الملك والصحفي…

يمكن العودة إلى تسريب كريس كولمان حول رجال الصحافة، وخاصة الرسالة الشهيرة الموجهة من صحفي إلى رئيسه في العمل وهو يقترح عليه مجموعة من الاسماء للعمل في مشروع اعلامي ما، وينهيها بانتظاره لرأي زدي ياسين… يمكن العودة إلى هذه الرسالة وهذه التسريبات بمناسبة موت ملك المملكة العربية السعودية…. ويمكن العودة إليها عبر درس نموذجي وهو العامود اليومي للصحفي المختار لغزيوي المنشور في جريدة الاحداث المغربية….
المختار لغزيوي كان بدوره موضوع الرسالة اعلاه، لكنه بحكمة العميل المتمرس، ران إلى الصمت، إلى حين نسيان هذه التسريبات، وهو سلوك جنبه الضجيج عكس صديقه الذي هرب إلى الحمام ليخرج منه بصخب الدلاء وتقرقيب السطولة…
يجب الاقرار أولا، أنه بالنظر إلى ضعف المشهد السياسي، وأعني به الضعف البنيوي وغياب التفاعلات بين مكوناته interaction يمكن تقسيم الموقف من موت الملك إلى ثلاثة مواقف رئيسية، الموقف الرسمي والذي تمليه العلاقات بين المؤسستين الملكيتين، السعودية والمغربية، ما يجمعهما من مصالح مشتركة، الدعم الذي تقدمه العربية السعودية للمؤسسة الملكية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر اسهامها في تخفيف الكثير من الضغوط الاجتماعية بدءا من تخفيض اسعار النفط وصولا إلى الهبات والمساعدات المالية المباشرة، مقابل بعض الولاء الذي يظهره المغرب الرسمي لسياستها في العالم بأسره، وفي العالم العربي بشكل خاص بعد ما سمي بالحراك السياسي، ثم الموقف الشعبي والمتميز باللامبالاة بشكل عام، على اعتبار أن هذه الوفاة لا تعنيهم سوى كون صاحبها هو ملك بلد يؤمه بعض المغاربة للحج والعمرة، ويهمهم أيضا كون الدولة فرضت عليهم صلاة الغائب وحدادا لمدة ثلاثة أيام عبر نكس الاعلام…. ثم موقف المواقع الاجتماعية وهو الفضاء الفعلي لكل نقاش عمومي، وفيه تتضح الكثير من الصور والذي عبر الكثير من مرتاديها عن امتعاضهم من فرض هذا الحداد، ليس ضدا على ملك السعودية، والذي لا علاقة لهم به، ولكن ضد الفكرة في حد ذاتها وعدم تفعيلها حين كان هناك ضحايا من الوطن، ماتوا جراء الكوارث الطبيعية والذين ذهبوا ضحية ضعف البنيات التحتية التي تتحمل الدولة مسؤولية توفيرها…
في خضم هذه المواقف العامة، كان لا بد للدولة من ابواق اعلامية لتبرير سلوكها اتجاه هذا الحدث الذي لا يهم البلد كثيرا، كان ذاك عبر التلفزة المغربية وهي تلغي برامج الفرجة والسهرات في نهاية الاسبوع، مع التذكير أنها برمجت كل الرقصات على جثث ضحايا الفيضانات مرورا إلى مقالات التطبيل والمدح في الجرائد…. ومن هنا كان عامود الصحفي المختار لغزيوي…. وبشكل أكثر ذكاءً عامود توفيق بوعشرين حول الوفاة هذه، والمنشور في جريدة أخبار اليوم…
المختار لغزيوي اختار الاسلوب المباشر في مدح ما لا يمكن مدحه، إذ برر الانغلاق والتخلف السعوديين بثقل التقاليد والعادات، وفرض شكلا للعلاقة مع المغرب عبر روابط الدم والعائلة، والحقيقة أن الرابطة الوحيدة المعترف بها هي علاقة الامير مولاي هشام عبر خالته المتزوجة من العائلة الملكية السعودية، ولا اعتقد أنه كان يعني هذه العلاقة، إلا إذا كان يعني العلاقات العائلية التي تنسج عبر زواج السعوديين بالمغربيات، وهي زيجات تتم مع كل الجنسيات العالمية.. هذا الاسلوب الذي يضع هذا الصحفي في خانة الأصولية الوهابية، ولا معنى أن يتشدق بدفاعه على قيم الحرية والليبرالية والحداثة…. لا معنى في مدح هذا النظام، ورمز لما يمكن أن تكون عليه الليبرالية، ونعني رائف بدوي، يجلد كل جمعة، بما فيها الجمعة التي رحل فيها الملك الممدوح…
هنا تظهر شكل العلاقة بين الصحفي والدولة، ليس عبر التماهي ومواقفها وهي ممارسة عادية ومشروعة، ولكن التموقع بين أيديها كاداة من أجل صنع رأي عام يساير توجهاتها، رغم تناقض هذا الرأي مع منطلقات الصحفي، وفي حالتنا هذه الحداثة المفترى عليها، والليبرالية المغتالة بأيدي النظام السعودي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.