المعطي منجب يكتب: بعض المعاني العميقة لحراك الريف

المعطي منجب

إذا اتخذنا الأحداث الجارية حاليا بالريف كموقع للملاحظة (observation site) التاريخية فإنه تبرز لنا بسرعة وبجلاء ثلاثة أمور رئيسية ومعبرة. هاته الأمور تحدثنا عن أبعاد عميقة هي في طور التبلور بالمجتمع المغربي عموما وبالمنطقة الريفية على الخصوص.
-النقطة الأولى أن منسوب العنف الجماعي قد تراجع بشكل لابأس به داخل منظومة القيم في المجتمع المغربي. فرغم أن الحدث الأصل والذي تسبب في كل ما جرى بالمنطقة وفي جزء كبير من المغرب منذ ما يقرب من ثمانية أشهر، كان مفجعا حقا وأن قراءة المعلومة على المستوى الأهلي كانت صادمة إلى أبعد حد حيث انتشر على نطاق واسع هاشتاغ «طحن-مو» أي إطحنه ولا ترفق به وبأمه، وحيث فُهمت القضية عموما على أن هناك مسؤولا إداريا أو أمنيا أعطى الأوامر للإجهاز على حياة الشاب بهذه الطريقة البشعة وأن ذلك كان ناتجا عن الاستهانة بحياة الناس المحليين من لدن ممثلي المخزن بالمنطقة، أقول رغم كل هذا فإن رد الفعل الشعبي الأولي واللاحق كان سلميا جدا بحيث لم يحاول أحد، بما في ذلك عائلة الفقيد، أن ينتقم من الفرد أو الجماعة التي اُعتبرت مسؤولة عن قتل الضحية. هذا رغم أن الثأر للقريب، ورد الظلم بالعنف وغسل الشرف بالدم كانت ممارسات معروفة، في عدة مناطق مغربية ومنها الشمال، إلى حدود العقود الأخيرة من القرن العشرين. وهنا يجب الإشارة إلى أن زعيم الحراك ناصر الزفزافي استغل فترة اختفائه ومطاردته من طرف الأمن ليوجه نداء إلى الالتزام بالسلمية مهما كان تصرف الدولة. كما أن انتشار معلومات عن الطريقة العنيفة التي اعتقلته بها الشرطة وتصريحات محاميه بأنه عُنف فعلا من لدن الأمن وبأنه يعاني، وهو رهن الاعتقال، من جرح في رأسه وكدمات في وجهه، لم يؤد إلى أي انفجار للعنف بمنطقة الريف رغم أن أطرافا في الدولة كانت تتخوف من ذلك وتتهيأ له.
– الظاهرة الثانية التي جذبت أنظار الملاحظين هي الدور التنظيمي والسياسي الذي لعبته المرأة الشابة في الحراك منذ بدايته. بل إن عدة نساء قد تزعمن الحركة فبادرن إلى توجيه النداءات للتظاهر والاحتجاج بعد اعتقال أو اختفاء «الجيل» الأول من الزعماء. وهكذا برزت عدة أسماء منها نوال بنعيسى وسليمة الزياني المعروفة بسيلي. بل إن الأخيرة أصبحت نوعا ما -قبل اعتقالها- ناطقة باسم الحراك حيث ألهبت عواطف المحتجين كما حاولت تقوية عزيمتهم بأشعارها أثناء تدخلاتها في الوقفات الليلية. فأين نحن من المنع التقليدي لخروج البنات من منازلهن بعد غروب الشمس ولو لمأتم؟
وهنا يجب التذكير بأن بعض المتشددين عبروا أحيانا عن امتعاضهم من هذا الدور الذي لعبته النساء خصوصا عند صعودهن للخطابة إلا أن رد فعل الجمهور الغاضب قد وضع حدا لذلك. ويمكن أن نخلص إلى لقول أن تراجع العنف على المستوى القيمي قد رافقه اندحار بين للذكورية في الفضاء العام. والسؤال الذي يمكن أن يتبادر للذهن الآن هو : هل في هذا التزامن علاقة سببية أم أنها الحداثة تغزو ككتلة متراصة النسق القيمي والثقافي للمغرب الأقصى؟
– الشيء الثالث المعبر الذي يمكن ملاحظته من خلال الحراك ومطالبه هو التقدم الذي يبدو انه حصل على مستوى سيرورة الإدماج الوطني بالمغرب (national integration). فكما نعلم فمنطقة الريف منطقة أمازيغية فخورة بهويتها إلا أنه ورغم تعيين حكومة يترأسها لأول مرة في تاريخ المغرب المستقل أمازيغي هوياتي هو السيد سعد الدين العثماني الذي فرض، مثلا، على المستوى الإعلامي الرسمي طيلة فترة ترؤسه للديبلوماسية المغربية تعبير «المغرب الكبير» عوض «المغرب العربي» للتدليل على الشمال الغربي لإفريقيا، فإن ذلك لم يخفف أبدا من حدة التوتر بين المنطقة والمركز بل إن زعماء الحراك تابعوا رفضهم للحوار مع الحكومة الجديدة كما فعلوا مع حكومة بنكيران.
أضف إلى ذلك أن الرجلين القويين الثاني والثالث في حكومة العثماني أي عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري وعبد الوافي لفتيت وزير الداخلية، هما أيضا أمازيغيان بل إن الأخير ريفي قح، ووجه كلاهما بلامبالاة مهينة لما زارا المنطقة في الأسابيع الأخيرة. وللإشارة فإن أحد المطالب الأساسية لانتفاضة 1959 هو تعيين شخصية ريفية في الحكومة المركزية. وهذا يدل على التطور الحاصل. في نفس الاتجاه يمكن أن نذكر إن خطاب زعماء الحراك وذلك منذ بداية الأحداث يتوجه إلى المغاربة جميعا وليس فقط إلى «ريافة» كما أن السكان غير الريفيين بالحسيمة يشاركون في الاحتجاج كبقية السكان ولم يخلق ذلك أي مشكل في صفوف المتظاهرين. كذلك فإنه لما دعت جماعة العدل والإحسان القوية وطنيا -والتي لا تتواجد بكثافة بالحسيمة- إلى مسيرة مركزية بالرباط يوم 11 يونيو للتضامن مع معتقلي الشمال و»ضد الاستبداد» فإن من سار في مقدمة المظاهرة هي عائلات السجناء الريفيين ومنهم والدي ناصر الزفزافي.

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.