المعركة الاصلح للمتهم ..!

كان دائما يثار التساؤل حول مدى تأثير الإعلام و وسائل التواصل الاجتماعي على القضايا والملفات التي تكون بين يدي القضاء . وهو موضوع يرتبط أساسا بمفهوم استقلال هذا القضاء الذي يجب أن يكون بعيدا عن أي تأثير ومن من أي جهة كانت تشريعية أو تنفيذية أو إعلامية…
ولا شك أن الأمر يزداد حساسية في القضايا الجنائية المطوقة بضوابط ومبادئ عامة تأخذ بعين الاعتبار تأمين مقومات المحاكمة العادلة.
صحيح ، لا احد ينكر دور الإعلام في تنوير الرأي العام بما يقع من حوادث ونوازل طارئة ، بل يكون له شرف السبق للتنبيه أولا و الكشف ثانيا و الفضح ثالثا لمواطن الخروقات التي تشوب ممارسة حرية ما أو تقييدها ، وكم من تشريعات لعب الإعلام دورا حاسما في تغييرها ، ..
لكن السؤال الذي يجب طرحه في هذا الجانب : هل هناك من حدود يجب أن يتوقف عندها التناول الإعلامي لقضية معروضة على القضاء مع التنبيه دوما أن التحقيق في القضايا الجنائية محكوما بمبدأ السرية..؟
مرد هذه التوطئة يعود طبعا ، بمناسبة محاكمة “الصحفي بوعشرين “وما رافق اعتقاله من كثرة تداول مصطلح “المحاكمة العادلة” سواء تم ذلك في سياق عقد الندوات الصحفية لدفاعه أو التصريحات الإعلامية لدفاع الجهات المشتكية أو بلاغات النيابة العامة أو في إطار الآراء ذات المرجعيات المختلفة، ناهيك عن كم هائل من المواقف والمعلومات التي تضج بها صفحات الفايسبوك وهي تناقش القضية موضوع المحاكمة في جوانبها القانونية وتداعياتها السياسية و الإعلامية و الأخلاقية… ، بحيث أضحت القضية موضوع المحاكمة تنتقل بين المواقع كمجرد فرجة بالألوان !
المحاكمة العادلة إذن كما تؤكد منطلقاتها الكونية ، هي أن ينعم المتهم بقضاء مستقل مختص و محايد و ملتزم بقواعد الشرعية ، مستحضرا مبدأ البراءة كأصل ثابت بحيث أن وصف المجرم لا يتم إلا بعد الإدانة القضائية النهائية.مع كفالة حق الدفاع والاتصال بالمحامي الذي يستأمن على قضية موكله ويتخابر معه في إطار من الخصوصية والسرية .
هذا المتهم المحروم من الحرية والمقيد في تصرفاته ، فعندما يتخابر مع دفاعه ويبوح له بأسراره فإنه يكشف له ما يقال في وسائل الإعلام وينثر على صفحات التواصل وما يجب أن تبتلعه جدران حيز المخابرة ويظل حبيس الصدور.وهو ذات المنطق ينطبق على الجهات المشتكية ، إذ أن نشر أوراق القضية أولا على الكافة وبسط وسائل الدفاع ومضامين المحضر من شانه أن يسيء إلى عدالة قضيتهن و تترسخ لدى الجموع فكرة لا يمكن اقتلاعها أبدا : الضحية المذنبة .
نعلم انه في إطار المحاكمة ، لرجال الدفاع دور كبير جدا في ابداء الجوانب القانونية والدفوع المختلفة التي تناقش الملف من لحظة إيقاف المتهم إلى حين صدور الحكم ، فهناك جوانب شكلية عديدة تثار في هذه المرحلة ، وهي ليست ترفا إجرائيا تحفل به قوانين المسطرة الجنائية ، بل هي ضوابط قانونية ارتكنت إليها كل التشريعات ضمانا لحقوق المتهمين وصونا لسلامة المحاكمة العادلة ، و رتبت على خرقها بطلان كل هذا المسلسل، كإخبار الموقوف بسبب إيقافه وعرض الحقوق المكفولة له و شروط التفتيش و ماتستلزمه من ضوابط وغيرها من الضمانات ..مرورا بمناقشة الموضوع إلى حين صدور الحكم .
لكن الملاحظ أنه يتم استسهال خطورة هذه المحطات ، وربما التسرع في عرضها على الرأي العام بعقد الندوات الصحفية و الخرجات غير المقدر تأثيرها على حقوق الموقوف أو مصالح الضحايا …(رجال دفاع ضد بعضهم البعض .مشتكيات ضد رجال سياسة و رجال دين …إعلاميون بعضهم يتضامن والآخر يصفي أخر الحساب ..) وكأن جميعهم يريد حسم المعركة إعلاميا قبل التوجه لقضاة الحكم .
واللافت أيضا أن النيابة العامة انخرطت في هذا الجدل المشحون إعلاميا وتوجهت للرأي العام من خلال ندوة صحفية ناقشت فيها دفوعا تتعلق بموضوع ذكر حالة التلبس وأثر كتابتها في المحضر وهي شؤون تناقش في مكانها الأصلي أمام هيئة الحكم وليس أمام كثافة الميكروفونات وعدسات المصورين.
عرضت أيضا تفاصيل الاستماع إلى إحدى المشتكيات بمقر الفرقة الوطنية صوتا وصورة كرد حاسم عن شكاية بزورية المحضر ،وهي خطوة على ما أعتقد سوف تثير لدى الكثيرين كثلة محترمة من الأسئلة، أقلها أن بات الرأي العام يعرف أن هذه المؤسسة الأمنية الوطنية تنجز محاضرها مصورة بالفيديو و ثانيا يتعين البحث أيضا عن سند ومشروعية التصوير ، وثالثا – أنه من باب المساواة – فمن حق كل من يطعن في محضر للضابطة القضائية أن يطلب إحضار فيديو تلاوة محضر استماعه.
إن أهم ما يؤثر في سلامة المحاكمة هو التشكيك في مصداقية المؤسسات ،وان كل طرف يضع معايير المحاكمة العادلة على مقاسه ، و كمثال بسيط نختتم به هذه العجالة : تم اعتقال رئيس دولة سابق مثل فرنسا ،ولم يتم المساس أبدا بمؤسساتها لأن الجميع بما فيهم المتهم يعلم أن محاكمته ستكون عادلة .

ذ. نبيل الحمري- محامي


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.