المقاطعة رفض صارخ للإدلاء بشهادة الزور

بشرى النوري

كثر الغبار واللغط في هذه الحرب التي تدور باسم السباق نحو خدمة الشعب، وعوض أن توضح تصريحات المتبارين على “السلطة” الرؤية أمامنا، فإنها تجعلها أكثر ضبابية والشعب أكثر حيرة من أي محطة انتخابية سابقة؛ فلكل الأحزاب تقريبا برامج متشابهة وترفع سقف الوعود والآمال عاليا في حملتها إلى درجة أن تشابه علينا البقر…وبحسب ما علمنا إياه التاريخ فإنه بقدر ما يكون سقف الوعود التي يمنحها السياسي عاليا بقدر ما يكون السقوط مدويا وخيبة الأمل كبيرة

وكمحاولة لتحديد الخطوط العريضة لهذا الصراع الانتخابي نحو هذه السلطة التي يتوهمونها أو يوهمون الشعب بها، يمكننا التمييز بين فئة وإن اختلفت في المرجعيات والدوافع تضع كل بيضها في سلة الانتخابات المقبلة، وتراهن على هذه الاستحقاقات لتراكم التجارب بقصد إنجاح ما تسميه المسلسل الديموقراطي ومواصلة عملية الإصلاح التدريجي من داخل المؤسسات، وبين فئة ترى في عملية الانتخابات هذه وفي ظل ما تتيحه وتوفره السلطة؛ مهزلة حقيقية لا طائل منها سوى تكريس التحكم والسلطوية وبالتالي إطالة عمر الاستبداد والفساد الممأسسين في المغرب، وتتهم الفئة الأولى بمحاولة معالجة الماء بالماء وبالحرث في الرمل وبمنح الشرعية للنظام الذي يتحكم في الثروة والسلطة وفي العملية الانتخابية برمتها بآليات لا يمكن إلا أن تضمن استمراره

الفئة الأولى تنطلق من مبدأ أساسي وهو أن الطبيعة تخشى الفراغ وأن سياسة الكرسي الشاغر لم تعد تجدي، وبأن المشاركة ستحقق التراكم الكمي في أفق تحقيق النقلة النوعية التي ينتظرها الشعب من العملية الديموقراطية ومن التدافع السلمي نحو السلطة، يحاولون في خطابهم حول الدعوة إلى المشاركة إقناع الشعب بأن صوته ضروري لاستئناف مسيرة الإصلاح، يرفعون شعارات تبدو في ظاهرها معقولة وواقعية إن وضعناها خارج السياق السياسي والاقتصادي المغربي؛ شعارات من قبيل: إصلاح التعليم والصحة والقضاء، تخليق الإدارة، تطوير الفلاحة، تشجيع الاستثمار، خلق مناصب الشغل وتوظيف الشباب، استكمال مسيرة التنمية و النمو والنماء، محاربة الفساد والريع، تحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع عادل للثروة بين المغاربة …إلخ من الأحلام والوعود التي تطلقها الأحزاب المغربية لتجذب أكبر عدد من الناخبين إلى شرك الصندوق، لأنه وفي يقينها أن المواطن ومهما عانى؛ يظل يربي الأمل في التغيير وتحسين ظروف معيشه، ولأنها تراهن على نعمة النسيان التي ينعم بها هذا الشعب؛ التي لولاها لما ذهب مواطن واحد إلى مكتب التصويت بعد حكومتين أو ثلاث؛ لأنه سيتذكر كل مرة خيبته في من صوت عليه لتدبير شؤونه في الولايات السابقة.

إذا قررنا أن نكون متفائلين وإيجابيين جدا ومقبلين على المستقبل كما يوصينا بذلك مدربو التنمية الذاتية، وقررنا أن نصدق هذه الوعود الكبيرة التي يطلقها المتبارون نحو الكراسي، وفرضنا جدلا أن نيتهم حسنة وأن ما يبذلونه من مال وجهد ووقت هو في سبيل خدمة هذا الشعب كما يرددون في خطاباتهم، وأن كل من سيفرزهم الصندوق هم بالضرورة أشخاص نزيهون ويحملون إرادة حقيقية في الإصلاح…. قلت لو افترضنا حسن النية منا ومنهم؛ تحضرنا رزمة من الأسئلة يستحيل تفاديها؛ أولها: هل الانتخابات في المغرب حرة ونزيهة وغير متحكم فيها؟؟ هل البرلمان الذي سيفرزه هذا الصندوق يمتلك الصلاحيات الكافية للتشريع والرقابة؟؟ الحكومة المنبثقة عنه؛ هل لها من الآليات الدستورية ما يكفي لسن السياسات العمومية وتدبير الشأن العام لصالح الشعب والمصلحة العليا للبلاد؟؟ هل يتم تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في المغرب بالشكل الذي يضمن للمغاربة محاسبة المسؤولين في حالة تقصيرهم أو فسادهم ؟؟هل هناك فصل حقيقي بين السلط؟

بالنسبة لشفافية الانتخابات؛ نعلم جميعا أن هناك حزمة قرارات وإجراءات سنتها وزارة الداخلية تسمح بالتحكم بشكل قبلي في نتائج الانتخابات؛ لقد رفضت خلق لجنة مستقلة لمتابعة الانتخابات مفضلة تبعية هذه اللجنة للوزارة، رفضت التصويت وفق بيانات البطاقة الوطنية، رفضت تخفيض عدد مكاتب التصويت، خفضت العتبة الانتخابية إلى 3 بالمائة…إلخ من الإجراءات التي تسمح للسلطة بتفادي أي مفاجأة قد تفرزها صناديق الاقتراع…كلها إجراءات تقصي المغضوب عليهم من التباري بما أن اللائحة النهائية مطلوب التأشير عليها من قبل وزارة الداخلية، كما أنها ستفرز لنا برلمانا مبلقنا يستحيل معه تشكيل أغلبية حكومية منسجمة…إذن؛ فعن أي انتخابات حرة ونزيهة يتحدثون ؟؟

بالنسبة لصلاحيات البرلمان والحكومة؛ ينص الفصل الثاني من الدستور على أن “السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها. تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنظم” ، الفصل في ظاهره يضع السلطة في يد من المنتخبين، لكن مهلا، فالذين وضعوا الدستور لم ينسوا ثنائية المنح والمنع عند وضعه وتعاملوا مع المؤسسات وفق المثل القائل: “طلع تاكل الكرموس نزل شكون قالها ليك”، والدليل أن ما يمنحه الفصل الثاني لهذه المؤسسات  تأتي الفصول(51_47_48_49_50_ 95 _96_ 52_ 54_ 174_ 172_ 104..وفصول أخرى) لتنسفه أو بالأحرى لتضعه في يد الملك أو في يد بعض المؤسسات التي يرأسها أو يعين أعضاءها ورؤساءها، هذه الفصول التي تنسف الفصل الثاني تبرهن بأن الذي يحكم في المغرب غير منتخب ولا يحاسب، وبالإضافة إلى ما نسجله من استهتار وغياب للنواب البرلمانيين داخل القبة، سبق لبعض البرلمانيين أنفسهم أن صرحوا بأنهم يتلقون للتعليمات من ذوي السلطة الفعلية، وسبق لوزراء في الحكومة أن صرحوا عقب قضايا أثارها الرأي العام بأنهم لا علم لهم بما يحدث ولا يعرفون حقا من يتخذ القرات وسبق لرئيس الحكومة أن ردد غير ما مرة بأنه ليس سوى منفذ لأوامر الملك وأنه أتى “غير باش يعاون سيدنا” وبأنه لم يأت ليزاحمه.

 إذن؛ ما جدوى هذه الانتخابات إن كانت تفرز لنا مؤسستين شكليتين  تكفل الدستور بمصادرة السلطات الحقيقية لأعضائها؟ ما فائدة التوجه إلى صناديق الاقتراع وسلطات الملك ومن يعينهم أقوى من سلطات المنتخبين؟ ما فائدتها والملكية التنفيذية تمسك بخيوط  القضاء والتشريع وباقي المؤسسات الاستراتيجية الكبرى في الدولة، وتحوز سلطات فوق دستورية في الوقت الذي ينأى بها الدستور خارج أي محاسبة ويلغي فعليا مبدأ الفصل بين السلطات؟ ما جدواها إن كانت جل الأحزاب تعد بمحاربة الفساد إن وصلت إلى موقع التدبير والنيابة العامة تمارس العدالة الانتقائية حين تعجز عن تحريك دعوى ضد فاسدين من علة القوم وتحركها بسرعة البرق ضد من تجرأ وفضحهم ؟؟

والحال هذه؛ عندما تروج الدولة عبر الإعلام لضرورة التصويت، فهي تريدنا أن نصوت على مؤسسات مخصية، تريدنا أن نجدد دماءها كي لا تموت بالسكتة القلبية، أن نقدم متنفسا للتحكم الذي يشتكي منه أصحاب فكرة الإصلاح من داخل هذه المؤسسات، يريدون منا تغيير اللاعبين وتبقى اللعبة هي هي، أن نصدق وهم التغيير وديموقراطية الواجهة، يريدون منا أن نختار بأنفسنا من يطيلون عمر الفساد والاستبداد بالسلطة ويباركون سياسته، ينفقون من أموال الشعب على انتخابات تختار من يدبر الهامش الذي تتنازل عنه الملكية التنفيذية

لهذا وذاك؛ ولحفظ ماء الوجه، واحتراما للديموقراطية نفسها لم يعد أمام الضمائر الحية سوى الدعوة إلى المقاطعة كموقف سياسي واعي وكشكل نضالي احتجاجي ضد ما تكرسه السلطة، المقاطعة أضحت عملية جراحية لازمة لتحقيق التغيير الحقيقي …فبالمقاطعة يرفض الشعب عبث النسق السياسي الفاسد، وعبرها ننشد الحرية والكرامة ونرفض الخداع والكذب والنفاق …

لابد أن تكون لنا ذاكرة السمكة لنسلك نفس الطريق كل مرة ونتوقع نتيجة مختلفة

2 تعليقات
  1. ناتمولود علي يقول

    مل اتذ كره من درس”دراسةالمؤلفات “في الثانوي ان الكاتب عباس محمود العقاد (الله ادكروبخير) ينتقد الروايات الادبية للمنفلوطي(الله ادكروبخير) ويشبهه كمتفرج على غريق وهو جالس على الشاطئ يبكي ويتاسف لحالته (الغريق) تشبيه لموقف المقاطعة في حالةاختلال ميزان القوى لغير صالح متبني هدا الموقف

  2. rachid يقول

    la chafafia wa la messda9ia

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.