المغرب وفرنسا، عمق الغباء وانتصار المنطق

معذرة، هل نستطيع أن نفهم الازمة المغربية الفرنسية خارج المنطق العادي والسليم…؟ هل هناك في المغرب من يصدق أن فرنسا هي المخطئة في هذا الملف؟ كيف يتأتى لصحفي أو محلل سياسي يتمتع بقليل من الحصافة وقدرة على التحليل أن يكتب أنه على المغرب أن يتشبث بموقفه وأن لا يتنازل عن مطالبه من أجل عودة الحياة إلى علاقات التعاون بين البلدين….

بداية لنضع البلدان في موقعهما الحقيقي، فرنسا، خامس قوة عسكرية في العالم، من الدول المتقدمة، وعضو دائم في مجلس الامن وبها اكثر من مليوني مواطن مغربي، يحولون بعض الاوروهات، ويتمتعون بأنظمة الصحة والعمالة في هذا البلد، ثم المغرب، الدولة المتخلفة، التي تعرف خروقات متكررة وممنهجة لحقوق الانسان، التي لا توفر لمواطنيها ادنى سبل العيش الكريم، الغارقة في صراع حول الصحراء منذ اربعين سنة والتي تستجدي المساعدات من الاتحاد الاوروبي، وبدعم من فرنسا هذه….

ولنضع ايضا البلدان في صورة الصراع، الذي نشب على اثر استدعاء القضاء الفرنسي لمسؤولين مغاربة، خاصة رئيس المخابرات المدنيةً، عبداللطيف حموشي، للاستماع إليه على خلفية شكاية وضعها ضده المواطن المغربي، زكريا المومني، والذي يتهمه فيها بتعذيبه، رفقة الكاتب الخاص للملك، منير المجدي، وغيرهم من من وردت أسماءهم في شكايته…. لن نحسم في موضوع هذه الشكاية، لأنها بين إيدي القضاء، لكن موقف المغرب حيالها غريب وملتبس…

فإما أن المشتكي على خطأ، ولا يوجد أي ضير في أن يمثل المسؤولين أمام القضاء الفرنسي، متأكدين من براءتهم، رافعين رأس الوطن الحقوقي عاليا، فقد سبق أن مثل أمامه مسؤولين مغاربة عديدين، كما مثل أمام ذات القضاء رؤساء فرنسيون سابقون ووزراء، وأدينوا بالسجن، أو حكم ببراءتهم…

وإما أن المشتكي على حق، ولديه من الاثباتات ما يدين المسؤولين المغاربة، وهذه هي القناعة التي يرسخها يوما عن يوم سلوك الدولة المغربية، والتطبيل الذي يمارسه بعض الكتبة والصحفجيين النابحين، خاصة بعد الكشف عن حقيقة المطالب التعجيزية للمغرب من أجل اعادة العلاقات إلى ما كانت عليها، والقاضية بتمتيع المسؤولين المغاربة بحصانة تعفيهم من المساءلة القضائية… حتى والتسريبات من الخارجية تكذب هذه المطالب، إلا أن شروحاتها من الفداحة بما كان…..

لا يمكن مطالبة دولة مثل فرنسا، التي قطعت أشواطا كبيرة على درب التقدم والمساهمة في تعزيز منظومة حقوق الانسان، منذ الثورة الفرنسية واعلان القرن التاسع عشر للحقوق المدنية، واستقلال القضاء وتمتعه بالمعنى الحقيقي للسلطة، لا يمكن مطالبتها أن تخرق تاريخها ودستورها ارضاء لمطالب غير معقولة على المستوى العقل والمنطق…. السليم هو أن يتقدم هؤلاء المسؤولين للمثول أمام القضاء الفرنسي والدفاع عن أنفسهم…. السليم أيضا أن يفتح تحقيق نزيه هنا في المغرب حول هذه الشكايات، والوقوف على حقيقة ما تدعيه من كذبه، ومحاسبة المشتكى بهم إن ثبت تورطهم في تعذيب المواطن زكريا المومني….

السليم أيضا أن يفتح نقاش مع هذا المواطن، والوقوف على ما يدعيه، والوصول معه إلى سحب شكايته، بالقانون ودون ترغيب وترعيب ودون الخضوع إلى الابتزاز….

دون ذلك، كان مطلب زكريا المومني بليد وصبياني: أن ينعم بما يوفره مرسوم ريعي صادر عن دولة ريعية…. ثم تحول الى مطلب يجسّد المنطق العبودي في مطالب الرعية، أن يقابل مولاه كي يشتكي إليه العسس…..

كل هذا لن تفهمه فرنسا، وهي غير مجبرة على فهمه…. هي ستفقد احترامها لنفسها إن أذعنت للمطالب المغربية….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.