الممارسة الطفولية: المشاركة عبر الاحتجاج

اعذروا جهلي وغبائي، فأنا لست متمرس ما يكفي في دروب النضال والثورات، لا أجيد تنظيم المظاهرات والاحتجاجات، ولا أجيد أيضا صياغة الشعارات برنات موسيقية تزرع الرعب في الأعداء وتشحذ الهمم والقامات كي تصمد…. لا أجيد كل هذا، لغباء كما قلت، ولقلة تمرس وانتهازية تداهمني بين الفينة والأخرى….

لكنني ربما أجيد طرح الأسئلة، طرح الأسئلة كلها، بما فيها الغبية أيضا، وأتوخى الأجوبة من جميع الذين يستهدفهم سؤالي…. مناسبة هذا التقديم، قرار الجمعية المغربية لحقوق الانسان، والجمعيات والاطارات المقاطعة، تنظيم وقفات احتجاجية بالقرب من فضاءات انعقاد المنتدى العالمي لحقوق الانسان، المنعقد في مراكش ابتداء من يوم الغد، وهي وقفات تبغي، على حد تعبير منظميها، فضح التضييق على الحقوقيين من طرف الدولة المغربية أمام المنتظم الحقوقي الدولي….

كان قرار المقاطعة الذي اتخدته هذه الاطارات معقولا في حيثياته، بالنظر إلى هذا النكوص العام الذي عرفه احترام حقوق الانسان منذ ما يزيد عن السنة، والذي تجلى بالضبط في التضييق على أنشطة الجمعية المغربية لحقوق الانسان وعلى مناضليها، وفي هذا الاحتقان السياسي الذي نشم رائحته الرصاصية في الهواء، وقد أحدثت الجمعية المغربية، ثقبا في نفسية المنظمين والدولة بقرارها الصائب هذا…. لكن ما تلاه من قرار الاحتجاج هدم كل بناءها، وجعل الجمعية في وضعية اللهو الصبياني اتجاه نفسها ومناضليها أولا، واتجاه حلفاءها الدوليين من المشاركين في المنتدى ثانيا….

ستنظم احتجاجها قبالة فضاء انعقاد المنتدى وفي مراكش، وبشكل علمي ورقمي، علينا أن نتصور الوضع كيف سيكون: أفراد قليلون، لا يتجاوز عددهم الخمسين مناضلا على أكثر تقدير، يرفعون لافتات تتضمن عبارات الاستنكار والتنديد، ويرفعون أصواتهم بشعارات لمدة قد لا تتعدى الساعة الواحدة على أكثر تقدير، ثم سينصرفون إلى حال سبيلهم، أو إلى داخل قاعة المنتدى، لأن الكثير من المناضلين مشاركين باسم اطارات أخرى في ذات المنتدى….

طبعا لن تكون الدولة بهذا الغباء كي تتدخل من أجل تفريق أو قمع الوقفة الاحتجاجية…. وسيكون رئيس المجلس الوطني داخل القاعة يشيد بالتطور الذي حققه المغرب في مجال حقوق الانسان، ويستشهد بالوقفة الاحتجاجية المنظمة خارج القاعة بالذات…

كان على الجمعية أن تلبث في مقرها المركزي بشارع الحسن الثاني بالرباط، وأن تستمر في عملها اليومي الروتيني دون ايلاء أي أهمية لما يقع في المنتدى، واعتمادا على حجمها، كأكبر جمعية في المغرب وفي شمال افريقيا، والمخاطب الأكثر مصداقية للعديد من الجهات الحقوقية المشاركة، ستتوصل بسيل جارف من الاستفسارات وطلب المقابلات حيث يمكنها شرح طبيعة الدولة القمعية، وكيف عملت على التضييق عليها وعلى استمرارها في خرق حقوق الانسان، عبر قمع المظاهرات، واستمرار الاعتقال السياسي، وتقليص الحريات وغيرها….

والحال أنها قررت غير ذلك، فهي من حيث لا تشعر، تشارك في منتدى جمعت كل أسباب المنطق وغير المنطق من أجل مقاطعته، ووفرت على الدولة الكثير من العناء من أجل شرح أسباب مقاطعة أكبر جمعية بالبلد لأكبر عرس حقوقي…. سيردون على المتسائلين أن الجمعية قررت المشاركة بطريقتها: الاحتجاج في فضاء المنتدى الذي تقاطعه….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.