المغربُ وإسبَانيا وَالتّذكير بمَا لا ينبغيِ نِسيَانُه

على هامش الندوة الدّولية (المغرب – إسبانيا : القواسم المشتركة) التي نظمتها كليّة الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية يوميْ 13 و14 أبريل الجاري بمشاركة نخبة من الباحثين فى العلاقات الإسبانية – المغربية 

-مدريد- محمّد محمّد الخطّابي*

تدعونا هذه الندوة الدولية إلى معاودة إلقاء إطلالة على الماضي المشترك للبلدين الجارين المغرب وإسبانيا،  وموروثاتهما الثقافية، والحضارية، والتاريخية الثريّة المتنوّعة فى مختلف مجالات الحياة التي تقاسمها شعباهما على جانبي الضفّتين الأوربية الجنوبية، والإفريقية الشمالية ، كنموذج فريد متميّز للتعاون والتفاهم، والتقارب والتداني بين البلدين، مقدّمين بذلك نموذجاً مثالياً فى المنطقة على حسن التعايش والمعايشة، بدل التناوش والتشاكس، وإحترام الجوار، بدل إمتطاء حدبة التجنّي والجور، وإستئثار الحوار، عوض التعنّت والبوار..!

إسبانيا والمغرب بحكم موقعهما الجغرافي الممتاز، والجيوستراتيجي المتميّز، كبلدين جارين متقابلين ، إنطلاقاً من”ماضٍ” حضاريّ تقاسماه، و”ثقافةٍ” رفيعةٍ نَسَجَا خيوطها سويّاً، و”إشعاعٍ” متألق إنصهرا فى بوتقته، وبحكم”الحاضر” الواعد الذي يعيشانه، و”المستقبل” المشترك الذي يتطلّعان إليه، كلّ ذلك ينبغي أن يجعل منهما بلديْن واعييْن كلّ الوعي بالدّور الحيوي الهامّ المنوط بهما لتحقيق المزيد من التقارب، والتداني، والتعاون، والتفاهم، والعمل على نَسْج عُرَى صداقة أوثق، وترسيخ أواصر مودّة أعمق. ومدّ جسور التعاون بينهما فى مختلف الحقول، وبشكلٍ خاص فى الميادين الثقافية التي لهم فيها اليد الطولى، و الباع الطويل.

  فالقواسم والعناصرالصالحة المشتركة،والمكتسبات الهامّة لمورثات البلدين، الحضارية منها والتاريخية، والثقافية، واللغوية الثرية، تحفزهما أكثر من أيّ وقتٍ مضى لوضع قاطرة التعاون الثنائي بينهما على السكّة الصّحيحة القويمة ، لتقريب المسافات، وإستغلال، وإستخراج كلّ العناصرالإيجابية بينهما، في عصرٍأصبحت فيه التكتّلات الإقتصاديّة، والسياسيّة، والثقافيّة،والبشريّة، والإنسانيّة بين الدّول والشعوب تتبلور بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك لزيادة تعزيز الأرضية الصّلبة لعلاقاتهما المتينة فى مختلف مرافق الحياة المعاصرة ،و تقوية أوجه التعاون بينهما فى مختلف المجالات، الثقافية منها على وجه الخصوص،وهنا تكمن الأهميّة القصوى للدّور الحيوي الذي ينبغي أن تضطلع به الدبلوماسية الثقافية فى هذا القبيل بين الجانبين.

الموروث المشترك

الصّداقة القائمة بينهما، والتعاون المثمر الذي يجمعهما يَعكسان مقدارَ الرّغبة التي تحدوهما لزيادة بلورة طموحهما ، وتوسيع وتعميق تعاونهما فى شتىّ المجالات، والقطاعات السياسيّة، والتجاريّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والعلمّية، والإجتماعيّة، والسياحيّة، وفى مخططات التعاون الثنائيّة، والمشاريع الإستثمارية،والإنمائيّة، والصناعية الكبرى المشتركة إلخ . كلّ ذلك ينبغي أن يواكبه تبادلٌ ثقافيٌّ خِصب متنوّع ، وتعاون علمي مكثّف يزيدهما تعارفاً وتقارباً ،وتفاهماً وتناغماً، وإشعاعاً وتألّقاً ،ويعمل على زيادة تمتين أواصرالصّداقة والمودّة،وتوفير الإحترام المتبادل بينهما. وعليه فإنّ القولة المأثورة القائلة: “إنّ المغربَ يضاهي دوحةً عُظمىَ، جُذورُها ضاربةٌ فى عمق التراب الإفريقي،  وتتنفّس أغصانُها الباسقة ،وأوراقُها  اليانعة فى الرّبوع الأوربية” ستظلّ فى نظر الملاحظين حقيقة ماثلة للعيان لا مراء فيها بين البلدين..!.

هذا على الرّغم ممّا يشوب علاقات البلدين من أخذٍ وردّ، وطبخٍ ونفخ، وفتقٍ ورتق…! ممثّلة فى أمور وقضايا ومطالب ما زالت عالقة تنتظر الحلول الناجعة لها على المدى القريب والمتوسّط وغير البعيد…وهي أمور وقضايا ومطالب مشروعة ومعروفة لا تخفى على أحد، ويعرفها القاصي والدّاني على حدٍّ سواء!!

 ولا غرو ولا عجب فالمروث التاريخي، والثقافي، والحضاري المشترك الزّاخر بين البلدين يشكّل ولا ريب  أرضية صلبة، وحقلًا خصباً ممّا جعلهما ينفردان بخصوصّيات،ومميّزات قلّما نجدها لدى سواهما من البلدان الأخرى ،الشئ الذي أفضي الى خلق نوعٍ من الإستمرارية والتواصل الدائمين في علاقات البلدين منذ  عدّة قرون ،إذ يرجع التبادل الدبلوماسي بينهما منذ القرن السّابع عشر حيث  بدأ بشكلٍ إنفرد به المغرب، وكان له قصب السّبق فى ذلك ، حيث كانت البعثات،والسّفارات، والرّحلات الدبلوماسيّة المغربية هي البعثات الوحيدة الأولى التي زارت إسبانيا بدءاً أو إنطلاقا من بعثة إبن عبد الوهّاب الغسّاني سفير السّلطان المولى إسماعيل خلال حكم العاهل الاسباني كارلوس الثاني (1691-1690)، ومروراً بالسّفراء الزيّاني(1758) وأحمد المهدي الغزال (1766) وإبن عثمان المكناسي(1779) والكردودي (1885) إلخ،كلّ هذه الإتصلات،والبعثات المبكّرة شكّلت فى العمق” دبلوماسية ثقافية” غير مُعلنة من الطراز الرّفيع، إذ أولت جميع هذه السفارات للجانب الثقافي أهميّة قصوى،وعناية فائقة .

التصدّي للأفكار والأحكام المغلوطة

إنطلاقاً من هذا المفهوم،وتماشياً مع هذا السياق ما فتئ المثقفون، فى كلتا الضفّتين ( مغاربة وإسبان) يؤكّدون على الدّور المحوري الهامّ الذي تلعبه الثقافة،أو بالأحرى ينببغي أن تضطلع به الثقافة على وجه الخصوص فى توثيق وتعميق العلاقات بين الشعبين الإسباني والمغربي، للتصدّي للأفكار الجاهزة، والأحكام المسبّقة المغلوطة، والتصوّرات الخاطئة المنتشرة،والمُستشرية فى البلدين، فقد أصبح الإهتمام فى الضفتين بثقافة البلدين يتنامى بالفعل بشكلٍ مُرضٍ بينهما، خصوصاً في أوساط النّخب الثقافية، وكذا عند فئات واسعة من الجمهور، إنّ الاقبال المنتظم والمتزايد للإسبان على زيارة المغرب، وإقامة الكثير من المغاربة بإسبانيا من شأنه أن ينسج جسورَ الاهتمام لمعرفة واقع وثقافة وتاريخ البلد الآخر. وينبغي على البلدين التصدّي فى هذا السياق  للمفاهيم الخاطئة التي لا تقدّم صّورتهما  الحقيقية ، والتي تنتشر أساساً لدى الشرائح ذات الثقافة المحدودة، والمدارك الضيّقة ،وبالتالي فالوسيلة الوحيدة لمحو هذه التصوّرات الخاطئة هي العمل سوياً على واجهات التربية والتعليم، والإعلام، والثقافة،والفنون. إنه مجال يتطلب، منّا بذل مَجهودٍ مُضنٍ من أجل تعبئة  مختلف وسائل الإعلام قصد نقل الصّورة الحقيقية والإيجابية عن كلا البلدين، وتصقيلها،وتقديمها بالشكل الصّحيح غير المغلوط . ولم يألُ المثقفون الإسبانُ والمغاربةُ بالفعل وسعاً فى بذل الجهود المتواصلة  فى العقود الأخيرة والإضطلاع بدور طلائعي فى تطوير وتفعيل وتقوية العلاقات الثنائية بينهما.

اللغة الإسبانية وثقافتها

ينبغي لنا والحالة هذه، البحث عن كثب عن الوسائل الناجعة، والآليات العاجلة لزيادة إثراء الحوار الثقافي القائم بين البلدين لإقرار أرضية صلبة للتفاهم بينهما فى مختلف المجالات،السياسية، والإقتصادية، والتجارية تتماشى وتتناغم مع المعطيات التاريخية،والموروثات الثقافية المشتركة بينهما، وإقتناعهما بالتأثير الإيجابي المتبادل بين ضفّتيْ البلدين على إمتداد القرون، ممّا جعل من منطقة حوض المتوسّط  عبر التاريخ فضاءً ثقافياً خصباً، كان له تأثير بليغ على أوربّا، وشمال إفرقيا، ومختلف البلدان المجاورة ، كما جعلت  “الأندلس”  فى عزّ أوجها منهما بلدين متلاحمين، ومتقاربين، ومتشابهين، ومشتركين فى العديد من المظاهر الحضارية، والثقافية، واللغوية، والأدبية، والإبداعية، وفى مختلف الأشكال الفنيّة، والتصاميم المعمارية ، والهندسية ،ومرافق الحياة الأخرى، هذه التأثيرات، والبصمات المتشابهة طبعت البلدين إلى حدٍّ أصبح معه المغرب ينفرد بعلائق تاريخية وطيدة، وخصوصيّات ثقافية مميّزة مع جارته إسبانيا قد يعزّ نظيرها لدى جيرانها الآخرين .

ويلاحظ فى الوقت الرّاهن حضور متزايد للّغة والثقافة الإسبانيتين فى مختلف ربوع المغرب اللتين كادتا فى المدّة الأخيرة على التلاشي، والزّوال، والإندحار ، إلاّ أنّ لغة وثقافة  “سيرفانطيس” طفقتا تسترجعان مكانتيْهما السّابقتيْن لدى المغاربة الذين زاد إهتمامُهم لتعلّم هذه اللغة الجميلة، والتفاعل على أوسع نطاق مع الأنشطة الثقافية التي تنظمها المعاهد الثقافية الإسبانية الموجودة بالمغرب ،والتي تحمل إسمَ صاحب “دون كيشوت”(سيرفانطيس) ، الشئ الذي يبشّر بتفاؤل كبير بمستقبل الثقافة الاسبانية فى هذا البلد الذي يعتبر بل هو أقرب بلد من إسبانيا جغرافياً، وتاريخياً، وتقافياً، وإجتماعياً، وطبعاً، وتطبّعاً ! ، ولا شكّ أنّ  التبادل الثقافي بين البلدين سيزداد زخماً ومتانة بين الأجيال الجديدة  المقبلة في أفق بلورة فضاء تثاقفي مشترك يتقاسمه الشّعبان على مختلف الواجهات.

هذه الجهود المتواصلة، والاتصالات المبكّرة والحثيثة بين المغرب وإسبانيا خلقت نوعاً من الإستمرارية ، زادها العنصرُ الجغرافي بينهما متانةً وقوّةً وتواصلاً ، فضلاً عن الجانب الحضاري والثقافي المميّز الذي  يُعتبر عنصراً فريداً في بابه في تاريخ الأمم ،كلّ هذه الخصوصيّات  طبعت علاقات البلدين على إمتداد الحقب والعهود.  ولعَمْرِي إنّ هذا التقارب والتواصل والحوارالدائم القائم بينهما الذي لم ينقطع ، ولم يفترّ قطّ عبر القرون لهو خير رصيدٍ، وضمان لبناء مستقبل واعد حافل بالآمال، والتطلعات، والعطاءات الثرّة .

العناد أو تاغنّانت

إنّ وضع التجافي والتباعد الذي يطبع العلاقات المغربية الأسبانية منذ أعقاد خلت ، بين الفينة والأخرى،يرجع في الأساس الي موروثات تاريخية مغلوطة ، وعوامل عدّة لا تخفى على أحد في الضفتين المتجاورتين المطلتين الواحدة على الأخرى ،لقد آن لجيراننا أن يعرفوا ويتيقنوا أنّ زمنَ المقولة الشهيرة ” السّاحل خالٍ من المغاربة” (No hay  moros en la costa ) كناية على مثل دارج عندهم كثيرا ما تلوكه ألسنة الإسبان يفيد بعدم وجود الخطر الداهم على سواحلهم قد ولّىّ، ومضى بدون رجعة، فالعقليات قد تبدّلت ، والأجيال الحاضرة قد إرتقت سلاليم الوعي والإنفتاح والتعايش، وقبول الآخر، وإستيعاب التنوّع الثقافي والهويّاتي ، وتقبّل التعدّد العرقي والإْثنِي أصبح أمرا ًواقعاً في مختلف أصقاع وبقاع المعمور.

ينبغي علي جيراننا التحلّي بروح العصر، والنظر الى الأمور بواقعية وتبصّر وحكمة، فزمن الزّهو الإستعماري قد مضى لحاله وإنصرم بلا رجعة ، ينبغي عليهم  قبول النزاعات ومعالجتها بجرأة، وموضوعية،، هذه النزاعات التي فُرضتْ على البلدين قهراً وقسراً في زمن لم تكن مفاهيم السيادة و الحرية والإنعتاق قد تبلورت، والنظرة الشوفينية الضيّقة لم تعد تجرّ عليهما سوى التعنّت والعناد، وجيراننا الإسبان مشهورون بالعناد، ولهم فيه اليد الطولى، والباع الممدود، وهو ما يطلق عليه سكّان الرّيف (الذين يعرفون الإسبان جيّداً، ولهم معهم معايشات، وصَوْلات وجولات.. ! ) “تاغنّانت” ، فحتّى “هِتلر”شهد لهم بذلك، فقد أبى وامتنع  ذات مرّة في أن يلتقي من جديد ب “الجنرال فرانكو”بعد لقائه الأوّل به خلال الحرب العالمية الثانية، حيث قال عنه قولته الشهيرة في هذا القبيل:”أفضِّل أن يُنزَع لي ضِرس بدون بنج على أن ألتقي ثانية بهذا الرجل.. !.”

الغازات السامّة فى الرّيف وإبعاد المُوريسكيّين

 هذا العناد ربّما هو الذي جعل الإسبان يتماطلون،ويتمنّعون حتى الآن فى جبر الأضرار،وتحمّل مسؤوليتهم التاريخية حيال الأهوال، والفظائع التي عاشها أهل الرّيف الآمنين،وتقديم إعتذار علني من إسبانيا عن إستعمالها للأسلحة الكيمياوية العنقودية الفتّاكة ظلماً وعدواناً فى الحرب التحرّرية الباسلة التي دارت رحاها فى هذه الربوع الطيّبة ، ممّا نتج عن ذلك إنتشار وتفشّي أوبئة السّرطان اللّعين الذي حصد ظلماً وعدواناً،وقهراً وقسراً العديدَ من أنفس الأبرياء رجالاً ،ونساءً ،وشيوخاً، وأطفالاً وألحق الأضرار الجسيمة بأهاليهم الذين ما زال أحفادهم، يعانون من الآثار الوخيمة لهذه السّموم المحظورة إلى يومنا هذا المشهود.

 ،فضلاً عن موضوع طرد “الموريسكيّين” الأندلسيّين المسلمين “المُهَجَّرين” و”المُبْعَدين قسراً من مواطنهم، والذين إستقرّ معظمُهم فى المغرب، وفى الجزائر وتونس (معروف أنّ العاهل الإسباني السّابق خوان كارلوس الأوّل سبق له أن قدّم إعتذاراً  اليهود ( السيفارديم)  الذين أُبْعِدُوا من إسبانيا ،ولم يقم هو ولا خلفُه العاهل الإسباني فليبي السادس بنفس البادرة التاريخية حتى الآن مع المسلمين).ينبغي لإسبانيا أن تتحمّل مسؤوليتها التاريخية حيال هذ الحيف، والتظلّم الذين لحقا بهذا الموضوع الشائك ، ويعتبر المؤتمرالدولي (عقب الموريسكيّين والسيفاراديم بين التشريع الإسباني والقانون الدّولي) الذي سينظّم بالرباط فى الفترة المتراوجة بين 22 و23 من الشهر الجاري أبريل  من طرف “مؤسّسة ذاكرة الأندلسييّن” التي يرأسها الدّكتور محمّد نجيب لوُبارِيسْ خطوة رائدة فى هذا القبيل، هذا المؤتم (الذي دُعِيْتُ للمشاركة فيه بحول الله) لابدّ أنّه سيزيح الستائر، ويبدّد الشكوك عن غير قليل من مظاهر التظلم ،والإجحاف، والتطاول، الذي طال أجدادَنا فى الأندلس الذين تعرّضوا لعمليات طرد جماعي، وإبعاد وإقصاء وتهجير قسري، وتعسفي  من مواطنهم وأراضيهم ودورهم ، وكلّ ما تلا ذلك من تظلم وحيف وتمييز حاق، ولحق  بهؤلاء المُورسكييّن المُهجّرين رحمهم الله،وبارك فى عُمر أحفادهم،وفى أحفاد أحفادهم الذين يعيشون بين ظهرانينا فى العديد من المدن المغربية العريقة وأرباضها،ونواحيها، وفى سواحل الرّيف المتراميّة الأطراف حيث توجد  بها مجموعات سكنية إثنية متعدّدة تنحدر من الأندلس منها  فرقة تُسمّى : “إندروسان” أيّ فرقة “الأندلسيين” الذين هاجروا من الأندلس، واستقروا في منطقة بني ورياغل، وبالضبط في منطقة أجدير ” (أنظر بحث  الدكتور جميل حمداوي ( باحث بكلية الناضور) فى هذا القبيل بعنوان: “هجرة الأندلسيّين إلى منطقة الرّيف” .) العديد من المثقفين الإسبان والمغاربة ما إنفكّوا يحرّكون ويثيرون هذين الموضوعين فى الايام الاخيرة بلا هوادة لعلّ إسبانيا تخطو هذه الخُطوة الشجاعة حيالهما!.

سبتة ومليلية

عندما يثار الحديث عن سبتة ومليلية يقفز إلى ذهني على الفور بيت قرأته ذات مرة فى كتاب ” أزهار الريّاض فى أخبار القاضي عياض” فحفظته رأساً وحيناً عن ظهر قلب ، يقول الشاعر فيه عند تحيته لمدينته سبتة  : (سلام على سبتة المَغربِ  /    أخيّة مكّةَ ويثربِ) . المدينتان المغربيتان السليبتان سبتة ومليلية، والجزر الجعفرية ، وصخرة النكور ،والجزر الصغيرة المحاذية لرمال شاطئ “الصّفيحة” بأجدير (قرب مدينة الحسيمة) وجزيرة بادس، وجزيرة ليلى تورة كلها ما  زالت ( نواقيس) رنّانة صادحة، نقيس بها مدى ضرب ” النّوىَ” أو “التقارب” بين البلدين !، وهي ما فتئت  تذكّرنا عند إنبلاج كل صباح  بأنّه ما زالت هناك قضايا تاريخية جادّة شائكة عالقة ، ومواضيع ثنائية هامّة تمسّ السّيادة الوطنية فى الًّصّميم ، وهي قضايا ومواضيع ذات أبعاد عميقة، عويصة، ومستعصية ، فمهما كان وُسع قطرالغربال، فإنه ليس فى مقدوره أن يحجب عنّا شمس النهار.. !

التعدّد الثقافي بين البلدين

الحديث عن التعدّد الثقافي والتوّع الحضاري فى المغرب وإسبانيا يحلو و يطول، والتاريخ لا يُقرأ في هنيهة، إنّ الزّائر الذي يأتي لبلادنا أو يزور إسبانيا يلمس التاريخ والعمران المتشابه حيّا نابضا قائما في كل مظهر من مظاهر الحياة ، دراسةُ هذا التاريخ، و التعمّق فيه و إستخراج العناصر الصالحة منه أمر لا مندوحة لنا عنه،وهو أمر ينبغي ان يولى أهميّة قصوى ،وعناية فائقة ،وتتبّعا متواصلا من طرف الدولتين والمثقفين ،والكتّاب،والمفكرين، والخواصّ ، ومن لدن مختلف الجهات العلمية والتاريخيىة والمرافق التربوية والتعليمية التي تعنى بهذه المواضيع للتعريف بهذه الذخائر،فى البلدين، ونشر الوعي وتأصيله  بشأنها لدى أبناء جلدتهما ليكون المستقبل الذي يتوقان إليه مستقبل رقيّ وأوج،وإشراق، وتلاق وتلاقح بين ماض عريق، وحاضر واعد ، ولعمري إنّ لفي ذلك تجسيدا وتجسيما للعهود الزاهرة التي عاشها أجدادنا فى شبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب على حدّ سواء على إمتداد العصور الحافلة بالعطاء الثرّ ، والتعايش والتسامح، والإشعاع الثقافي والعلمي الباهر الذي شكّل وما يزال جسراً حضارياً متواصلًا بين الشرق والغرب، بين مختلف الأجناس، والإثنيات ،والمِلل، والنِحل.

دور المثقّفين المغاربة والإسبان

ما فتئ المثقفون، فى كلتا الضفتين يؤكّدون على الدّور المحوري الهامّ الذي تلعبه الثقافة على وجه الخصوص فى توثيق وتعميق العلاقات بين الشعبين الإسباني والمغربي، فقد إضطلع المثقفون الإسبان والمغاربة  بالفعل فى العقود الأخيرة بدورطلائعي فى تطوير وتفعيل وتقوية العلاقات الثنائية بينهما، ففى عام 1978 تمّ تأسيس “مجموعة المثقفين الإسبان والمغاربة” التي ضمّت صفوةً من الكتّاب، والأدباء، والمفكّرين المغاربة والإسبان التي ضمّت40 مثقفاً من المغرب ، و46 مثقفاً من إسبانيا الذين طالبوا بضرورة تحريك وتفعيل العلاقات الإسبانية المغربية على مختلف المستويات ، وإعطائها نفساً جديداً ، وإذكاء روح التعاون والتفاهم والحوارالدائم  بينهما. وقد أفضت هذه البادرة المبكّرة إلى تنظيم عدّة ندوات، وطاولات مستديرة هامّة حول مختلف أوجه التعاون الثقافي، والأدبي، منها” معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون” بين الطرفين التي ألحّت بدورها على ضرورة تفعيل وتحريك الجانب الثقافي بينهم. من الموقّعين المغاربة : المهدي بنونة، محّمّد شقور،محمّد شبعة،لسان الدين داود،عبد الكريم غلاب، محمد بن عيسى،مصطفى اليزناسني،محمّد العربي الخطّابي، محمّد محمّد الخطّابي(كاتب هذه السطور) ،عبد الكبير الخطيبي،عبد الله العروي، محمّد اليازغي ، محمّد المليحي،محمّد العربي المساري،سيمون ليفي، محمّدالصبّاغ،علي يعته..إلخ. ونذكر من الإسبان: خوان غويتيسولو ،فرناندو أرّابل، بيدرو مونطافيث،خورخي سينبرون،فاثكيث مونطالبان، فيكتور موراليس،وآخرين . وقد طالب هذا البيان بضرورة إعطاء نفس جديد للعلاقات الثنائية بين البلدين ، وإذكاء روح التعاون والتفاهم والحوار بينهما فى مختلف المجالات السياسية، واالإقتصادية، والثقافية، والإجتماعية، والإنسانية..إلخ .كما أفضت هذه البادرة المبكّرة فى ذلك الإبّان إلى تأسيس ” جمعية المثقفين الإسبان والمغاربة”التي نظمت فى البلدين ندوات وطاولات مستديرة دورية هامة حول مختلف اوجه التعاون الثقافي، والأدبي، والعلمي، والتاريخي وسواه بين البلدين. كما أسّست بعد ذلك” لجنة إبن رشد”التي تضمّ هي الاخرى نخبة من كبار المثقفين والأدباء والمفكرين، والشخصيات السياسية والإعلامية فى كلّ من إسبانيا والمغرب، والتي عقدت غير قليل من الإجتماعات والندوات فى البلدين لتسليط الاضواء على العديد من المواضيع والقضايا الحيوية التي تحظى باهتمام الطرفين سواء فيما يخصّ تاريخهما الحافل، وحاضرهما الواعد، ومستقبلهما المشترك.

هذا فضلا عن تأسيس العديد من الجمعيات الإسبانية المغربية سواء فى المغرب أو إسبانيا  ذات الصّبغة الثقافية والإجتماعية والإقتصادية والعلمية والفنية التي أصبح عددها يتنامى يوما بعد يوم، والتي تعمل هي الأخرى على تقريب الهوّة بين البلدين، والتعريف بطاقاتهما الخلاقة لتأكيد مزيد من التفاهم والتعايش بينهما فى مختلف الميادين ، وفى مقدّمة هذه الجمعيات ” جمعية الصّحافيين، المغاربة الناطقين باللغة الإسبانية” التي تضمّ نخبة هامة من مثقفينا اللاّمعين الذين لهم باع طويل، ودراية واسعة بلغة سيرفانطيس وآدابها وثقافتها،إلاّ أنّ هذه الجمعية وسواها  تصطدم دائما بعثرة قلّة ذات اليد، وندرة الإمكانيات المادية وضآلتها إن لم نقل إنعدامها.

وفى نفس الإتجاه ودعما وترسيخا لهذه الجهود كان قٌد أعلن فى المغرب منذ بضع سنوات كذلك عن تأسيس ” مندى الحوار المغربي الإسباني”بمبادرة من جماعة من المثقفين ورجال الاعمال والسياسة المغاربة ، وكانت هذه البادرة قد جاءت لتؤكّد فى بلاغها: “تعبيرا عن إقتناعها  الرّاسخ بأهمية العلاقات بين بلدين جارين، وضرورة تطويرها وتنويعها ، يربطهما التاريخ والجغرافية، بما يساهم فى إعداد هذه العلاقات لولوج عهد جديد، موسوم بطابع التعاون الشامل فى مختلف المجالات ، وذلك بإقامةوإرساء قواعد ثابتة ودائمة للحوار والتفاهم والتعايش بين الطرفين،ولكن ّ ووأسفاه.. بعض هذه الجمعيات إندثرت، وإمّحت، وتلاشت،وشلّت، وذهبت أدراج الريّاح ،وبمبادرة من جماعة من المثقفين، ورجال الأعمال، والسياسة المغاربة تمّ تأسيس “منتدى الحوار المغربي- الإسباني” الذي عبّر عن إقتناعه  الرّاسخ هو الآخر بأهمية العلاقات بين البلدين، وضرورة تطويرها وتنويعها فى مختلف المجالات، وإرساء قواعد ثابتة ودائمة للحوار والتفاهم والتعايش بين الطرفين.كما تمّ تأسيس “مركز الدّراسات الأندلسية والحوار بين الثقافات”، وتنشيط النادي الاقتصادي للمقاولين من خلال المجلس الاقتصادي المغرب- اسبانيا وسواها من المبادرات،والخطوات الأخرى التي جاءت بعد ذلك التي كانت تهدف برمّتها إلى هذه الغايات، والأهداف النبيلة التي تخدم المصالح المشتركة للبلدين .

الصّراع ضدّ الجّهل

والد العاهل الإسباني فليبي السادس خوان كارلوس الأوّل خلال إحدى زياراته للمغرب السابقة كان قد قال:” انه من الضروري أن نتعارف أكثر فيما بيننا،فما أفدح الجهل المتفشّي فينا، ينبغي أن نمحي من رؤانا  المشتركة جميع الصّورالمشوّهة، والأفكار المسبقة الخاطئة، كما ينبغي أن نقصي عنّا جميع الرواسب، وأن نقضي على بعض التأويلات التي تحول دون تعرفنا ونطردها من أذهاننا،أظن أنّ اسبانيا والمغرب ليسا ورثة القليل، ولقد طبعت فكرهما معرفة عامة كجارين عاشا على امتداد التاريخ واحدا بجانب الآخر،ولقد فرّقهما الجهل أحيانا بشكل يجاوز كل حدّ”. الكاتب الإسباني المعروف المقيم بمراكش خوان غويتيسولو ردّد اكثر من مرّة: “انّ المهمّة الملقاة على عاتقنا لهي مهمة واسعة ومتشعبة،إذ ينبغي على اسبانيا ان تعمل على إعادة نشر لغتها وثقافتها في مجموع منطقة شمال افرقيا ،ففي الوقت الذي تفتح فيه للثقافة واللغة الفرنسية في البوتقة المغربية مجالات واسعة، فانه ينبغي على اسبانيا ان تسير في نفس التيار، وتعمل على نشركتبها هناك، وإيفاد الأساتذة والمحاضرين، وإقامة  جولات مسرحية ، وتنظيم عروض سينمائية، وعلى المغرب من جانب آخر أن يقوّي حضوره الثقافي باسبانيا ،وتبيان الصورة الحقيقية للثقافة المغربية الغنية للرّأي العام الاسباني بنشر أعمال كتّابه وفنّانيه وفولكلوره الثريّ،كما انه على الأوساط الثقافية الاسبانية ان تجري حوارا مستمرا ودائما مع النخبة  المثقفة المغربية ودعم كفاحها من أجل مغرب قويّ وعادل وديموقراطي.

الهويّة الثقافية

 يؤكّد الدّارسون خلال حملاتهم الدبلومسية الثقافية فى مختلف أنحاء المعمور أنّ تاريخ المغرب الزّاخر، وتراثه العريق مستوحيان من ينابيع مغربية أصيلة، وروافد وافدة متداخلة متعدّدة، وإن إختلفت مصادرها، وينابيعها، وتباينت لغاتها وألسنتها بين أمازيغية بربربة، وعربية إسلامية، وصحراوية حسّانية، وما فتئت العديد من النصوص، والوثائق، والمظانّ، وأمّهات الكتب والمخطوطات، والأشعار، والآداب، والفنون، والعلوم التي أبدعها كتّاب، وفلاسفة، وعلماء، و شعراء، ومؤلفون مغاربة أقاموا واستقرّوا، أو ولدوا وترعرعوا،  فى هذا الرّبع القصيّ الجميل الكائن فى الشمال الغربي الإفريقي ، إلى جانب المعالم التاريخية، والمآثر العمرانية، والقلاع الحصينة، والدّور،والقصور،والجوامع والصوامع، والبساتين الفسيحة، والحدائق الغنّاء التي تبهر الناظرين،التي شيّدت وبنيت شامخة فوق أرضه الطيّبة، فضلا عن العادات والتقاليد المغربية الحميدة التي تأصّلت في أعراف وذاكرة الشعب المغربي في مختلف مناحي الحياة، كلّ ذلك ما زال شاهدا إلى اليوم على مدى الأوج البعيد الذي أدركه الإشعاع الحضاري فى بلادنا. فهذا الغيث الفيّاض الغامر المنهمر والمتنوّع من الإبداعات الرفيعة في مختلف الميادين لا يمكنه أن يحيا و ينمو و يزدهر من لا شئ، أو داخل حدود  ضيّقة أومنغلقة، بل إنّه ظهر وترعرع وإزدهر ووقف مشرئبّا إعتمادا على نبعه الأصيل، وإغترافا من معينه الأوّل وهو تاريخ المغرب التليد، وتراثه العريق ، وموروثاته الحضارية ذات الّرّوافد الثقافية المتعدّدة والمتنوّعة.

*********************************************************************

*كاتب،وباحث، ومترجم من المغرب،عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم –  بوغوطا – (كولومبيا)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.