيا وسوريا من اجل إجبارهم على الاعتراف بكردستان وطنا مستقلا للشعب الكردي، ربما سيفعل الغرب إذا تخلى عن مصالحه الإستراتيجية، وهذا من المستحيلات الأربع !).

فالمغنية الكردية هلان ابدولا أذكت الحماس الوطني من اجل التصدي لما أسمته في أغانيها الغزاة وتقصد بذلك العصابات الداعشية. وأما غيرها من النساء فقد اقتنعن بأن حريتهن يجب أن تنتزع في أرض المعركة لأنهن لم يرضين أن يكن قاعدات البيوت في الوقت الذي يسقط فيه مواطنوهن من الرجال في أرض المعركة ! (Le monde diplomatique–Juillet 2015).

إن الشعوب وحدها التواقة للحرية والمتضامنة فيما بينها بصرف النظر على ألوانها ودياناتها وثقافاتها هي المخولة للتصدي للرعب العدمي الذي بدأت تتسع دائرته السوداء في الجهات الأربع، كما أن لها وحدها الحق في تنزيل مبادئ حقوق الإنسان على ارض الواقع من سموات العالم اللفظية الكاذب وبعيدا عن حسابات المنافقين الاستراتيجية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.