المغاربة والهولنديون : النظرة السلبية وسوء الفهم الكبير (الجزء الأول)

تقطن في هولاندا 190 جنسية وأكثرها عددا تلك التي ينحدر افرادها من دول كالسورينام وأَروبَا وتركيا والمغرب. تشكل هذه الجنسيات مجتمعة أقلية صغيرة من المجتمع الهولندي حيث انخراط افراد هذه الجاليات فيه لا يكون بدون مشاكل، ويعرف طريق افرادها الى الاندماج فيه، عقبات عدة. حسب قراءة لمدير وكالة الدولة المركزية للإحصاء (CBS) في مختلف أبحاث ودراسات انجزتها نفس الوكالة، فإن المغاربة يعدون من أكبر الجاليات الاكثر انتاجا وانخراطا في المجتمع الهولندي ويحضون في أهمها وهو مجال التعليم بالمرتبة الثانية بعد الاوروبيين (من أَروبَا Aruba) مع ملاحظة مهمة وهو تفوق بفارق كبير للبنات على الذكور المغاربة في هذا المجال. معروف عن المغاربة تمثيليتهم المفرطة في مجالات شتى وعلى أكثر من مستوى، فتجدهم بزيادة في التمثيلية في أرقام البطالة وفي أرقام الجريمة وفي أرقام المشاركة السياسية، وفي أرقام الانخراط في الرياضة والفن والادب والتعليم بمختلف تجلياتها. لم يجد مدير الوكالة تبريرا لهذه الارقام ولهذه التمثيلية الكبيرة والتي يتميز بها المغاربة دون الآخرين إلا في مخزون كبير من الطاقة وامكانيات التطور والتي في حالة الاستثمار الجيد فيها وارشادها الى الطريق المرغوب فيه في المجتمع لاجل بلورتها وتفتقها، فإننا سنجد أنفسنا وجها لوجه أمام جالية بمقدورات عظيمة.

*****

إن هذه الحقيقة معروفة جدا، فرغم أن صورة المغاربة سوداوية اللون عند الشارع الهولندي، فإن نسبة نجاح أفرادها هي أيضا حقيقة معروفة عند نفس الشارع وعند المغاربة انفسهم، حزب الاصالة والمعاصرة مثلا استعمل في زحفه على الساحة الهولندية ليجذب الطاقات فيها اليه ما يلي: الرباط لا تزال تؤمن فقط في باريس، كل من درس هناك توظفه ككفاءة كبيرة في الرباط في حين أننا نرى الكفاءات الكبيرة والكثيرة في هولاندا مجهولة تماما عند الرباط. نحن نحاول أن نغير هذه المعادلة حتى يتسنى للوطن الانتفاع بأبنائه حسب مهاراتهم وكفاءاتهم دون التركيز فقط على الارتباط بباريس.

إن السؤال المحوري يبقى: على أي شيء ستركز النظر والاهتمام أكثر، عن التطرف والجريمة أو عن أشياء راقية أخرى لنفس الجالية؟ إن نظرة الشارع الهولندي وحاجة هذا الشارع الى كبش فداء أسود، تتغير بسرعة وتتحدد حسب نفس الشارع بهاذين المقايسين الرئيسيين:

– أن تكون الجالية منفتحة ومتفتحة على المجتمع الهولندي وتكون مشارِكة وناتجة فيه،

– أن يتمكن أفراد الجالية باللغة الهولندية ويداولونها في تواصلهم في المجتمع الهولندي.

إذا ما أخذنا بهذين المقياسين وطبقناهما عن الجاليات الاخرى فأكيد أن المغاربة لن يكونوا في الواجهة ولن يصيروا كبش فداء. فالواجهة ستكون مثلا للجالية الصينية المعروف عنها انغلاقها على نفسها وعدم تمكن جل أفرادها من اللغة الهولندية إضافة الى قلة مشاركتهم في المجتمع الهولندي وتفاقم مشاكل هذه الجالية وأفرادها في الادمان والاجرام والتهريب والشروط اللاإنسانية التي تهم السكن وشروط العمل في بيئاتهم المنغلقة والبعيدة عن اضواء الجهات الهولندية المراقبة. وجد الشارع الهولندي منذ بداية الستينات كبشا أسودا لها وتجلى في الجاليات الاسبانية والايطالية والبرتغالية قبل أن يحول نظرته الى الجالية المولوكية (اندونيسيا) بعد أن قام أفراد منها باختطاف مسلح لقطار هولندي سنة 1977 وما واكب هذا الحدث من استحضار للجالية في الصورة. مع بداية الثمانينات وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة تتحول النظرة الى السوريناميين الذين عوضوا مكان المولوكيين وبعدها قام الاتراك بنفس الشيء قبل أن تنتقل صورة كبش فداء الى المغاربة…

إن من يتابع هذه الصورة التي يشكلها الاعلام أساسا وتستمد قوتها من لقطات متناثرة من الشارع والتي غالبا ما تكون حية أكثر وسط الهولنديين الذي لم يسبق ان كان لهم اتصال وتماس مع المغاربة أو الاجانب، فسيلاحظ أن الجاليات المختلفة نجحت سريعا في الاخذ بزمام الامور وتغيير صورتها لدى الشارع الهولندي لكي لا تبقى في محور مصب الانتقاد اللاذع اللامتناهي اتجاهها. لكن أيستطيع المغاربة فعل هذا، أللمغاربة القدرة في أن يغيرووا صورتهم؟ أللهولنديين القدرة على تغيير نظرتهم؟ وما الذي يجعل نظرة الهولنديين الى المغاربة في هذه اللحظات تتلون بالسلبية؟ أسئلة سنحاول الاجابة عنها في الجزء الثاني.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.