المقاطعة وتهافت الخطاب الحكومي

في جواب الوزير الداودي بالبرلمان يوم 7 ماي 2018 عن سؤال حول المقاطعة وعن تصريحات بعض الوزراء المستفزة للمغاربة، قال بضجر أن الحكومة لديها ناطقا رسميا ولم يصدر عنه أي تصريح بإسمها في الموضوع.
وبغض النظر عن تفاصيل جواب الوزير الغارق فيما هو ديمواغوجي وإيديولوجي تضليلي. وقد بدى من خلاله أنه وزير للشركات وليس وزيرا للشعب، وبخاصة الشركات الأجنبية التي يخشى إنسحابها من المغرب، كأن تلك الشركات هي مؤسسات إنتاجية رائدة بها تقاس قوة وحيوية ومستقبل إقتصاد الدول، وليست مجرد شركات تكتفي بتخزين بعض المواد ( الماء والوقود والحليب) ثم تعبئتها وتوزيعها على الناس بأثمنة غالية لا تخضع لمنافسة نزيهة.
بغض النظر عن كل ذلك، فإن الرأي العام تذكر مع جواب الداودي أن للحكومة ناطقا رسميا ظل صامتا طيلة زمن المقاطعة التي شغلت الرأي العام الوطني والعالمي. وبعد ثلاثة أيام عن تلك الجلسة البرلمانية وعلى إثر إنعقاد المجلس الحكومي نطق السيد الخلفي، وَيَا لغيته ما ناطق!
لقد ذكرنا نطقه بتصريحاته السابقة حول حراك الريف وزاگورة وجرادة، تلك التصريحات التوهيمية والتهديدية: توهيمية لأنها توهم أن الحكومة إستجابت لكل مطالب تلك الحراكات، وهي تهديدية لأنها تهدد من يستمر في الإحتجاجات السلمية بالإعتقال، وذلك ما حدث بالريف وزاگورة ووطاط الحاج وجرادة… والمطالب لا زالت تنتظر الإستجابة.
ويبدو أن السيد الوزير إستملح طابع تصريحاته التوهيمي والتهديدي فسار على منواله في تصريحه الأخير في مواجهة شعب المقاطعة في العالمين الواقعي والإفتراضي. فهدد الجميع بالمتابعة القضائية بتهمة ترويج أخبار زائفة في حال إستمرارهم في المقاطعة والدعوة إليها. ناسيا أن أكبر المحرضين على المقاطعة هم الوزراء أنفسهم وغيرهم من المسؤولين بتصريحاتهم البليدة والتهديدية والتخوينية للمقاطعين والمقاطعات، ناهيك عن سياسة الحكومة التقشفية والتفقيرية لعموم المواطنين والموالية للوبيات الإحتكار وإقتصاد الريع. مع ذلك، فإنه إذا ما كان هناك من يستحق أن يتابع بتهمة ترويج أنباء زائفة فهم قادة ما سمي بأحزاب التحالف الحكومي الذين إتهموا نشطاء حراك الريف وعموم أهل الريف بالإنفصال والتآمر والخيانة، وكان ذلك التصريح مطية لشن حملة إعتقالات كارثية بالريف لا مثيل لها في تاريخ الإعتقال السياسي بالمغرب. والأجدر أيضا أن يحاكم من إتهم المقاطعين بالخونة والمداويخ والمجهولين. كما أنه إذا كان ولا بد من محاكمة من يروج الأخبار الزائفة فالأولى محاكمة قنوات الإعلام العمومي السمعي والبصري ومنابر الإعلام المأجور التي تلك مهنتها.
لكن، من الظاهر أن الحكومة بوزرائها ومسؤوليها لا يعنيها أمر نشر الأخبار الزائفة التي تستهدف عموم المواطنين والمواطنات، ولا يزعجها سبهم بأقدح النعوت أو إحتقارهم وإهانتهم. والحكومة التي تتصرف بهذه الطريقة مع شعبها هي أسوأ حكومة على الإطلاق، لأن مثل هذه الحكومة لا شيء يربطها بزمن حقوق الإنسان والسيادة الشعبية والمواطنة بل هي حكومة تنتمي للقرون الوسطى، بما أنها تتعامل مع الشعب كقطيع من الرعاع وليس كتكتل من المواطنين الأحرار.
إن تصريح الخلفي والداودي والعثماني، وحتى تصريح بنكيران، الطاعن في النضالات الشعبية وفي المقاطعة يعني أن صراع قادة حزب العدالة والتنمية هو صراع حول المناصب والمكاسب وليس صراعا حول العدالة أو التنمية أو المواقف، وفِي نفس الوقت يعكس تخبط الحكومة في تعاملها مع أوضاع المغرب المتردية على كل المستويات. وهي ماضية في مواجهة الأزمات بالعقلية الأمنية ذاتها. وكأنها مقتنعة حقا بوهم أن تلك المقاربة هي العلاج السحري لكل الأزمات. فالتخوين والتهديد والمتابعة القضائية هو جواب الحكومة الوحيد على الحراكات الإحتجاجية والسلمية ومطالبها، طوال سنة من الغليان الإجتماعي الذي تفجر مع حراك الريف. ولم تكترث لعمق الأزمة الشاملة التي يعاني منها الشعب، لم تنتبه للطابع الإبداعي والسلمي لإحتجاجاته، ولم تعي أن مغرب ما بعد 20 فبراير 2011 ليس هو مغرب ما قبله. والأدهى من ذلك هو أن الحكومة تختزل الشعب المغربي في من صوتوا على الأحزاب المكونة لها، رغم هزالة نسبة المشاركة في تلك الإنتخابات أصلا. وفاتها أن تدرك أن جزءا كبيرا من شعب المقاطعة الإقتصادية هو شعب مقاطعة الإنتخابات، الشعب الرافض للفساد السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي، شعب الحراكات الإحتجاجية السلمية.
ولأن الشعب ولّاد خلّاق وذكي فإنه لم ولن يتردد عن إبداع أشكال المقاومة المدنية السلمية دفاعا عن حقوقه أمام تصلب الحكومة وعدم الإصغاء لمطالبه وتماديها في إهانته وقمعه وإرغامه على أن يدفع وحده تكاليف الأزمة الإقتصادية الباهظة.
ومعركة المقاطعة هي إحدى تجليات ذلك الإبداع الشعبي لا من حيث أسلوبها ولا من حيث إستهدافها لأهم محرك للتاريخ الإنساني: الإقتصاد. وتلك هي إحدى الأطروحات الأساسية للنظرية الماركسية التي لا يمكن دفنها في أي ماضٍ، بما أنها توجهنا لتشخيص الواقع وفهمه ثم العمل على تغييره لبناء المستقبل الأفضل، مستقبل الكرامة والحرية والعدالة.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.