الملكية والوطن في حوار اليوسفي الأخير

أن يتحدث عبد الرحمان اليوسفي بعد طول صمت هو بكل تأكيد حدث مهم، وهكذا يفترض أن يكون، لكن ربما لأن حوار اليوسفي تزامن مع “حدثين هامين” استأثرا باهتمام البلاد والعباد، هما: حدث ظهور الشيخ الصمدي والضجة الاعلامية التي رافقته والتي جعلت كبرى وسائل الاعلام تسخر كل مجهوداتها لتظفر بحوار مع الشيخ الخارق، والحدث الثاني هو قصة علاقة الحب بين الوزيرين الاسلاميين في حكومة بنكيران والأنباء التي راجت حول أجرأة هذا الحب عبر خطوبة الوزير لحبيبته التي أشرفت عليها زوجته الأولى.

لا أدري هل كان حظ اليوسفي عاثرا حين تزامن حواره “الاستثنائي” الذي منحه لصديقه “بشير البكر” رئيس تحرير جريدة “العربي الجديد” مع هذين الحدثين الهامين، أم تراه حسنا فعل؟ لكن، مع ذلك لم يمر حوار اليوسفي مرور الكرام، بل توقف عنده بعض الزملاء من كتاب الرأي والافتتاحيات تحدثوا عن الحوار كل حسب قراءته، وهناك من فضل أن يتحدث عن اليوسفي عبر بوابة هذا الحوار، وراح يعدّد خصاله النبيلة التي انقرضت في هذا الزمن السياسي الرديء.

بيد أن الرجوع إلى حوار اليوسفي، اذا ما استحضرنا ظروف اجرائه، وقيمة الشخص وخصوصيته، سيبدو لنا حوارا فقيرا، طغى عليه التعويم وكبلته لغة الديبلوماسية، وظل يحوم حول مجمل الاسئلة التي طُرحت عليه، بالاضافة إلى أن الصحافي المحاور طرح أسئلة عادية، ربما تصلح لأن تطرح على العشرات الاشخاص الذين لهم تجارب سياسية مختلفة، أي أن الأسئلة لم تكن تظهر فيها تلك المسحة التي تعطي للحوار خصوصيته بالنظر إلى سمات الرجل وصمته الاعلامي المشهور.

ورغم فقر الحوار، إلاّ أننا لن نعدم معلومات تضمنها تعتبر مهمة وربما لأول مرة يفصح عنها، مثل المعلومة التي احتفت بها كل وسائل الاعلام، حين تحدث الرجل عن استشارة الملك محمد السادس له في مسألة تولي عبد الاله بنكيران الحكومة، وكذا اعترافه أن قنوات التواصل ظلت مفتوحة مع الملك، رغم ما قيل وراج حول “الغضبة الكبرى” لليوسفي و”محاضرة بروكسيل” الشهيرة، لكن أهم ما حمله حواره فيما يتعلق بالمغرب بالنسبة إلي، فهو ما باح به حين كان يتحدث عن صديقه محمد عابد الجابري، إذ سيقول اليوسفي في الحوار “وأذكر أنه حرّر (يقصد الجابري) بياناً سنة 1973، يدعو إلى إقامة ملكية برلمانية، وجدد حزب الاتحاد الاشتراكي هذه الدعوة مرات عدة في السابق، ولم يتحقق هذا المطلب إلا في التعديل الدستوري عام 2012 في فترة الربيع العربي.”

هذا المعطى لم تتناوله أي من المقالات التي تحدثت عن حوار اليوسفي باختلاف أصحاب هذه المقالات، وهو ما أثارني، وما جعلني اتساءل أليس هذا المعطى مهم وفيه أجوبة على كثير من الأسئلة؟ الرجل يقول في حواره “الفقير والمختصر” أن الملكية البرلمانية نص عليها دستور 2011، ألا يُعتبر هذا موقفا خطيرا يستدعي الوقوف عنده ومساءلته؟

قرأت أزيد من 7 مقالات كتبها صحافيون وكتاب رأي مغاربة، ولا أحد فيهم أشار إلى هذه النقطة، رغم أنها بالنسبة إلي هي معلومة مهمة وهي مفتاح لفهم جملة من الأحداث والمواقف، فحينما يقول اليوسفي أن صديقه الجابري كتب بيانا باسم الاتحاد الاشتراكي يطالب فيه بملكية برلمانية سنة 1973، ولم يُكتب لهذا المطلب أن يتحقق إلاّ مع دستور سنة 2011، فإنه يؤشر على موقف يمكن أن تتناسل منه الكثير من الاسئلة والأجوبة، وأول سؤال يواجهنا: هل حقا نصّ الدستور الجديد على الملكية البرلمانية؟ هل دستور 2011 ينص على ملكية برلمانية كما قال اليوسفي؟ أليست هذه شهادة زور؟ أليس قول اليوسفي هذا يجعل رفيقه السابق “محمد الساسي” مجرد حارث للمياه وهو الذي ما فتئ يدعو رفقة حزبه إلى ملكية برلمانية؟ وهل يعني أن موقف حزب الاشتراكي الموحد في مطالبته بنظام الملكية البرلمانية كشرط لترسيخ ديموقراطية حقيقية هو مجرّد صراخ وعويل في الصحراء، وأن الملكية البرلمانية متضمنة فعلا في دستور 2011؟

أن يقول اليوسفي ان دستور 2011 يتضمن الملكية البرلمانية هو جواب صريح وشفاف على من يريدوا أن “يؤسطروا” الرجل، رغم أنه كانت له مطبات وسقطات كبيرة وخطيرة ما زال بعضها يحكم الحقل السياسي المغربي لحد الآن، فحينما يقول لشكر “معارضة صاحب الجلالة” فإنه في حقيقة الامر قوله هذا مجرّد رجع صدى للمقولة الشهيرة التي قذفها اليوسفي في وجه رفاق حزبه حينما عرض عليه الحسن الثاني تولي الوزارة الأولى، حينها جاء اليوسفي الى رفاقه وقال لهم “من مع مبادرة الملك ومن ضدّها” وعندما طالب البعض منهم بضرورة نقاش الموضوع وبحث امكاناته، كان جوابه حاسما أيضا بأن قذف في وجههم تلك الجملة التي ما زالت تتردد في ردهات الممارسة السياسية، أقصد قوله للساسي ورفاقه “أرض الله واسعة”، أي : اذا لم ترقكم مبادرة الملك لكم أن تخرجوا من الحزب، هكذا طرد اليوسفي كل من أراد أن يناقشه في موضوع توليه باسم الحزب حكومة التناوب.

لا أدري سرّ هذا التبجيل لرجل كان دائما مستعدا ليكون اطفائي الملكية، فقد جذبه نداء الحسن الثاني وأخرجه من منفاه الفرسي في مدينة المهرجان السينمائي العالمي، ورجع إلى المغرب ليقود مسلسل انتقال المُلك من الحسن الثاني إلى محمد السادس في ظرف اقتصادي واجتماعي دقيق، لذلك قدّم حماسه وتجربته لتحقيق استمرار الملكية والسهر على الانتقال السلس، و شرعت حكومته في بيع الوطن من أجل ضمان الانتقال السلس وتوفير السيولة للترويج للعهد الجديد، عبر بيع وخوصصة القطاعات الحيوية للوطن التي أشرفت عليه حكومته، وبعد أن وطّد حكم الجالس الجديد على العرش تم رميه كأي ورق كلينكس استنفذ مهمته، ورجع مرة أخرى غاضبا الى منفاه الباريسي، بينما اختار حزبه المشاركة في عرس النكوص عن الاتفاق الذي كان بينه وبين والد الجالس الجديد على العرش، ورغم هذه الصفعة المهينة، لم ينقطع حبل الود بين اليوسفي والملك الجديد، وظلت الاتصالات قائمة بينهما وظل الملك يستشيره في كثير من القضايا وبل عينه في كثير من المرات للدفاع عن ملف الصحراء كما جاء في حوار اليوسفي.

في تقديري فإن تجربة اليوسفي السياسية في العشرين سنة الاخيرة كانت وبالا على المغرب، وكان في مجملها يعتمد مصلحة الملكية فوق كل اعتبار، لذلك اختار أن يدخل حكومة التناوب بعد سنوات من المفاوضات مع الحسن الثاني، استُعمل خلالها الاقتراح على امحمد بوستة تولي حكومة التناوب كبالون اختبار، قبل أن يظفر اليوسفي بكرسي قيادتها بعد أن أقسم على القرآن امام الملك الحسن الثاني، ورغم الجحود الذي قُوبل به سنة 2002 إلاّ أنه ظل وفيّا لقسمه لدعم الملكية والعمل على تقويتها، وهو ما جعله يقول في حواره هذا في اطار ربط الحاضر بالماضي”اليوم بعد قرابة 16 عاماً أقول أن رؤيتي كانت في محلها، ولم يخب ظني، فالملك الشاب كان عند حسن تقدير الشباب المغربي، وتفهّم مشاكلهم على نحو جيد، وبالقدر نفسه على مستوى طموحات المغاربة جميعاً، بدليل أن المراقبين يلاحظون اليوم أن المغرب بلد متوازن ويسير في الاتجاه الصحيح”.

المغرب بلد متوازن يسير في الاتجاه الصحيح؟؟؟ تلك كانت خلاصة اليوسفي، أما الخلاصة التي تحاشى أو تناسى زملائي الاشارة إليها هي أن اليوسفي رجل خدم الملكية بكل ما أوتي من قوة، ومازال يفعل، وبل اختار أن يبيع الوطن من أجل أن تستمر هي، للأسف هذا هو اليوسفي إلا من يرى الملكية هي هي الوطن فذاك موضوع اخر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.