المقامة الإفتائية الزمزمية.

تنويه :نعيد نشر هذه المقامة للمهندس أحمد بن الصديق التي سبق له أن نشرها، ونحن نعيد نشرها هنا تجاوبا مع ما كتبه ابن الصديق على حائطه الفايسبوكي أنه يعيد نشر هذه المقامة “بمناسبة عودة الفقيه عبد الباري الزمزمي إلى فتاواه الغريبة”.

إهداء: هذه المقامة مهداة إلى الصحفي القدير الأستاذ خالد الجامعي ، صاحب الفكرة الأصلية                         

حدثنا أبو المحاسن المراكشي فقال 

شغل اسمه حديث الألسن و صورته غمزات  الأعين، ملأت سمعته الوجود  وتجاوزت أخباره الحدود، نظرا لاجتهاداته المدهشة و فتاواه الطائشة.  يدَّعي السير على نهج الصحابة، ويفرط في الإيثار والغرابة، تخصصه فقه النوازل وشطحاته تشتت المنازل. سمعتُ عنه القيل والقال فقررت أن أشد له الرحال، فغادرت بيتي في عاصمة الجنوب و وصلت حارته وقت الغروب، ثم سألت عن جواره ونزلت قريبا من داره، علني أتأكد بالبرهان، وليس الخبر كالعيان   

 رصدته بضعة أيام، وصحبته بين الأنام، كلامه لا يخلو من فكاهة وهندامه كذوي الوجاهة، من جلباب أنيق ناصع، وعمامة من عند أمهر صانع، خرج على الناس يوما  وهو يقول 

  أيها الأزواج، اطرحوا عنكم الإحراج، من اختطف الموتُ زوجته، فليقض وطرَه و حاجته، بل أن يلبسها  الكفن، وتأخذ طريقها للدفن، فإن جماع الجثة الهامدة، قد لا يخلو من لذة و فائدة 

وهكذا أحدث في الأذهان صدمة، وانتهك الوقار والحرمة،  فعاكس الفطرة السليمة وهدم المبادئ القويمة،  وكيف يشعر بحزن الجنائز من فكره سجين الغرائز؟

 ثم إنه أفاق يوما آخر فنشر على منابر الصحافة، فتوى لا تخلو من طرافة، مضمونها : ” إني أفتى بحرمة التظاهر، لكي لا يسلك الاحتجاج سبيل التكاثر، فمن طالب بحقه فقد أثِـم، ومن رفع شعارا فقد ظـلم، وما عليكم إلا الطاعة، وارفعوا أكف الضراعة، والقناعة ثم القناعة، كيفما كانت البضاعة، ذلك أن الاستقرار صنم مقـدس، والخنوع قيمة لا تُـدنَّـس، و إن جادت السماء بلجنة ودستور، فـثمَّ شرع الله الواحد الغفور. أما من كان قوي اللهجة وأحدثت مظلمته ضجة ، وأصر على طلب الإنصاف، ولم يرض النفاق والالتفاف، فهو في الجاهلية مقيم ومقعده في قعر الجحيم

 ثم دأب يردد هذا الخطاب، في كل محفل وسرداب، ساعيا لتخدير الوعي، متساهلا مع أهل القهر والبغي، لا ينكر مظاهر الظلم ولا تعسف أهل الحُكم، فلا يذكـِّرهم بنبيل المقاصد ولا  يتصدى لخبيث المفاسد 

 قال أبو المحاسن المراكشي : ثم داهمتني  فتاواه تترى، الواحدة تلو الأخرى، لا أكاد أفيق من  صفعة، حتى تباغتني منه لسعة، حتى خرج علينا الخطيب الجهور والشيخ الوقور، بأم الفتاوي ورأس البلاوي، فخاطب الجنس اللطيف بكلام ليس له توصيف  فقال: ” يا معشر الفتيات والنساء، يا من جُـبِلن على الحياء، اسمعن لهذه الفتوى، فهي كالمَنِّ والسلوى، من غلبتها شهوة الفرج، أو طال عليها غياب الزوج، فلا جناح أن تضاجع الخُضر، وخير الخُضر الجزر، فهو مستقيم الشكل، ولا يخلو منه أي فصل، يمنحكن متعة الجنس، بسهولة وثمن بخس، حتى ينطفأ اللهيب،  ريثما يعود البعل والحبيب، ثم عليكن بالقوارير إن لم ينفع  الجزر، فإنها نعمة لملايين البشر،  ونكاحها أجمل من الوصول للقمر . أما من كانت شهوتها جامحة ، أو رغبتها طافحة، فلتأخذ يد المهراس، ولتُحسن فنَّ الاقتباس، وإن أتقنت الحركة، سأدعو لها بالبركة، وإن واظبت كل صباح سأدعو لها بالصلاح والفلاح  وإن عكفت  كل مساء سأدعو لها بالسعادة والهناء 

 فلم يكد يكمل مقالته حتى اصطكَّـت لي الأسماع وارتعشت الأضلاع، وتزلزلت الأرض من تحت أقدامي وندبتُ حظي وسوء أيامي، وقلت في نفسي : لو استطاع بئر زمزم أن ينطق لتبرأ منه وقال : يا من يخجل إبليسُ من بطولاته، ويعجز الشيطان عن صولاته، حملتَ اسما نديا، ولكن لم تكن له وفيا.  يا من هدفه أن يصرِف الناس عن  ملفات الفساد، ويلهيهم عن مآسي الاستبداد، فيبارك جَور السلطان، ويبرر تصرف الطغيان. يا من يُراكم الزلة بعد الزلة  ويتسوَّل العطايا عن ذلة،  حتى فضحَـتك لائحة الوزير، قبل أن تستخلص أي قطمير، بئسَ الفقيه فقيه البلاط، وبئسَ العالِم رمز الانحطاط  والله لقد سخط عليك العـِلم وتضايق منك الحِلم، بعد أن  أجَّـجتَ مشاعر الاشمئزاز واستفززتَ الحياء أيما استفزاز. كلامك للعقل إهانة، ومنطقك للصواب إدانة، تبوأتَ من السخافة أعلى مقام، وتخطـَّـفـتـكَ أشباحُ الظلام، نسيتَ مكارم الأخلاق وأنكرتَ جميل الأذواق،  فأطفأت شهاب المنارة  ونزلتَ إلى حضيض الحضارة،  وخسرت أكبر خسارة، ولكن الأمرَ أكبر منك ، والعتابَ ليس عليك، بل على من يفتح لك الأبواب، و يُـمِدُّك بالوسائل والأسباب، ليصنعَ منك نجما، ويملأ بك الفضاء وهما، لتكريس الفراغ والجهل ، واغتيال الفكر والعقل

 قال أبو المحاسن : ثم عدت أدراجي، وقد تعكَّـر مزاجي، وتأملتُ حال بلادي وخجلتُ من تراث أجدادي، وأنا أردد: ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ثم  تذكرت قول الشاعر  

وإن يدنـو من الإفتاء رهْــــــطٌ   *   بـضاعـته السخافــة والـغــبــاءُ

فلا تذهلْ إذا صادفت جــســمــاً   *  و داخلُ عــقـله  قَــــفــرٌ خــــلاءُ

وإن لبسَ الظلامُ لَبُوسَ ضـــوءٍ  *  فـإن الفـســقَ لـيس له حـيـــــاءُ

وقد يبدو الخطـيبُ وعاءَ عـلـــمٍ  *  و كــــلّ كلامه عســلٌ صفــــــاءُ

فتحسبه  أبـرَّ الــنــاس لـكــــــنْ  *  إلى الإحسان  ليس له انـتمــــاءُ

ويـــمدحُ مادحٌ قـــومًا لـكــسـبٍ  *  ومِـــلءُ فـؤادِه لـــهُـمُ هـجـــــاءُ

ولو نطقَ النـفاقُ بحـرفِ رُشــدٍ   *  فــقـد لا يُعـــوزُ الغـيَّ الــذّكــــاءُ

فلا تحــزَنْ ولا يـغلـِبْــكَ يــــأسٌ   *  و قمْ أصـلحْ ولو طـفــــحَ الإنـاءُ

  وفـي قِـيَمِ الجـمال فـلا تـُـفــرِّطْ    *  فإنَّ الـرِّوحَ ينــعـشها الـــنــقــاءُ

 و سلّح بالعلومِ بَنـــيـك واسمــعْ  *   صـدى صـوتٍ يُـردّده حِــــــراءُ

و في يـــمِّ المعارفِ غُصْ ونقِّبْ  *  فـلــمْ يُــدرَك بــــلا عِـلــمٍ نـمــاءُ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.